علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٦٣ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ١٣٢–١٤١

قال ويحتمل إن الجعل على بابه والمراد القرآن بمعنى القراءة دون مدلولها فإن القرآن قد يطلق بمعنى القراءة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ما اذن الله لشئ أذنه لنبي يتغنى في القرآن أي بالقراءة

وقال بعضهم قاعدة العرب في الجعل إن يتعدى لواحد وتارة يتعدى لاثنين فإن تعدى لواحد لم يكن إلا بمعنى الخلق واما اذا تعدى لاثنين فيجيئ بمعنى الخلق كقوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين 1 وبمعنى التسمية وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا 2 الذين جعلوا القرآن عضين 3

ويجيء بمعنى التصيير كقوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية 4 أي صيرناهما

اذا علمت هذا فإذن ثبت إن الجعل المتعدي لاثنين ليس نصا في الخلق بل يحتمل الخلق وغيره ولم يكن في الآية تعلق للقدرية على خلق القرآن لأن الدليل لابد إن يكون قطعيا لا احتمال فيه ويجوز إن يكون بمعنى الخلق على معنى جعلنا التلاوة عربية

قلت وهذا يمنع اطلاقه وان جوزنا حدوث الألفاظ لانها لم تات عن السلف بل نقول القرآن غير مخلوق على الإطلاق

الخامس بمعنى الإعتقاد كقوله تعالى وجعلوا لله شركاء الجن 5 ويجعلون لله ما يكرهون 6

وكذلك قوله تعالى وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا 1 أي اعتقدوهم اناثا

ويجوزان يكون كما قبله ووجه النقل فيه هو إن الملائكة في نفس الامر ليسوا إناثا فهؤلاء الكفار نقلوهم باعتقادهم فصيروهم في الوجود الذهني إناثا

ومنهم من جعلها بمعنى التسمية كقوله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون 2 أي لاتسموها أندادا وأنتم تعلمون أي لاتسموها اندادا ولا تعتقدوها لانهم ما سموها حتى اعتقدوها

وكذلك الذين جعلوا القرآن عضين 3 أي سموه وجزءوه أجزاء فجعلوا بعضه شعرا وبعضه سحرا وبعضه أساطير الأولين

وقال الزجاج في وجعلوا الملائكة 4 انها بمعنى ( 5 ) وقوله أجعلتم سقاية الحاج 6 أي اعتقدتم هذا مثل هذا

فأما قوله أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض 7 فالنقل والتصيير راجعان إلى الحال أي لاتجعل حال هؤلاء مثل حال هؤلاء ولا تنقلها اليها

وكذلك قوله أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه 8 أي اعتقدوا له شركاء

السادس بمعنى الحكم بالشئ على الشئ يكون في الحق والباطل فالحق كقوله إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين 9

والباطل كقوله وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث 1 الاية

وبمعنى أوجب كقوله تعالى وما جعلنا القبلة التي كنت عليها 2 أي اوجبنا الاستقبال إليها

وكقوله ما جعل الله من بحيرة 3 وما جعلنا القبلة التي كنت عليها 4 ومعنى كنت عليها أي انت عليها كقوله كنتم خير أمة أخرجت للناس 5 أي أنتم

السابع ذكره الفارسي بمعنى القى فيتعدى لمفعولين احدهما بنفسه والآخر بحرف الجر كما في قولك جعلت متاعك بعضه فوق بعض ومثله قوله وجعل فيها رواسي

ومنه قوله تعالى ويجعل الخبيث بعضه على بعض 6 وبعضه بدل من الخبيث

وقوله على بعض أي فوق بعض

ومثله قوله وجعل فيها رواسي 7 أي القى بدليل قوله في الآية الاخرى التي علل فيها المراد بخلق الجبال وأبان إنعامه فقال وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم 8 $ فائدة

قوله تعالى وجعلنا الليل والنهار آيتين 9 قيل كيف يستعمل لفظ الجعل

هنا مع إن المجعول عنه ينبغي إن يتحقق قبل الجعل مع صفة المجعول كقولك جعلت زيدا قائما فهو قبل ذلك كان متصفا بضد القيام وهنا لم يوجد الجعل إلا على هذه الصفة فكيف يصح استعمال الجعل فيه

والجواب إن الليل جوهر قام به السواد والنهار جوهر قام به النور وكذلك الشمس جسم قام به ضوء والاجسام والجواهر متقدمة على الاعراض بالذات والعرب تراعي مثل هذا نقل الفراء انهم قالوا احسنت اليك فكسوتك فجعلوا الاحسان متقدما على الكسوة بدليل العطف بالفاء وليس ذلك إلا تقدم ذاتي لان الاحسان في الخارج هو نفس الكسوة

ولك إن تقول لانسلم أن الاحسان نفس الكسوة بل معنى يقوم بالنفس ينشأ عنه الكسوة & حسب

يتعدى لمفعولين وحيث جاء بعدها إن الفعل كقوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة 1 أم حسبتم أن تتركوا 2 ونظائره فمذهب سيبويه انها سادة مسد المفعولين ومذهب المبرد انها سادة مسد المفعول الواحد والثاني عنده مقدر

ويشهد لسيبويه إن العرب لم يسمع من كلامهم نطق بما ادعاه من التصريح به ولو كان كما ذكره لنطقوا به ولو مرة

& كاد

وللنحويين فيها اربعة مذاهب

احدها إن اثباتها اثبات ونفيها نفي كغيرها من الافعال والثاني انها تفيد الدلالة على وقوع الفعل بعسر وهو مذهب ابن جني

والثالث إن اثباتها نفي ونفيها اثبات فاذا قيل كاد يفعل فمعناه انه لم يفعله بدليل قوله وإن كادوا ليفتنونك 1 واذا قيل لم يكد يفعل فمعناه انه فعله بدليل قوله وما كادوا يفعلون 2

والرابع التفصيل في النفي بين المضارع والماضي فنفي المضارع نفي ونفي الماضي اثبات بدليل فذبحوها وما كادوا يفعلون 3 وقوله لم يكد يراها 4 مع انه لم ير شيئا وهذا حكاه ابن أبي الربيع ( 5 ) في شرح الجمل وقال انه الصحيح والمختار هو الاول وذلك لان معناها المقاربة فمعنى كاد يفعل قارب الفعل ومعنى ما كاد يفعل لم يقاربه فخبرها منفي دائما

اما اذا كانت منفية فواضح لانه اذا انتفت مقاربة الفعل اقتضى عقلا عدم حصوله ويدل له قوله تعالى إذا أخرج يده لم يكد يراها 4 ولهذا كان ابلغ من قوله لم يرها لان من لم ير قد يقارب الرؤية

واما اذا كانت المقاربة منفية فلان الاخبار بقرب الشئ يقتضي عرفا عدم حصوله والا لم يتجه الاخبار بقربه فاما قوله تعالى فذبحوها وما كادوا يفعلون 3

فانها منفية مع اثبات الفعل لهم في قوله فذبحوها ووجهه أيضا اخبار عن حالهم في اول الامر فانهم كانوا أولا بعداء من ذبحها بدليل ما ذكر الله عنهم من تعنتهم وحصول الفعل انما فهمناه من دليل آخر وهو قوله فذبحوها

والاقرب إن يقال إن النفي وارد على الاثبات والمعنى هنا وما كادوا يفعلون الذبح قبل ذلك لانهم قالوا أتتخذنا هزوا وغير ذلك من التشديد وأما قوله تعالى ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ( 1 ) فالمعنى على النفي وانه صلى الله عليه وسلم لم يركن اليهم لا قليلا ولا كثيرا من جهة إن لولا الامتناعية تقتضي ذلك وانه امتنع مقاربة الركون القليل لاجل وجود التثبيت لينتفي الكثير من طريق الآولى

وتامل كيف جاء كاد المقتضية المقاربة للفعل بقدر الظاهرة للتقليل كل ذلك تعظيما لشان النبي صلى الله عليه وسلم وما جبلت عليه نفسه الزكية من كونه لايكاد يركن اليهم شيئا قليلا للتثبيت مع ما جبلت عليه

وهكذا ينبغي إن يفهم معنى هذه الآية خلافا لما وقع في كتب التفسير من ابن عطية وغيره فهم عن هذا المعنى اللطيف بمعزل

وحكى الشريف الرضي في كتاب الغرر ( 2 ) ثلاثة أقوال في قوله تعالى لم يكد يراها 3

الاول انها دالة على الرؤية بعسر أي رأها بعد عسر وبطء لتكاثف الظلم

والثاني انها زائدة والكلام على النفي المحض ونقله عن اكثر المفسرين أي لم يرها اصلا لان الله تعالى قال أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض 1 كان مقتضى هذه الظلمات تحول بين العين وبين النظر إلى البدن وسائر المناظر

والثالث انها بمعنى اراد من قوله كدنا ليوسف 2 أي لم يرد إن يراها

وذكر غيره إن التقدير اذا اخرج يده ممتحنا لبصره لم يكد يخرجها ويراها صفة للظلمات تقديره ظلمات بعضها فوق بعض يراها

واما قوله تعالى إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى 3 فيحتمل إن المعنى اريد اخفيها لكي تجزى كل نفس بسعيها

ويجوز إن تكون زائدة أي اخفيها لتجزي

وقيل تم الكلام عند قوله آتية أكاد والمعنى اكاد آتي بها ثم ابتدأ بقوله أخفيها لتجزى

وقرأ سعيد بن جبير أكاد أخفيها بفتح الألف أي اظهرها يقال اخفيت الشئ اذا سترته واذا اظهرته

وقراءة الضم تحتمل الامرين وقراءة الفتح لاتحتمل غير الاظهار ومعنى سترتها لاجل الجزاء لانه اذا اخفى وقتها قويت الدواعي على التاهب لها خوف المجئ بغتة

واما قوله تعالى يكاد زيتها يضيء 1 فلم يثبت للزيت الضوء وانما اثبت له المقاربة من الضوء قبل إن تمسه النار ثم اثبت النور بقوله نور على نور 1 فيؤخذ منه إن النور دون الضوء لانفسه

فان قلت ظاهرة إن المراد يكاد يضئ مسته النار اولم تمسه فيعطى ذلك انه مع إن مساس النار لايضئ ولكن يقارب الاضاءة لكن الواقع انه عند المساس يضئ قطعا اجيب بان الواو ليست عاطفة وانما هي للحال أي يكاد يضئ والحال انه لم تمسه نار فيفهم منه انها لو مسته لاضاء قطعا

قاعدة

في مجئ كاد بمعنى اراد

تجئ كاد بمعنى اراد ومنه كذلك كدنا ليوسف 2 أكاد أخفيها 3 وعكسه كقوله تعالى جدارا يريد أن ينقض 4 أي يكاد $ قاعدة & فعل المطاوعة

فعل المطاوعة هو الواقع مسببا عن سبب اقتضاه نحو كسرته فانكسر قال ابن مالك في شرح الخلاصة هو الدال على قبول مفعول لاثر الفاعل ومعنى ذلك إن الفعل المطاوع بكسر الواو يدل على إن المفعول لقولك كسرت الشيء يدل على مفعول معالجتك في ايصال الفعل إلى المفعول فاذا قلت فانكسر علم انه قبل

الفعل واذا قلت لم ينكسر على انه لم يقبله واما المطاوع بفتح الواو فيدل على معالجة الفاعل في ايصال فعله إلى المفعول ولا يدل على إن المفعول قبل الفعل أو لم يقبله

وذكر الزمخشري وغيره إن المطاوع والمطاوع لابد وان يشتركا في اصل المعنى والفرق بينهما انما هو من جهة التاثر والتاثير كالكسر والانكسار اذ لامعنى للمطاوعة إلا حصول فعل عن فعل فالثاني مطاوع لانه طاوع الاول والاول مطاوع لانه طاوعه الثاني فيكون المطاوع لازما للمطاوع لانه طاوعه الثاني فيكون المطاوع لازما للمطاوع ومرتبا عليه

وقد استشكل هذا بقوله تعالى وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى 1 فاثبت الهدى بدون الاهتداء

وقوله امرته فلم ياتمر فاثبت الامر بدون الائتمار وايضا فاشتراط الموافقه في اصل المعنى منقوض بقوله امرته فاتمر أي امتثل فان الامتثال خلاف الطلب

واجيب بانه ليس المراد ب فهديناهم فاستحبوا العمى الهدى الحقيقي بل اوصلنا اليهم اسباب الهداية من بعث النبي صلى الله عليه وسلم فلا يلزم وجود الإهتداء واما الامر فيقتضيه لغة إلا يثبت إلا بالامتثال والائتمار

وقال المطرزي في المغرب ( 2 ) الائتمار من الاضداد وعليه قول شيخنا في الاساس ( 3 ) يقال امرته فائتمر وابى إن ياتمر أي امرته فاستبد برايه ولم يمتثل والمراد بالمؤتمر الممتثل ويقال علمته فلم يتعلم لان التعليم فعل صالح لان يترتب عليه حصول العلم لإيجاده

كذا قاله الامام فخر الدين ومنعه بعضهم

وقال الشيخ علاء الدين الباجي لو لم يصح علمته فما تعلم لما صح علمته فعلم لانه اذا كان التعليم يقتضي ايجاد العلم وهو علة فيه فمعلوله وهو التعلم يوجد معه بناء على إن العلة مع المعلول والفاء في قولنا فتعلم تقتضي تعقب العلم وإن قلنا المعلول يتاخر فلا فائدة في فتعلم لان التعلم قد فهم من علمته فوضح أنه لو صح علمته فما تعلم لكان اما ألا يصح علمته فتعلم بناء على أن العلة مع المعلول أو لاتكون في قولنا فتعلم فائدة بتاخر المعلول

فان قيل قد منعوا كسرته فما انكسر فما وجه صحة قولهم علمته فما تعلم قيل فرق بعضهم بينهما بان العلم في القلب من الله يتوقف على امر من المعلم ومن المتعلم وكان علمه موضوعا للجزاء الذي من المعلم فقط لعدم امكان فعل من المخلوق يحصل به العلم ولا بد بخلاف الكسر فان اثره لا واسطة بينه وبين الانكسار

واعلم إن الاصل في الفعل المطاوعة إن يعطف عليه بالفاء تقول دعوته فاجاب واعطيته فاخذ ولا تقولها بالواو لان المراد افادة السببية وهو لايكون في الغالب إلا بالفاء كقوله من يهد الله فهو المهتدي 1

ويجوز عطفه بالواو كقوله ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه 2

وكقوله فاستجبنا له ونجيناه 3

وفي موضع آخر فاستجبنا له فنجيناه 4

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر