علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٦٠ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ١٠٢–١١١

فاما عطف المفرد ففائدته تحصيل مشاركة الثاني للاول في الاعراب ليعلم انه مثل الاول في فاعليته أو مفعوليته ليتصل الكلام بعضه ببعض أو حكم خاص دون غيره كما في قوله تعالى وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين 1 فمن قرا بالنصب عطفا على الوجوه كانت الارجل مغسوله ومن قرا بالجر عطفا على الرءوس كانت ممسوحة لكن خولف ذلك لعارض يرجح ولا بد في هذا من ملاحظة المشاكلة بين المتعاطفين فتقول جاءني زيد وعمرو لانهما معرفتان ولو قلت جاء زيد ورجل لم يستقم لكون المعطوف نكرة نعم إن تخصص فقلت ورجل آخر جاز

ولذا قال صاحب المستوفي من النحويين واما عطف الجملة فان كانت الاولى لا محل لها من الاعراب فكما سبق لانها تحل محل المفرد نحو مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح وانت كان لا محل لها نحو زيد اخوك وعمرو صاحبك ففائدة العطف الاشتراك في مقتضى الحرف العاطف فان كان العطف بغير الواو ظهر له فائدة من التعقيب كالفاء أو الترتيب ك ثم أو نفي الحكم عن الباقي ك لا

واما الواو فلا تفيد شيئا هنا غير المشاركة في الاعراب

وقيل بل تفيد انهما كالنظيرين والشريكين بحيث اذا علم السامع حال الاول عساه إن يعرف حال الثاني ومن ثمة صار بعض الاصوليين إلى إن القران في اللفظ يوجب القران في الحكم ومن ها هنا شرط البيانيون التناسب بين الجمل لتظهر الفائدة حتى انهم منعوا عطف الانشاء على الخبر وعكسه

ونقله الصفار في شرح سيبويه عن سيبويه إلا ترى إلى قوله يقبح عندهم إن يدخلوا الكلام الواجب في موضع المنفي فيصيروا قد ضموا إلى الاول ماليس بمعناه انتهى

ولهذا منع الناس من الواو في بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد لان الاولى

خبرية والثانية طلبية وجوزه ابن الطراوة لانهما يجتمعان في التبرك

وخالفهم كثير من النحويين كابن خروف والصفار وابن عمرو وقالو يعطف الامر على الخبر والنهي على الامر والخبر قال تعالى يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس 1 فعطف خبر على جملة شرط وجملة الشرط على الامر

وقال تعالى وأمرت أن أكون من المسلمين 2

وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين 3 فعطف نهيا على خبر

ومثله يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين 4

قالوا وتعطف الجملة على الجملة ولا اشتراك بينهما كما قال تعالى وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم 5 على قولنا بالوقف على الله وانه سبحانه اختص به

وقال وأولئك هم الفاسقون 6 فانه علة تامة بخبرها فلا يوجب العطف المشاركة فيما تتم به الجملتان الاوليان وهو الشرط الذي تضمنه قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا 6 كقولك إن دخلت الدار فانت طالق وفلانة طالق لا يتعلق طلاق الثانية بالشرط وعلى هذا يختص الاستثناء به ولا يرجع لما تقدمه ويبقى المحدود في القذف غير مقبول الشهادة بعد التوبه كما كان قبلها ز ومنه قوله تعالى فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل 7 فانه

علة تامة معطوفة على ما قبلها غير داخل تحت الشرط ولو دخلت كان ختم القلب ومحو الباطل متعلقين بالشرط والمتعلق بالشرط معدوم قبل وجوده وقد عدم ختم القلب ووجد محو الباطل فعلمنا انه خارج عن الشرط وانما سقطت الواو في الخط واللفظ ليس للجزم بل سقوطه من اللفظ لالتقاء الساكنين وفي الخط اتباعا للفظ كسقوطه في قوله تعالى ويدع الإنسان 1 وقوله سندع الزبانية 2 ولهذا وقف عليه يعقوب بالواو نظرا للاصل وان وقف عليه غيره بغير واو اتباعا للخط

والدليل على انها ابتداء اعادة الاسم في قوله ويمح الله 3 ولو كانت معطوفة على ماقبلها لقيل ويمح الباطل ومثله لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء 4

وقوله ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء 5

وقوله قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى 6 وغير ذلك

قلت وكثير من هذا لا يرد عليهم فان كلامهم في الواو العاطفة واما ونقر في الأرحام وما بعده فهي للاستئناف اذ لو كانت للعطف لا تنصب نقر وجزم ويتوب وكذلك في والراسخون للاستئناف ويمح الله وقال البيانيون للجملة ثلاثة احوال فالاول إن يكون ما قبلها بمنزلة الصفة من الموصوف والتاكيد من المؤكد فلا يدخلها عطف لشدة الامتزاج كقوله تعالى الم ذلك الكتاب لا ريب فيه 7

وقوله ختم الله على قلوبهم 1 مع قوله لا يؤمنون 2 وكذلك يخادعون الله 3 مع قوله وما هم بمؤمنين 4 فان المخادعة ليست شيئا غير قولهم آمنا من غير اتصافهم

وقوله وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤون 5 وذلك لان معنى قولهم إنا معكم انا لم نؤمن وقوله إنما نحن مستهزؤون خبر لهذا المعنى بعينه

وقوله وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا 6

وقوله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم 7 فان كونه ملكا ينفي كونه بشرا فهي مؤكدة للاولى

وقوله وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين 8

وقوله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى 9 وقوله إن زلزلة الساعة شيء عظيم 10 فانها مؤكدة لقوله يا أيها الناس اتقوا ربكم

وقوله إن صلاتك سكن لهم 11 فانها بيان للامر بالصلاة

وقوله إن المتقين في مقام أمين ( 1 ) بعد قوله إن هذا ما كنتم به تمترون 1

وقوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا 2 إذا جعلت إنا لا نضيع خبرا إذ الخبر لا يعطف على المبتدأ

وقوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون 3 بعد قوله لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون 3

والثانية إن يغاير ما قبلها وليس بينهما نوع من الارتباط بوجه فلا عطف أيضا إذ شرط العطف المشاكلة وهو مفقود وذلك قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم 4 بعد قوله وأولئك هم المفلحون 4

فإن قيل إذا كان حكم هذه الحالة والتي قبلها واحدا أدى إلى الإلباس فإنه إذا لم يعطف التبس حالة المطابقة بحالة المغايرة وهلا عطفت الحالة الأولى بالحالة الثانية فإن ترك العطف يوهم المطابقة والعطف يوهم عدمها فلما اختير الأول دون الثاني مع أنه لم يخل عن إلباس

قيل العاطف يوهم الملابسة بوجه قريب أو بعيد بخلاف سقوط العاطف فإنه وإن أوهم المطابقة إلا إن أمره واضح فبأدنى نظر يعلم فزال الإلباس

الحال الثالثة إن يغاير ما قبلها لكن بينهما نوع ارتباط وهذه التى يتوسطها العاطف كقوله أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون 5

وقوله أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 6

فإن قلت لم سقط العطف من أولئك كالأنعام بل هم أضل 1 ولم يسقط من أولئك هم المفلحون

قلت لأن الغفلة شأن الأنعام فالجملة الثانية كأنها هي الجملة الأولى

فإن قلت لم سقط في قوله الله يستهزئ بهم 2

قلت لأن الثانية كالمسئول عنها فنزل تقدير السؤال منزلة صريحه

الحال الرابعة إن يكون بتقدير الاستئناف كأن قائلا قال لم كان كذا فقيل كذا فهاهنا لا عطف أيضا كقوله تعالى وجاؤوا أباهم عشاء يبكون قالوا يا أبانا 3

وقوله فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا 4 التقدير فما قالوا أو فعلوا فأجيب هذا التقدير بقوله قالوا $ القاعدة الثانية

ينقسم باعتبار عطف الاسم على مثله والفعل على الفعل إلى أقسام

الأول عطف الاسم على الاسم وشرط ابن عمرون صاحبه ابن مالك فيه إن يصح إن يسند أحدهما إلى ما أسند إلى الآخر ولهذا منع إن يكون وزوجك في اسكن أنت وزوجك 5 معطوفا على المستكن في أنت وجعله من عطف الجمل بمعنى أنه مرفوع بفعل محذوف أي ولتسكن زوجك

ونظيره قوله تعالى لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى 6 لأن من حق المعطوف حلوله محل المعطوف عليه ولا يصح حلول زوجك محل الضمير لأن فاعل

فعل الأمر الواحد المذكر نحو قم لا يكون إلا ضميرا مستترا فكيف يصح وقوع الظاهر موقع المضمر الذي قبله

ورد عليه الشيخ أثير الدين أبو حيان بأنه لا خلاف في صحة تقوم هند وزيد ولا يصح مباشرة زيد ل تقوم لتأنيثه

الثاني عطف الفعل على الفعل قال ابن عمرون وغيره يشترط فيه اتفاق زمانهما فإن خالف رد إلى الاتفاق بالتأويل لا سيما إذا كان لا يلبس وكانت مغايرة الصيغ اتساعا قال الله تعالى والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة 1 فعطف الماضى على المضارع لأنها من صلة الذين وهو يضارع الشرط لإيهامه والماضي في الشرط في حكم المستقبل فقد تغايرت الصيغ في هذا كما ترى واللبس مأمون ولا نظر في الجمل إلى اتفاق المعاني لأن كل جملة مستقلة بنفسها انتهى

ومثله قوله تعالى إن شاء جعل لك خيرا من ذلك 2 ثم قال ويجعل لك قصورا 1

وقوله ويوم نسير الجبال ثم قال وحشرناهم 3

وقال صاحب المستوفى لا يتمشى عطف الفعل على الفعل إلا في المضارع منصوبا كان كقوله تعالى ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا 4 أو مجزوما كقوله يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى 5

فإن قيل كيف حكمتم بأن العاطف مختص بالمضارع وهم يقولون قام زيد وقعد

بكر وعلى هذا قوله تعالى إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا 1 فيه عطف الماضى على الماضى وعطف الدعاء على الدعاء

فالجواب إن المراد بالعطف هنا إن تكون لفظتان تتبع الثانية منهما الأولى في إعرابها وإذا كانت اللفظة غير معربة فكيف يصح فيها التبعية فصح إن هذه الألفاظ لا يصح إن يقال إنها معطوفة على ما قبلها العطف الذي نقصده الآن

وإن صح إن يقال معطوفة العطف الذي ليس للاتباع بل يكون عطف الجملة على الجملة من حيث هما جملتان والجملة من حيث هي لا مدخل لها في الإعراب إلا إن تحل محل الفرد وظهر أنه يصح وقوع العطف عليه وعدمه باعتبارين

الثالث عطف الفعل على الاسم والاسم على الفعل وقد اختلف فيه فمنهم من منعه والصحيح الجواز إذا كان مقدرا بالفعل كقوله تعالى صافات ويقبضن 3 وقوله إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله 3

واحتج الزمخشري بهذا على إن اسم الفاعل حمله على معنى المصدقين الذين تصدقوا

قال ابن عمرون ويدل لعطف الاسمية على الفعلية قوله تعالى فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا

1 فعطف فويل للذين كفروا 1 وهي جملة اسمية على فاختلف وهي فعلية بالفاء

وقال تعالى وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون 2

وقال تعالى يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية فأما من أوتي كتابه بيمينه 3

قال واذن جاز عطف الاسمية على الفعلية ب أم في قوله تعالى سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون 4 اذا لوضع للمعادلة وقيل انه اوقع الاسمية موقع الفعلية نظرا إلى المعنى اصمتم فما المانع هنا وجعل ابن مالك قوله تعالى ومخرج الميت من الحي 5 عطفا على يخرج لان الاسم في تاويل الفعل

والتحقيق ما قاله الزمخشري انه عطف على فالق الحب والنوى 5 ولا يصح إن يكون عطفا على يخرج لانه ليس تفسيرا لقوله فالق الحب فيعطف على تفسيره بل هو قسيم له & القاعدة الثالثة

ينقسم باعتبار المعطوف إلى اقسام عطف على اللفظ وعطف على الموضع وعطف على التوهم فالاول إن يكون باعتبار عمل موجود في المعطوف عليه فهو العطف على اللفظ نحو ليس زيد بقائم ولا ذاهب وهو الاصل

والثاني إن يكون باعتبار عمل لم يوجد في المعطوف إلا أنه مقدر الوجود لوجود طالبه فهو العطف على الموضع زيد بقائم ولا ذاهبا بنصب ذاهبا عطفا على موضع قائم لانه خبر ليس

ومن أمثلته قوله تعالى وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة 1 بان يكون يوم القيامة معطوفا على محل هذه ذكره الفارسي وقوله من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون 2 في قراءة الجزم أنه بالعطف على محل فلا هادي له وجعل الزمخشري وأبو البقاء منه قوله تعالى لينذر الذين ظلموا وبشرى إن بشرى في محل نصب بالعطف على محل لينذر لانه مفعول له ( 4 )

وغلطا في ذلك لان شرطة في ذلك إن يكون الموضع بحق الاصالة والمحل ليس هنا كذلك لان الاصل هو الجر في المفعول له وانما النصب ناشئ عن اسقاط الخافض وجوز الزمخشري أيضا في قوله تعالى وجعل الليل سكنا والشمس 5 كون الشمس معطوفا على محل الليل

والثالث إن يكون باعتبار عمل لم يوجد هو ولا طالبه هو العطف على التوهم نحو ليس زيد قائما ولا ذاهب بجر ذاهب وهو معطوف على خبر ليس المنصوب باعتبار جره بالباء ولو دخلت عليه فالجر على مفقود وعامله وهو الباء مفقود أيضا إلا انه متوهم الوجود لكثرة دخوله في خبر ليس فلما توهم وجوده صح اعتبار مثله وهذا قليل من كلامهم

وقيل إنه لم يجئ إلا في الشعر ولكن جوزه الخليل وسيبويه في القرآن وعليه

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر