الجزء ٤ — ص ١١٢–١٢١
خرجا قوله تعالى فأصدق وأكن من الصالحين 01 ) كانه قيل اصدق واكن
وقيل هو من العطف على الموضع أي محل اصدق
والتحقيق قول سيبويه هو على توهم إن الفاء لم ينطق بها واعلم إن بعضهم قد شنع القول بهذا في القرآن على النحويين وقال كيف يجوز التوهم في القرآن وهذا جهل منه بمرادهم فانه ليس المراد بالتوهم الغلط بل تنزيل الموجود منه منزلة المعدوم كالفاء في قوله تعالى فأصدق ليبنى على ذلك ما يقصد من الاعراب وة جعل منه الزمخشري قوله تعالى ومن وراء إسحاق يعقوب 2 فيمن فتح الباء كانه قيل ووهبنا له اسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب على طريقة ليسوا مصلحين عشيرة ولا ناعب ( 3 ) وقد ( 4 ) يجيء اسم آخر وهو العطف على المعنى كقوله تعالى ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه 5 ثم قال أو كالذي 6 عطف المجرور بالكاف على المجرور ب إلى حملا على المعنى لان قوله إلى الذي في معنى ارايت كالذي
وقال بعضهم في قوله تعالى وحفظا من كل شيطان 7 انه عطف على معنى
إنا زينا السماء الدنيا 1 وهو انا خلقنا الكواكب في السماء الدنيا زينة للسماء الدنيا
وفي قوله تعالى لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع 2 على قراءة النصب انه عطف معنى علي ابلغ وهو لعلي إن ابلغ فان خبر لعل يقترن ب إن كثيرا & القاعدة الرابعة 2
الاصل في العطف التغاير وقد يعطف الشئ على نفسه في مقام التاكيد وقد سبق افراده بنوع في فصول التاكيد & القاعدة الخامسة
يجوز في الحكاية عن المخاطبين اذا طالت قال زيد قال عمرو من غير إن تاتي بالواو وبالفاء وعلى هذا قوله تعالى إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب 3 الآية
وقوله تعالى قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض 4 ونظائرها
وانما حسن ذلك للاستغناء عن حرف العطف من حيث إن المتقدم من القولين
يستدعي التأخر منهما فلهذا كان الكلام مبنيا على الانفصال وكان كل واحد من هذه الاقوال مستانفا ظاهرا وان كان الذهن يلائم بينهما & القاعدة السادسه
العطف على المضمر إن كان منفصلا مرفوعا فلا يجوز من غير فاصل تاكيد أو غيره كقوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله 1 فاذهب أنت وربك فقاتلا اسكن أنت وزوجك الجنة 3 عند الجمهور خلافا لابن مالك في جعله من عطف الجمل بتقدير ولتسكن زوجك
وقوله وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم 4
يدخلونها ومن صلح 5
فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن 6
وجعل الزمخشري منه أئنا لمبعوثون أو آباؤنا 7 فيمن قرا بفتح الواو وجعل الفصل بالهمزة
ورد بان الاستفهام لايدخل على المفردات وجعل الفارسي منه ما أشركنا ولا آباؤنا 8 واعرب ابن الدهان ولا آباؤنا مبتدأ خبره أشركوا مقدرا
واجاز الكوفيون العطف من غير فاصل كقوله تعالى والذين هادوا والصابئون 1
فاما قوله تعالى فاستوى وهو بالأفق الأعلى 2 فقال الفارسي وهو مبتدأ وليس معطوفا على ضمير فاستوى وان كان مجرورا فلا يجوز من غير تكرار الجار فيه نحو مررت به ويزيد كقوله تعالى وعليها وعلى الفلك تحملون 3 فقال لها وللأرض 4 جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون 5
واما قوله وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح 6 فان جعلنا ومن نوح معطوفا على منك فالاعادة لازمة وان جعل معطوفا على النبيين فجائزة
وقال الكوفيون لاتلزم الاعادة محتجين بآيات الاولى قراءة حمزة واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام 7 بالجر عطفا على الضمير في به فان قيل ليس الخفض على العطف وانما هو على القسم وجوابه إن الله كان عليكم رقيبا 7
قلنا رده الزجاج بالنهي عن الحلف بغير الله وهو عجيب فان ذلك على المخلوقين
الثانية قوله تعالى فيها معايش ومن لستم له برازقين 8 ومن لستم أو لها المانعون كابن الدهان بتقدير ويرزق من لستم والزجاج بتقدير اعني من لستم قال أبو البقاء ( 9 ) لان المعنى اغناكم واغنى من لستم وقدم انها نصب
ب جعلنا قال والمراد ب من ( 1 ) العبيد والاماء والبهائم فانها مخلوقة لمنافعها
الثالثة قوله تعالى وكفر به والمسجد الحرام 2 وليس من هذا الباب لان المسجد معطوف على سبيل الله في قوله وصد عن سبيل الله 3
ويدل لذلك انه صرح بنسبة الصد إلى المسجد في قوله أن صدوكم عن المسجد الحرام 3
وهذا الوجه حسن لولا ما يلزم منه الفصل بين صد و المسجد بقوله وكفر وهو اجنبي
ولا يحسن إن يقال انه معطوف على الشهر 4 لانهم لم يسألوا عنه ولا على سبيل لانه اذ ذاك من تتمة المصدر ولا يعطف على المصدر قبل تمامه
الرابعة قوله تعالى يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك 5 قالوا الواو عاطفة ل من على الكاف المجرورة والتقدير حسبك من اتبعك
ورد بأن الواو للمصاحبة ومن في محل نصب عطف على الموضع كقوله * فحسبك والضحاك سيف مهند * ( 6 )
الخامسة قوله تعالى كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا 7 كما تقول كذكر قريش آباءهم أو قوم اشد منهم ذكرا
لكن هذا عطف على الضمير المخفوض وذلك لا يجوز على قراءة حمزة
وقد خالفه الجمهور وجعلوه مجرورا عطفا على ذكركم المجرور بكاف التشبيه تقديره أو كذكركم اشد فجعل للذكر ذكرا مجازا وهو قول الزجاج وتابعة ابن عطية وابو البقاء ( 1 ) وغيرهما
ومما اختلف فيه العطف على عاملين نحو ليس زيد بقائم ولا قاعد عمرو على إن يكون ولا قاعد معطوفا على قائم وعمرو على زيد منعه الجمهور واجازه الاخفش محتجا بقوله تعالى واختلاف الليل والنهار 2 ثم قال آيات بالنصب عطفا على قوله لآيات المنصوب ب إن في اول الكلام و اختلاف الليل والنهار مجرور بالعطف على السماوات 4 المجرور بحرف الجر الذي هو في فقد وجد العطف على عاملين واجيب بجعل آيات تأكيد ل آيات الاولى
قواعد في العدد
& القاعدة الاولى
في اسم الفاعل المشتق من العدد له استعمالان أحدهما إن يراد به واحد من ذلك العدد فهذا يضاف للعدد الموافق له نحو رابع اربعة وخامس خمسة وليس فيه إلا الإضافة خلافا لثعلب فانه اجاز ثالث ثلاثة بالتنوين قال تعالى ثاني اثنين وهذا لايجوز اطلاقه في حق الله تعالى
ولهذا قال تعالى لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة 1
الثاني إن يكون بمعنى التصيير وهذا يضاف إلى العدد المخالف له في اللفظ بشرط إن يكون انقص منه بواحد كقولك ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس اربعة كقوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم 2 أي يصيرهم بعلمه واحاطته اربعة وخمسة
فان قيل كيف بدا بالثلاث وهي جاء ما يكون من نجوى واحد إلا هو ثانية ولا اثنين إلا هو ثالثهم قيل لانه سبحانه لما علم إن بعض عباده كفر بهذا اللفظ وأدعى أنه ثالث ثلاثة فلو قال ما يكون من نجوى واحد إلا هو ثانيه لثارت ضلالة من كفر بالله وجعله ثانيا وقال وهذا قول الله هكذا ولو قال ولا اثنين إلا هو ثالثهم لتمسك به الكفار فعدل سبحانه عن هذا لاجل ذلك ثم قال ولا أدنى من ذلك ولا أكثر فذكر هذين المعنيين بالتلويح لا بالتصريح فدخل تحته مالا يتناهى وهذا من بعض اعجاز القرآن & القاعدة الثانية
حق ما يضاف إليه العدد من الثلاثة إلى العشرة إن يكون اسم جنس أو اسم جمع وحينئذ فيجر ب من نحو فخذ أربعة من الطير 4
ويجوز إضافته نحو تسعة رهط
وان كان غيرهما من الجموع اضيف إليه الجمع على مثال جمع القلة من التكسير وعلته إن المضاف موضوع للقلة فتلزم اضافته إلى جمع قلة طلبا لمناسبة المضاف إليه
المضاف في القلة لان المفسر على حسب المفسر فتقول ثلاثة افلس واربعة اعبد قال تعالى من بعده سبعة أبحر 1
وقد استشكل على هذه القاعدة قوله تعالى يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء 2 فان قروء جمع كثرة وقد اضيف إلى الثلاثة ولو جاء على القاعدة لقال اقراء والجواب من اوجه أحدها انه اوثر جمع الكثرة هنا لان بناء القلة شاذ فانه جمع قرء بفتح القاف وجمع فعل على افعال شاذ فجمعوه على فعول ايثارا للفصيح فاشبه ما ليس له إلا جمع كثرة فانه يضاف إليه كثلاثة دراهم ذكره ابن مالك
والثاني إن القلة بالنسبة إلى كل واجد من المطلقات وانما اضاف جمع الكثرة نظرا إلى كثرة المتربصات لان كل واحدة تتربص ثلاثة حكاه في البسيط ( 3 ) عن اهل المعاني
الثالث انه على حذف مضاف أي ثلاثة اقراء قروء
الرابع إن الاضافة نعت في تقدير الانفصال لانه بمعنى من التي للتبعيض أي ثلاثة اقراء من قروء
كما اجاز المبرد ثلاثة حمير وثلاثة كلاب على ارادة من أي من حمير ومن كلاب & القاعدة الثالثة
الفاظ العدد نصوص ولهذا لايدخلها تاكيد لانه لدفع المجاز في اطلاق الكل
وارادة البعض وهو منتف في العدد وقد اورد على ذلك آيات شريفة
الاولى قوله تعالى تلك عشرة كاملة 1 والجواب إن التاكيد هنا ليس لدفع نقصان اصل العدد بل لدفع نقصان الصفة لان الغالب في البدل إن يكون دون المبدل منه معناه ( 2 ) إن الفاقد للهدى لاينقص من اجره شئ ( 3 )
الثانية قوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما 4 ولو كانت الفاظ العدد نصوصا لما دخلها الاستثناء انما يكون عاما والجواب إن التجوز قد يدخل في الالف فانها تذكرة في سياق المبالغة للتكثير والاستثناء رفع ذلك
الثالثة قوله تعالى وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين 5 وقد سبق في باب التاكيد الجواب عنه
الرابعة قوله تعالى إن تستغفر لهم سبعين مرة 6 وقوله سبعون ذراعا 7 قالوا المراد بها الكثرة وخصوص السبعين ليس مرادا وهذا مجاز وكذا قوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين 8 قيل المراد المراجعة من غير حصر وجئ بلفظ التثنية تنبيها على اصل الكثرة وهو مجاز
$ احكام الالفاظ يكثر دورانها في القرآن & لفظ فعل ( 1 ) من ذلك لفظ فعل كثيرا ما يجئ كناية عن افعال متعدده وفائدته الاختصار كقوله تعالى لبئس ما كانوا يفعلون 2 2
ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به 3
وقوله فإن لم تفعلوا 4 أي فان لم تاتوا بسورة من مثله ولن تاتوا بسورة من مثله
وحيث اطلقت في كلام الله فهي محمولة على الوعيد الشديد كقوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل 5
وتبين لكم كيف فعلنا بهم 6 & لفظ كان
ومن ذلك الاخبار عن ذات الله أو صفاته ب كان
وقد اختلف النحاة وغيرهم في انها تدل على الانقطاع على مذاهب
احدها انها تفيد الانقطاع لانها فعل يشعر بالتجدد
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر