علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٦٤ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ١٤٢–١٥١

وزعم ابن جني في كتاب الخصائص انه لايجوز فعل المطاوعة إلا بالفاء ز

واجاب عن قوله تعالى ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا 1 بان اغفل في الآية بمعنى وجدناه غافلا لاجعلناه يغفل والا لقيل فاتبع هواه بالفاء لانه يكون مطاوعا ز

وفي كلامه نظر لانا نقول ليس اتباع الهوى مطاوعا لأغفلنا بل المطاوع ل اغفلنا غفل

فان قيل انه من لازم الغفله اتباع الهوى والمسبب عن السبب سبب

قيل لا نسلم إن اتباع الهوى مسبب عن الغفلة بل قد يغفل عن الذكر ولايتبع الهوى ويكون المانع له منه غفله اخرى عنه

واعلم إن الحامل لابي الفتح على هذا الكلام اعتقاده الاعتزالي إن معصية العبد لا تنسب إلى الله تعالى وانها مسببه له فلهذا جعل افعل هنا بمعنى وجد لا بمعنى التعدية خاصة وقد بينا ضعف كلامه وان المطاوع لايجب عطفه بالفاء وقال الزمخشري في قوله تعالى ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله 2 هذا موضع الفاء كما يقال اعطيته فشكر ومنعته فصبر وانما عطف بالواو للاشعار بان ما قالاه بعض ما احدث فيهما ايتاء ( 3 ) العلم فاضمر ذلك ثم عطف عليه بالتحميد ( 3 ) كانه قال فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة وقالا الحمد لله ( 4 ) وقال السكاكي يحتمل عندي انه تعالى اخبر عما صنع بهما وعما قالا كانه قال نحن فعلنا ايتاء العلم وهما فعلا الحمد من غير بيان ترتبه عليه اعتمادا على فهم السامع كقولك قم يدعوك بدل قم فانه يدعوك

واما قوله تعالى واتقوا الله ويعلمكم الله ( 1 ) فظن بعض الناس إن التقوى سبب التعليم والمحققون على منع ذلك لانه لم يربط الفعل الثاني بالاول ربط الجزاء بالشرط فلم يقل واتقوا الله يعلمكم ولا قال فيعلمكم الله وانما اتى بواو العطف وليس فيه ما يقتضي إن الاول سبب للثاني وانما غايته الاقتران والتلازم كما يقال زرني وازورك وسلم علينا ونسلم عليك ونحوه مما يقتضي اقتران الفعلين والتعارض من الطرفين كما لو قال عبد لسيده اعتقني ولك علي الف أو قالت المرأة لزوجها طلقني ولك الف فان ذلك بمنزلة قولها بالف اوعلى الف وحينئذ فيكون متى علم الله العلم النافع اقترن به التقوى بحسب ذلك

ونظير الآية قوله تعالى فاعبده وتوكل عليه 2

وقوله عقيب ذكر الغيبة واتقوا الله إن الله تواب رحيم 3 ووجه هذا الختام التنبيه على التوبة من الاغتياب وهو من الظلم

وهاهنا بحث وهو إن الائمة اختلفوا في إن العلم هل يستدعي مطاوعة أم لا على قولين

احدهما نعم بدليل قوله تعالى من يهد الله فهو المهتدي 4 فاخبر عن كل من هداه الله بانه يهتدي واما قوله وأما ثمود فهديناهم 5 فليس منه لان المراد بالهداية فيه الدعوة بدليل فاستحبوا العمى على الهدى 5

والثاني لايدل على المطاوعة بدليل قوله وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ( 6 ) وقوله ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا 6 لان التخويف حصل ولم يحصل

للكفار خوف نافع يصرفهم إلى الايمان فانه المطاوع للتخويف المراد بالاية الكريمة وعلى الاول تكون الفاء للتعقيب في الزمان ويكون اخرجته فما خرج حقيقة

فائدة

في قوله تعالى انما انت منذر من يخشاها

قالوا في قوله إنما أنت منذر من يخشاها 1 إن التقدير منذر إنذارا نافعا من يخشاها

قال الشيخ عز الدين ولاحاجة إلى هذا لان فعل وافعل اذا لم يترتب عليه مطاوعة كخوف وعلم وشبهة لا يكون حقيقة لان خوف اذا لم يحصل الخوف وعلم اذا لم يحصل العلم كان مجازا و منذر من يخشاها يترتب عليه اثره وهو الخشية فيكون حقيقة لمن يخشاها فاذا ليس منذرا من لم يخش لانه لم يترتب عليه اثر فعلى هذا انما انت منذر فيه جمع بين الحقيقة والمجاز لترتب اثره عليه بالنسبة إلى من يخشى دون من لم يخش & احتمال الفعل للجزم والنصب

فمنه قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين 2 يحتمل إن يكون ما بعد الفاء مجزوما ويحتمل إن يكون منصوبا واذا كان مجزوما كان داخلا في النهي فيكون قد نهى عن الظلم كما نهى عن قربان الشجرة فكانه قال لاتقربا هذه الشجرة فلا تكونا من الظالمين

ومنه قوله تعالى ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق 1 فانه يحتمل إن يكون تكتموا مجزوما فهو مشترك مع الاول في حرف النهي والتقدير لا تلبسوا ولا تكتموا أي لاتفعلوا هذا كما في قولك لا تاكل السمك وتشرب اللبن بالجزم أي لا تفعل واحدا من هذين ويحتمل إن يكون منصوبا والتقدير لا تجمعوا بين هذين ويكون مثل لا تاكل السمك وتشرب اللبن والمعنى لاتجمعوا بين هذين الفعلين القبيحين كما تقول لمن لقيته اما كفاك احدهما حتى جمعت بينهما وليس في هذا إباحة احدهما والاول اظهر

وقوله ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة 2 أي مالم يكن أحد الامرين المس أو العرض المستلزم لعدم كل منهما أي لا هذا ولا هذا فان وجد احدهما فعليكم الجناح وهو المهر ( 3 ) أو نصف المفروض و تفرضوا مجزوم عطفا على تمسوهن

وقيل نصب و أو بمعنى إلا إن

والصحيح الاول ولا يجوز تقدير لم بعد أو لفساد المعنى اذ يؤول إلى رفع الجناح عند عدم المس مع الفرض وعدمه وعند عدم الفرض مع المس وعدمه وليس كذلك ولا يقدر فيما انتفى احدهما للزوم نفي الجناح عند نفي احدهما ووجود الآخر فلا بد من المحافظة على احدهما على الابهام وانسحاب حكم لم عليه

ونظيره ولا تطع منهم آثما أو كفورا 4

وقوله ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام 5

وقوله تعالى إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين 1 والوجه الجزم ويجوز النصب

وقوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله 2 الآية

وقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن 3 وقوله ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها

وقوله فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة 5

وقوله في آل عمران يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين 6

وقوله في الاعراف ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين 7

وقوله في الانفال يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون 8

وقوله في سورة التوبة وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا 9

وقوله ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه 10

وقوله في سورة يونس فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم 11 يجوز إن يكون معطوفا على ليضلوا عن سبيلك 11 فيكون منصوبا ويجوز إن يكون منصوبا بالفاء

على جواب الدعاء وان يكون مجزوما لانه دعاء

وقوله في سورة يوسف اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده 1

وقوله أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم 2

وقوله في سورة هود ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا تعبدوا 3 أي بان لاتعبدوا فيكون منصوبا ويجوز جزمه لأنه نهى

وقوله في سورة النحل ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم 4 يجوز عطف وتذوقوا على تتخذوا أو فتزل قبل دخول الفاء فيكون مجزوما

وقوله في سورة الاسراء وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه 5 أي بألا تعبدوا أو على نهي

وفيها ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق 6

وقوله في سورة الكهف إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم 7

وقوله في الحج ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله 8 يجوز أن يكون لام كي أو لام الامر وفائدة هذا تظهر في جواز الوقف

وقوله ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا 8 فيمن كسر اللامات

وقوله في النمل ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين 1 أي بان أو نهي

وقوله في العنكبوت ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا 2

وفي فاطر أولم يسيروا في الأرض فينظروا 3

وفي يس ليأكلوا من ثمره 4 هل هي لام كي أو لام الامر

وفي المؤمن أفلم يسيروا في الأرض فينظروا 5

وفي فصلت تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا 6

وفي الاحقاف ألا تعبدوا إلا الله 7

وفي القتال أفلم يسيروا في الأرض فينظروا 8

ويدل على جواز النصب ظهوره في مثله فتكون لهم قلوب 9

وقوله فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم 10

وقوله ألا تطغوا في الميزان 11 أي لئلا أو مجزوم

وقوله إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء 12

و قوله هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون 13 فإن يعتذرون داخل مع الاول في النفي عند سيبويه بدليل قوله هذا يوم لا ينطقون فان كان النطق قد نفي عنهم في ذلك اليوم فالاعتذار نطق فينبغي إن يكون منفيا معطوفا على قوله

ولا يؤذن لهم 1 ولو حمل على اضمار المبتدأ أي فهم يعتذرون لجاز على إن يكون المعنى في لا ينطقون انهم وان نطقوا فمنطقهم كلا نطق لانه لم يقع الموقع الذي ارادوه كقولهم تكلمت ولم تتكلم

وقوله فلو أن لنا كرة 2 وعلى الاول يكون هذا قولا في انفسهم من غير نطق 8

وقوله تعالى ولكن ليطمئن قلبي 3 يجوز إن يكون لام كي والفعل منصوب أو لام الامر والفعل مجزوم

وقوله أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض 4 فالظاهر انه منصوب ويجوز أن يكون مجزوما واللام زائدة ومن نصب ويذرك عطفه على ليفسدوا & رأي

إن كانت بصرية تعدت لواحد أو علميه تعدت لاثنين وحيث وقع بعد البصرية منصوبا كان الاول مفعولها والثاني حالا

ومما يحتمل الامرين قوله تعالى وترى الناس سكارى وما هم بسكارى 5 فان كانت بصرية كان الناس مفعولا وسكارى حالا وان كانت علمية فهما مفعولاها

وكذلك قوله تعالى وترى كل أمة جاثية 6

وقوله ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة 7

فهذه الجملة اعني قوله وجوههم مسودة 1 في موضع نصب اما على الحال إن كانت بصرية أو مفعول ثان إن كانت قلبية

واعلم انه قد وقع في القرآن ألم يروا كم أهلكنا 2 في بعض المواضع بغير واو كما في الانعام وفي بعضها بالواو ( 3 ) وفي بعضها بالفاء أفلم يروا 4

وهذه الكلمة تاتي على وجهين

احدهما أن تتصل بما كان الاعتبار فيه بالمشاهدة فيذكر بالالف والواو ولتدل الالف على الاستفهام والواو على عطف جملة على جملة قبلها وكذلك الفاء لكنها اشد اتصالا مما قبلها

والثاني أن يتصل بما الاعتبار فيه بالاستدلال فاقتصر على الالف دون الواو والفاء ليجري مجرى الاستئناف

ولا ينتقض هذا الاصل بقوله في النحل ألم يروا إلى الطير 5 لاتصالها بقوله والله أخرجكم من بطون أمهاتكم 6 وسبيلها الاعتبار بالاستدلال فبني عليه ألم يروا إلى الطير 3 واما ارايت فبمعنى اخبرني ولا يذكر بعدها إلا الشرط وبعده الاستفهام على التقديم والتاخير كقوله تعالى قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم 7 الاية قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا 8

وقوله تعالى أرأيت الذي يكذب بالدين 1

واما رايت الواقعة في كلام الفقهاء فهي كذلك قال ابن خروف إلا انهم يلجئون فيها وجوابها ارايت إن كان كذا وكذا كيف يكون كذا بمعنى عدم الشرط ثم الاستفهام بعده على نمط الايات الشريفة وهي معلقة عن العمل بما بعدها من الايات الكريمة وكذلك الرؤية كيف تصرفت

واما قوله تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل 2 فدخلها معنى التعجب كانه قيل الم تعجب إلى كذا فتعدت ب إلى كانه الم تنظر ودخلت إلى بمعنى التعجب وعلق الفعل على جملة الاستفهام وليست ببدل من الرب تعالى لان الحرف لايعلق

واما ارايتك فقد وقعت هذه اللفظة في سورة الانعام في موضعين ( 3 ) وغيرها وليس لها في العربية نظير لانه جمع فيها بين علامتي خطاب وهما التاء والكاف والتاء اسم بخلاف الكاف فانها عند البصريين حرف يفيد الخطاب والجمع بينهما يدل على أن ذلك تنبيها على مبناها عليه من مرتبة وهو ذكر الاستبعاد بالهلاك وليس فيما سواها ما يدل على ذلك فاكتفى بخطاب واحد

قال أبو جعفر بن الزبير الاتيان باداة الخطاب بعد الضمير المفيد لذلك تاكيد

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر