علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٦٥ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ١٥٢–١٦١

باستحكام غفلته كما تحرك النائم باليد والمفرط الغفلة باليد واللسان ولهذا حذفت الكاف في آية يونس ( 1 ) لانه لم يتقدم قبلها ذكر صمم ولا بكم يوجب تاكيد الخطاب وقد تقدم قبلها قوله قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار 2 إلى ما بعدهن فحصل تحريكهم وتنبيههم بما لم يبق بعده إلا التذكير بعذابهم انتهى

وقال ابن فارس في قوله تعالى أرأيتك هذا الذي كرمت علي 3 قال البصريون ( 4 ) هذه الكاف زائدة زيدت لمعنى المخاطبة قال محمد بن يزيد وكذلك رويدك زيدا قال والدليل على ذلك انك اذا قلت ارايتك زيدا فانما هي ارايت زيدا لان الكاف لو كانت اسما استحال أن تعدى ارايت إلى مفعولين والثاني هو الاول يريد قولهم ارايت زيدا قائما لايعدي رايت إلا إلى مفعول هو زيد ومفعول آخر هو قائم فالاول هو الثاني

وقال غيره من جعل الاداة المؤكد بها الخطاب في ارايتكم ضمير لم يلزمه اعتراض بتعدي فعل الضمير المتصل إلى مضمره المتصل لان ذلك جائز في باب الظن وفي فعلين من غير باب ظننت وهما فقدت وعدمت وكذلك تعدي فعل الظاهر إلى مضمره المتصل جائز في الافعال المذكورة والايات المذكورة من باب الظن لان المراد ب رايت رؤية القلب فهي من المستثنى وانما الممتنع ( 6 ) مطلقا تعدى

فعل المضمر المتصل إلى ظاهرة فلا اختلاف في منع هذا من كل الافعال

واما من جرد اداة الخطاب المؤكد بها للحرفية وهو قول الجمهور فلا كلام في ذلك

وقد اختلف في موضع الكاف من هذا اللفظ على اقوال

قال سيبويه لا موضع لها

وقال السكاكي موضعها نصب

وقال الفراء رفع

اذا علمت هذا فلها موضعان احدهما إن تكون بمعنى اخبرني فلا تقع إلا على اسم مفرد أو جملة شرط كقوله أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم 1 الآية ولا يقع الشرط إلا ماضيا لان ما بعده ليس بجواب له وانما هو معلق ب أرأيتك وجواب الشرط اما محذوف للعلم به واما للاستفهام مع عامله واذا ثنى هذا أو جمع لحقت بالتثنية والجمع الكاف وكانت التاء مفردة بكل حال

قال السيرافي يجوز أن يكون افرادهم للتاء استغناء بتثنية الكاف وجمعها لانها للخطاب وانما فعلوا ذلك للفرق بين ارايت بمعنى اخبرني وغيرها اذا كانت بمعنى علمت

والثاني تكون فيه بمعنى انتبه كقولك ارايت زيدا فاني احبه أي انتبه له فاني احبه ولا يلزمه الاستفهام

وقد يحذف الكلام الذي هو جواب للعلم به فلا يذكر كقوله تعالى يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله 1 فلم يات بجواب

واتى في موضع آخر بالجواب ولم يات بالشرط قال تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه 2 ف من الاول بمنزلة الذي & تنبيه

قال سيبويه لا يجوز الغاء ارايت كما يلغى علمت ازيد عندك أم عمرو ولا يجوز هذا في ارايت ولا بد من النصب اذا قلت ارايت زيد أبو من هو قال لان دخول معنى اخبرني فيها لا يجعلها بمنزلة اخبرني في جميع احوالها

قال السهيلي وظاهر القرآن يقتضي خلاف قوله وذلك انها في القرآن ملغاة لان الاستفهام مطلوبها وعليه وقع في قوله أرأيت إن كذب وتولى ألم يعلم 3 فقوله ألم يعلم 3 استفهام وعليه وقعت ارايت وكذلك ارايتم و ارايتكم في الانعام والاستفهام واقع بعدها نحو هل يهلك إلا القوم الظالمون 4 و الفاسقون 5

وهذا هو الذي منع سيبويه في أرأيت وأرأيتك ولا يقال ارايتك أبو من انت قال لكن الذي قال سيبويه صحيح لكن اذا ولى الاستفهام ارايت ولم يكن لها مفعول سوى الجملة

واما في هذه المواضع التي في التنزيل فليست الجملة المستفهم عنها هي مفعول ارايت ولم يكن لها مفعول محذوف يدل عليه الشرط ولا بد من الشرط بعدها في هذه الصورة لان المعنى ارايتم صنيعكم إن كان كذا وكذا كما ر في ارايت إن لقيت العدو اتقاتل أم لا تقديره ارايت رايك وصنعك إن لقيت العدو فحذف الشرط وهو إن دال على ذلك المحذوف ومرتبط به والجملة المستفهم عنها كلام مستانف منقطع إلا إن فيها زيادة بيان لما يستفهم عنه ولو زال الشرط ووليها الاستفهام لقبح كما قال سيبويه وغيره في علمت وهل علمت وهل رايت وانما يتجه مع ارايت خاصة وهي التي دخلها معنى اخبرني ( 1 ) & علم العرفانية

لا تتعلق إلا بالمعاني نحو لا تعلمون شيئا 2

فاما نحو قوله تعالى لا تعلمهم نحن نعلمهم 3 وقوله فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين 4 فالتقدير لا تعلم خبرهم نحن نعلم خبرهم فليعلمن الله صدق الذين صدقوا وليعلمن الله نفاق المنافقين فحذف المضاف

وذكر ابن مالك انها تختص باليقين وذكر غيره انها تستعمل في الظن ايضا بدليل قوله فإن علمتموهن مؤمنات 5

وله أن يقول العلم على حقيقيته والمراد بالايمان التصديق اللساني

اصلها للاعتقاد الراجح كقوله تعالى إن ظنا أن يقيما 1

وقد تستعمل بمعنى اليقين لان الظن فيه طرف من اليقين لولاه كان جهلا كقوله تعالى يظنون أنهم ملاقو ربهم 2 إني ظننت أني ملاق 3 وظن أنه الفراق 4 ألا يظن أولئك 5 وللفرق بينهما في القرآن ضابطان

احدهما انه حيث وجد الظن محمودا مثابا عليه فهو اليقين وحيث وجد مذموما متوعدا بالعقاب عليه فهو الشك

الثاني أن كل ظن يتصل بعده إن الخفيفة فهو شك كقوله إن ظنا أن يقيما حدود الله 1 وقوله بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول 6

وكل ظن يتصل به إن المشددة فالمراد به اليقين كقوله إني ظننت أني ملاق حسابيه 7 وظن أنه الفراق 8

والمعنى فيه إن المشددة للتاكيد فدخلت على اليقين وان الخفيفة بخلافها فدخلت في الشك

مثال الاول قوله سبحانه وعلم أن فيكم ضعفا 9 ذكر ب أن وقوله فاعلم أنه لا إله إلا الله 10

ومثال الثاني وحسبوا ألا تكون فتنة 11 والحسبان الشك

فان قيل يرد على هذا الضابط قوله تعالى وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه 12

قيل لانها اتصلت بالفعل

فتمسك بهذا الضابط فانه من اسرار القرآن ثم رايت الراغب قال في تفسير سورة البقرة

الظن اعم الفاظ الشك واليقين وهو اسم لما حصل عن امارة فمتى قويت ادت إلى العلم ومتى ضعفت جدا لم تتجاوز حد الوهم وانه متى قوى ي استعمل فيه أن المشددة و أن المخففة منها ومتى ضعف استعمل معه إن المختصه بالمعدومين من الفعل نحو ظننت أن اخرج وان يخرج فالظن اذا كان بالمعنى الاول محمود واذا كان بالمعنى الثاني فمذموم

فمن الاول الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم 1

ومن الثاني إن هم إلا يظنون 2 وقوله وإن الظن لا يغني من الحق شيئا 3 & فائدة

لايجوز الاقتصار في باب ظن على أحد المفعولين إلا أن يكون بمنزلة انهم قالوا قوله تعالى وما هو على الغيب بضنين 4 قرأ الحرميان وابن كثير بالظاء وهو فعيل بمعنى مفعول والضمير هو المفعول الذي لم يسم فاعله وقرأه الباقون بالضاد وهو بمعنى فاعل وفيه ضمير هو فاعله والمعنى بخيل على الغيب فلا يمنعه كما تفعله الكهان والمعنى على القراءة الاولى ليس بمتهم على الغيب لانه الصادق

واما قوله وتظنون بالله الظنونا 5 فانها بمنزلتها في قولك نزلت بزيد

& شعر

ومنه شعر بمعنى علم ومصدره شعره بكسر الشين كالفطنة وقالوا ليت شعري فحذفوا التاء مع الاضافة للكثرة قال الفارسي وكأنه مأخوذ من الشعار وهو ما يلي الجسد فكأن شعرت به علمته علم حس فهو نوع من العلم ولهذا لم يوصف به الله

وقوله تعالى في صفة الكفار وهم لا يشعرون 1 ابلغ في الذم للبعد عن الفهم من وصفهم بأنهم لا يعلمون فان البهيمة قد تشعر بحيث كانت تحس فكانهم وصفوا بنهاية الذهاب عن الفهم

وعلى هذا قال تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء 2 إلى قوله ولكن لا تشعرون 2 ولم يقل لا تعلمون لان المؤمنين اذا اخبرهم الله تعالى بانهم احياء علموا انهم احياء فلا يجوز أن ينفى عنهم العلم ولكن يجوز إن يقال لا تشعرون لانه ليس كل ما علموه يشعرون به كما انه ليس كل ما علموه يحسونه بحواسهم فلما كانوا لا يعلمون بحواسهم حياتهم وانهم علموها باخبار الله وجب أن يقال لا تشعرون دون لا تعلمون & عسى ولعل

من الله تعالى واجبتان وان كانتا رجاء وطمعا في كلام المخلوقين لان الخلق هم الذين يعرض لهم الشكوك والظنون والبارئ منزه عن ذلك

والوجه في استعمال هذه الالفاظ أن الامور الممكنة لما كان الخلق يشكون فيها

ولا يقطعون على الكائن منها وكان الله يعلم الكائن منها على الصحة صارت لها نسبتان نسبة إلى الله تعالى تسمى نسبة قطع ويقين ونسبة إلى المخلوق وتسمى نسبة شك وظن فصارت هذه الالفاظ لذلك ترد تارة بلفظ القطع بحسب ما هي عليه عند الله كقوله فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه 1

وتارة بلفظ الشك بحسب ماهي عليه عند المخلوقين كقوله فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده 2 عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا 3

وقوله فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى 4 وقد علم الله حين ارسلهما ( 5 ) ما يفضى إليه حال فرعون لكن ورد اللفظ بصورة ما يختلج في نفس موسى وهارون من الرجاء والطمع فكانه قال انهضا إليه وقولا في نفوسكما لعله يتذكر أو يخشى

ولما كان القرآن قد نزل بلغة العرب جاء على مذاهبهم في ذلك والعرب قد تخرج الكلام المتيقن في صورة المشكوك لاغراض فتقول لا تتعرض لما يسخطني فلعلك إن تفعل ذلك ستندم وانما مراده انه يندم لا محالة ولكنه أخرجه مخرج الشك تحرير للمعنى ومبالغة فيه أي أن هذا الامر لو كان مشكوكا فيه لم يجب أن تتعرض له فكيف وهو كائن لا شك فيه وبنحو من هذا فسر الزجاج قوله تعالى ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين 6

وأما قوله لعلي أبلغ الأسباب 7 فاطلاعه إلى الاله مستحيل فبجهله اعتقد في المستحيل الامكان لانه يعتقد في الاله الجسمية والمكان

ونص ابن الدهان في لعل جواز استعماله في المستحيل محتجا بقوله لعل زمانا تولى يعود

وقال أيضا كل ما وقع في القرآن من عسى فاعلها الله تعالى فهي واجبة

وقال قوم إلا في موضعين قال تعالى عسى ربه إن طلقكن 1 ولم يطلقهن ولم يبدل بهن

وقوله عسى ربكم أن يرحمكم 2 وهذه في بنى النضير وقد سباهم النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم وابادهم

وقال أيضا وهذا عندي متأول لأن الأول تقديره إن طلقكن يبدله وما فعل فهذا شرط يقع فيه الجزاء ولم يفعله والثاني تقديره إن عدتم رحمكم وهم أصروا وعسى على بابها

قال وعسى ماضى اللفظ والمعنى لأنه طمع وذلك حصل في شىء مستقبل

وقال قوم ماضي اللفظ مستقبل في المعنى لأنه أخبر عن طمع يريد إن يقع

واعلم أن عسى تستعمل في القرآن على وجهين

أحدهما ترفع اسما صريحا ويؤتى بعده بخبر ويلزم كونه فعلا مضارعا نحو عسى زيد أن يقوم فلا يجوز قائما لأن اسم الفاعل لا يدل على الزمان الماضي قال الله تعالى فعسى الله أن يأتي بالفتح 3 فيكون أن والفعل في موضع نصب ب عسى

وقال الكوفيون في موضع رفع بدل

ورد بأنه لا يجوز تركه ويجوز تقديمه عليه

الثاني أن يكون المرفوع بها أن والفعل وهو عسى أن يقوم زيد فلا يفتقر هنا إلى منصوب

ونظيره وحسبوا ألا تكون فتنة 1

ومنه قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا 2 لا يجوز رفع ربك ب عسى لئلا يلزم الفصل بين الصلة والموصول بالأجنبي وهو ربك لأن مقاما محمودا منصوب ب يبعثك

وكذلك كقوله وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم 3 لأن الضميرين متصلان ب تكرهوا وتحبوا فلا يكون في عسى ضمير

اتخذ

قال تعالى لو شئت لاتخذت عليه أجرا 4 قال الفارسي ولا أعلم تخذت يتعدى إلا إلى واحد

وقيل أصل اتخذت تخذت فأما اتخذت فعلى ثلاثة أضرب

أحدهما ما يتعدى به إلى مفعول واحد كقوله تعالى يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا 5

أم اتخذ مما يخلق بنات 6

واتخذوا من دونه آلهة 7

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر