الجزء ٤ — ص ١٢٢–١٣١
والثاني لاتفيده بل تقتضي الدوام والاستمرار وبه جزم ابن معط ( 1 ) في الفيته حيث قال * وكان للماضي الذي ما انقطعا *
وقال الراغب في قوله تعالى وكان الشيطان لربه كفورا 2 نبه بقوله كان على انه لم يزل منذ اوجد منطويا على الكفر
والثالث انه عبارة عن وجود الشئ في زمان ماض على سبيل الابهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارئ ومنه قوله تعالى وكان الله غفورا رحيما 3 قاله الزمخشري ( 4 ) في قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس 5
وذكر ابن عطية في سورة الفتح انها حيث وقعت في صفات الله فهي مسلوبة الدلالة على الزمان
والصواب من هذه المقالات مقالة الزمخشري وانها تفيد اقتران معنى الجملة التي تليها بالزمن الماضي لاغير ولا دلالة لها نفسها على انقطاع ذلك المعنى ولا بقائة بل إن افادة الكلام شيئا من ذلك كان لدليل آخر اذا علمت هذا فقد وقع في القرآن اخبار الله تعالى عن صفاته الذاتية وغيرها بلفظ كان كثيرا نحو وكان الله سميعا عليما 6 واسعا حكيما 7
غفورا رحيما 1 توابا رحيما 2 وكنا بكل شيء عالمين 3 وكنا لحكمهم شاهدين 4
فحيث وقع الاخبار بكان عن صفة ذاتية فالمراد الاخبار عن وجودها وانها لم تفارق ذاته ولهذا يقررها بعضهم بما زال فرارا مما يسبق إلى الوهم إن كان يفيد انقطاع المخبرية عن الوجود لقولهم دخل في خبر كان قالوا فكان وما زال مجازان يستعمل أحدهما في معنى الآخر مجازا بالقرينة وهو تكلف لا حاجة إليه وانما معناها ما ذكرناه من ازلية الصفة ثم تستفيد بقاءها في الحال وفيما لايزال بالادلة العقلية وباستصحاب الحال
وعلى هذا التقدير سؤالان
احدهما إن البارئ سبحانه وصفاته موجودة قبل الزمان والمكان فكيف تدل كان الزمانية على ازلية صفاته وهي موجوده قبل الزمان
وثانيهما مدلول كان اقتران مضمون الجملة بالزمان اقترانا مطلقا فما الدليل على استغراقه الزمان والجواب عن الاول إن الزمان نوعان حقيقي وهو مرور الليل والنهار أو مقدار حركة الفلك على ما قيل فيه وتقديري وهو ما قبل ذلك وما بعده كما في قوله تعالى ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا 5 ولا بكرة هنا ولا عشيا وانما هو زمان تقديري فرضى
وكذلك قوله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام 6
@ 124 مع إن الايام الحقيقية لا توجد إلا بوجود السموات والأرض والشمس والقمر وانما الاشارة إلى ايام تقديرية
وعن الثاني إن كان لما دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان لم يكن بعض افراد الازمنة اولى بذلك من بعض فاما إلا يتعلق مضمونها بزمان فيعطل أو نيعلق بعضها دون بعض وهو ترجيح بلا مرجح أو يتعلق بكل زمان وهو المطلوب
وحيث وقع الاخبار بها عن صفة فعلية فالمراد تارة الاخبار عن قدرته عليها في الازل نحو كان الله خالقا ورازقا ومحييا ومميتا وتارة تحقيق نسبتها إليه نحو وكنا فاعلين 1 وتارة ابتداء الفعل وانشاؤه نحو وكنا نحن الوارثين 2 فان الارث انما يكون بعد موت المورث والله سبحانه مالك كل شئ على الحقيقة من قبل ومن بعد
وحيث اخبر بها عن صفات الآدميين فالمواد التنبيه على انها فيهم غريزة وطبيعة مركوزة في نفسه نحو وكان الإنسان عجولا إنه كان ظلوما جهولا 3
ويدل عليه قوله إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا 4 أي خلق على هذه الصفة وهي مقدرة أو بالقوة ثم تخرج إلى الفعل
وحيث اخبر بها عن افعالهم دلت على اقتران مضمون الجملة بالزمان نحو إنهم كانوا يسارعون في الخيرات 5
ومن هذا الباب الحكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ كان يصوم وكنا نفعل وهو عند اكثر الفقهاء والاصوليين يفيد الدوام فان عارضه ما يقتضي عدم الدوام مثل إن يروى كان يمسح مرة ثم نقل انه يمسح ثلاثا فهذا من باب تخصيص العموم وان روى النفي والاثبات تعارضا
وقال الصفار في شرح سيبويه اذا استعملت للدلالة على الماضي فهل تقتضي الدوام والاتصال اولا مسالة خلاف وذلك انك اذا قلت كان فهل هو الآن قائم الصحيح انه ليس كذلك هذا هو المفهوم ضرورة وانما حملهم على جعلها للدوام ماورد من مثل قوله تعالى وكان الله غفورا رحيما ( 1 ) وقوله ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة 2 وهذا عندنا يتخرج على انه جواب لمن سال هل كان الله غفورا رحيما واما الاية الثانية فالمعنى أي قد كان عندكم فاحشة وكنتم تعتقدون فيه ذلك فتركه يسهل عليكم
قال ابن الشجري في امالية اختلف في كان في نحو قوله وكان الله عزيزا حكيما 3 على هولين احدهما انها بمعنى لم يزل كان القوم شاهدوا عزا وحكمه ومغفرة ورحمة فقيل لهم لم يزل الله كذلك قال وهذا قول سيبويه
والثاني انها تدل على وقوع الفعل فيما مضى من الزمان فاذا كان فعلا متطاولا لم يدل دلالة قاطعة على انه زال وانقطع كقولك كان فلان صديقي لايدل هذا على إن صداقته قد زالت بل يجوز بقاؤها ويجوز زوالها
فمن الاول قوله تعالى إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا 1 لان عداوتهم باقية
ومن الثاني قوله تعالى وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم 2 وقال بعضهم يدل على أن خبرها كان موجودا في الزمن الماضي وأما في الزمن الحاضر فقد يكون باقيا مستمرا وقد يكون منقطعا فالاول كقوله تعالى وكان الله غفورا رحيما 3 وكذا سائر صفاته لانها باقية مستمرة
قال السيرافي قد يرجع الانقطاع بالنسبة للمغفور لهم والمرحومين بمعنى انهم انقرضوا فلم يبق من يغفر له ولا من يرحم فتنقطع المغفرة والرحمة
وكذا وكان الله عليما حكيما 4 ومعناه الانقطاع فيما وقع عليه العلم والحكمة لانفس العلم والحكمة
وفيه نظر
وقال ابن بري ما معناه إن كان تدل على تقديم الوصف وقدمه وما ثبت قدمه استحال عدمه وهو كلام حسن
وقال منصور بن فلاح اليمني في كتاب الكافي قد تدل على الدوام بحسب القرائن كقوله وكان الله غفورا رحيما 5 وكان الله سميعا بصيرا
( 6 ) إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا 7 دلت على الدوام المتصف بتلك الصفات ودوام التعبد بالصفات وقد تدل على الانقطاع نحو كان هذا الفقير غنيا وكان لي مال
وقال أبو بكر الرازي كان في القرآن على خمسة اوجه بمعنى الازل والابد كقوله تعالى وكان الله عليما حكيما 1
وبمعنى المضي المنقطع كقوله وكان في المدينة تسعة رهط 2 وهو الاصل في معاني كان كما تقول كان زيد صالحا أو فقيرا أو مريضا أو نحوه
وبمعنى الحال كقوله تعالى كنتم خير أمة 3 وقوله إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا 4
وبمعنى الاستقبال كقوله تعالى ويخافون يوما كان شره مستطيرا 5
وبمعنى صار كقوله وكان من الكافرين 6 $ مسالة & في حكم كان اذا وقعت بعد إن
كان فعل ماض واذا وقعت بعد إن كانت في المعنى للاستقبال وقال المبرد تبقى على المضي لتجردها للدلالة على الزمان فلا يغيرها اداة الشرط قال تعالى إن كنت قلته 7 إن كان قميصه 8
وهذا ضعيف لبنائه على انها للزمان وحده والحق خلافه بل تدل على الحدث والزمان كغيرها من الافعال
وقد استعملت مع إن للاستقبال قال تعالى إن كنتم صادقين 9 وأما إن كنت قلته 7 فتاوله ابن السراج على تقدير إن اكن قلته وكذا إن كان قميصه إن يكن قميصه
$ مسالة & في نفي كان واخواتها
اذا نفيت كان واخواتها فهي كغيرها من الافعال وزعم ابن الطراوة انها اذا نفيت كان اسمها مثبتا والخبر منفيا قال لان النفي انما يتسلط على الخبر كقوله تعالى ما كان حجتهم إلا أن قالوا 1 فالقول مثبت والحجة هي المنفية وماذهب إليه غير لازم اذ قد قرئ ما كان حجتهم بالرفع على انه اسم كان ولكن تاوله على إن كان ملغاة أي زائدة تقديره ما حجتهم إلا
وهذا إن ساغ له هاهنا فلا يسوغ له تاويل قوله تعالى ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا 2 فانه قرئ بالرفع ولا يمكن إن تكون هنا ملغاة & لفظ جعل
ومن ذلك جعل وهي أحد الافعال المشتركة التي هي أمهات احداث وهي فعل وعمل وجعل وطفق وانشا واقبل واعمها فعل يقع على القول والهم وغيرهما ويفعلون ما يؤمرون 3
ودونه عمل لانه يعم النية والهم والعزم والقول وقدمنا إلى ما عملوا من عمل 4 أي من صلاة وصدقة وجهاد
ولجعل احوال
احدها بمعنى سمى كقوله تعالى الذين جعلوا القرآن عضين 1 أي سموه كذبا وقوله وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا 2 على قول ويشهد له قوله تعالى إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى 3
الثاني بمعنى المقاربة مثل كاد وطفق لكنها تفيد ملابسة الفعل والشروع فيه تقول جعل يقول وجعل يفعل كذا اذا شرع فيه
الثالث بمعنى الخلق والاختراع فتعدى لواحد كقوله تعالى وجعل الظلمات والنور 4 أي خلقهما
فان قيل ماالفرق بين الجعل والخلق قيل إن الخلق فيه معنى التقدير وفي الجعل معنى التصيير ( 5 ) كانشاء شئ من شئ أو تصيير شئ شيئا أو نقله من مكان ويتعدى لمفعول واحد لانه لا يتعلق إلا بواحد وهو المخلوق
وايضا فالخلق يكون عن عدم سابق حيث لايتقدم مادة لا سبب محسوس والجعل يتوقف على موجود مغاير للمجعول يكون منه المجعول أو عنه كالمادة والسبب ولا يرد في القرآن العظيم لفظ جعل في الاكثر مرادا به الخلق إلا حيث يكون قبله ما يكون عنه أو منه أو شيئا في محسوسا عنه يكون ذلك المخلوق الثاني بخلاف خلق فان العبارة تقع كثيرا به عما لم يتقدم وجوده وجود مغاير يكون عنه هذا الثاني قال الله تعالى الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور 6 وانما الظلمات والنور عن اجرام توجد بوجودها وتعدم بعدمها وقال تعالى وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي 7
وقال وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون 1
وقال سبحانه في سورة الاعراف وجعل منها زوجها 2
وفي سورة النساء وخلق منها زوجها 3 فهو يدل على انهما قد يستعملان استعمال المترادفين
الرابع بمعنى النقل من حال إلى حال والتصيير فيتعدى إلى مفعولين اما حسا كقوله تعالى الذي جعل لكم الأرض فراشا 4 والله جعل لكم الأرض بساطا 5 فجعلهم جذاذا 6 وجعلناهم أئمة 7 وجعلناكم أكثر نفيرا 8
وإما عقلا مثل أجعل الآلهة إلها واحدا 9 جاعل الملائكة رسلا 10
ونحو قوله اجعل هذا البلد آمنا 11 وقوله وجعلنا الليل لباسا 12 لانه يتعلق بشيئين المنقول وهو الليل والمنقول إليه وهو اللباس
وابين منه قوله تعالى وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا 13 جعلنا عاليها سافلها 14 وجعلنا نومكم سباتا 15
والمعاش في قوله وجعلنا النهار معاشا 15 اسم زمان لكون الثاني هو الاول ويجوز إن يكون مصدر لمعنى المعيش وجعلنا ابن مريم وأمه آية 16 ومعناه صيرناه لان مريم انما صارت مع ولدها عليه السلام لما خلق من جسدها لان من أب فصار عند ذلك آية للعالمين ومحال انه
يريد خلقناهما لان مريم لم تخلق في حين خلق ولدها بل كانت موجوده قبله ومحال تعلق القدرة بجعل الموجود موجودا في حال بقائه
فاما قوله تعالى إنا جعلناه قرآنا عربيا 1 فهو من هذا الباب على جهة الاتساع أي صيرناه يقرا بلسان عربي لان غير القرآن ماهو عبري وسرياني ولان معاني القرآن في الكتب السالفة بدليل قوله تعالى وإنه لفي زبر الأولين إن هذا لفي الصحف الأولى 2
وبهذا احتج من أجاز القراءة بالفارسية قال لأنه ليس في زبر الأولين من القرآن إلا المعنى والفارسية تؤدي المعنى واذا عرف هذا فكانه نقل المعنى من لفظ القرآن فصيره عربيا
وأخطأ الزمخشري حيث جعله بالخلق وهو مردود صناعة ومعنى أما الصناعة فلأنه يتعدى لمفعولين ولو كان بمعنى الخلق لم يتعد إلا إلى واحد وتعديته لمفعولين وإن احتمل هذا المعنى لكن بجواز إرادة التسمية أو التصيير على ما سبق وأما المعنى فلو كان بمعنى خلقنا التلاوة العربية فباطل لأنه ليس الخلاف في حدوث ما يقوم بالسنتنا وإنما الخلاف في إن كلام الله الذي هو أمره ونهيه وخبره فعندنا أنه صفة من صفات ذاته وهو قديم
وقالت القدرية إنه صفة فعل أوجده بعد عدمه واحدثه لنفسه فصار عند حدوثه متكلما بعد إن لم يكن فظهر إن الآية على تأويله ليس فيها تضمن لعقيدته الباطلة
وقال الآمدي في ابكار الأفكار الجعل فيه بمعنى التسوية كقوله تعالى الذين جعلوا القرآن عضين 3 أي يسمونه كذبا
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر