علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٥٩ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٩٢–١٠١

قلت لاغرض في عظم الانهار وسعتها بخلاف الجنات

ومنه سلام على إبراهيم 1 وسلام عليه يوم ولد 2

وانما لم ينكر سلام عيسى في قوله والسلام علي يوم ولدت 3 فانه في قصة دعائه الرمز إلى ما اشتق منه اسم الله تعالى والسلام اسم من اسمائه مشتق من السلامه وكل اسم ناديته به متعرض لما يشتق منه ذلك الاسم نحو يا غفور يارحيم

الرابع التكثير نحو إن له لابلا وجعل منه الزمخشري قوله تعالى إن لنا لأجرا 4 أي اجرا وافرا جزيلا ليقابل الماجور عنه من الغلبة على مثل موسى عليه السلام فانه لايقابل الغلبة عليه باجر إلا وهو عديم النظير في الكثرة

وقد افاد التكثير والتعظيم معا قوله تعالى وإن يكذبوك فقد كذبت رسل 5 أي رسل عظام ذوو عدد كثير وذلك لانه وقع عوضا عن قوله فلاتحزن وتصبر وهو يدل على عظم الامر وتكاثر العدد

الخامس التحقير كقوله تعالى من أي شيء خلقه 6 قال الزمخشري أي ( 7 ) من شئ حقير مهين ثم بينه بقوله من نطفة خلقه 6

وكقوله تعالى إن نظن إلا ظنا 8 أي لايعبا به والا لاتبعوه لآن ذلك دينهم إن يتبعون إلا الظن 9

السادس التقليل كقوله تعالى ورضوان من الله أكبر 10 أي رضوان

قليل من بحار رضوان الله الذي لايتناهى اكبر من الجنات لان رضا المولى راس كل سعادة

وقوله تعالى فيه شفاء للناس 1 اذا المعنى انه يحصل فيه اصل الشفاء في جملة صور ويجوز إن يكون للتعظيم

وعد صاحب الكشاف منه أسرى بعبده ليلا 2 أي بعض الليل

وفيه نظر لان التقليل عبارة عن تقليل الجنس إلى فرد من افراده لا ببعض فرد إلى جزء من أجزائه

تنبيه

هذه الامور انما تعلم من القرائن والسياق كما فهم التعظيم في قوله تعالى لأي يوم أجلت 3 من قوله بعده ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل 3

وكما فهم التحقير من قوله من أي شيء خلقه 4 من قوله بعده من نطفة خلقه 4

قاعدة

فيما اذا ذكر الاسم مرتين

اذا ذكر الاسم مرتين فله اربعة احوال لانه اما إن يكونا معرفتين أو نكرتين أو الثاني معرفة والاول نكره أو عكسه

فالاول إن يكونا معرفتين والثاني فيه هو الاول غالبا جملا له على المعهود الذي هو الاصل في اللام أو الاضافة ك العسر في قوله فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا 1 ولذلك ورد لن يغلب عسر يسرين قال التنوخي انما كان مع العسر واحدا لان اللام طبيعة لا ثاني لها بمعنى إن الجنس هى والكلى لايوصف بوحدة ولا تعدد

وقوله وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون 3

4 وقوله فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص ( 3 ) وقوله وقهم السيئات ومن تق السيئات 4

وقوله لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم 5

وقوله لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون 6

وقوله ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر 7

وقوله اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين 8

وهذه القاعدة ليست مطردة وهي منقوضة بآيات كثيرة كقوله تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان 9 فانهما معرفتان وهما غيران فان الاول هو العمل والثاني الثواب

وقوله تعالى أن النفس بالنفس 1 أي القاتلة والمقتولة

وقوله الحر بالحر 2

وقوله هل أتى على الإنسان حين من الدهر 3

وقوله إنا خلقنا الإنسان 3

وقوله وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه 4

وقوله وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به 5

وقوله قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء 6

فالملك الذي يؤتيه الله للعبد لايمكن إن يكون نفس ملكه فقد اختلفا وهما معرفتان لكن يصدق انه اياه باعتبار الاشتراك في الاسم كما صرح بنحوه في قوله تعالى قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء 6 فقد اعاد الضمير في المنفصل المستغرق باعتبار اصل الفضل

ونظيرها قوله تعالى أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا 8 وقوله أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض 8 فالاول عام والثاني خاص

وقوله لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون 9

إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون 1

وقوله قال فالحق والحق أقول 2 فالاول نصب على القسم والثاني نصب ب اقول وهذا بخلاف قوله وبالحق أنزلناه وبالحق نزل 3 واما قوله وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء 4 فالاول معرفة بالضمير والثانية عامة والاولى خاصة فالاول داخل في الثاني

وكذا قوله عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله 5 وقوله برب العالمين رب موسى وهارون 6 وقوله أبلغ الأسباب أسباب السماوات 7

وقوله سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا 8

وقوله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن 9 ثم قال فمن شهد منكم الشهر فليصمه 9 فهما وان اختلفا يكون الاول خاصا والثاني عاما متفقان بالجنس

وكذلك إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا 10 ولذلك استبدل بها على إن الاصل الغاء الظن مطلقا

واما قوله تعالى فجاءته إحداهما تمشي على استحياء 1 بعد قوله قالت إحداهما 1 يحتمل إن تكون الاولى هي الثانية والا تكون

ونظيرها قوله تعالى أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى 2

فان كانت احداهما الثانية مفعولا فالاسم الاول هو الثاني على قاعدة المعرفتين وان كانت فاعلا فهما واجد باعتبار الجنس واكثر النحاة على إن الاعراب اذا لم يظهر في واجد من الاسمين تعين كون الاول فاعلا خلافا لما قاله الزجاج في قوله تعالى فما زالت تلك دعواهم 3

2 وقوله وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب 4 فالكتاب الاول ما كتبوه بايديهم ثم كرره بقوله فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم 5 والكتاب الثاني التوراة والثالث جنس كتب الله تعالى أي ماهو من شئ في ( 6 ) كتب الله تعالى وكلامه قال الراغب ( 7 )

الثاني إن يكونا نكرتين فالثاني غير الاول والا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهودا سابقا قالوا والمعنى في هذا والذي قبله إن النكرة تستغرق الجنس والمعرفة تتناول البعض فيكون داخلا في الكل سواء قدم أو اخر

والمشهور في تمثيل هذا القسم اليسر في قوله تعالى فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا 8

وقد قيل إن تنكير يسرا للتعميم وتعريف اليسر للعهد الذي كان عليه يؤكده سبب النزول ( 1 ) أو الجنس الذي يعرفه كل أحد ليكون اليسر الثاني مغايرا للاول بخلاف العسر والتحقيق إن الجملة الثانية هنا تاكيد للاولى لتقديرها في النفس وتمكينها من القلب ولانها تكرير صريح لها ولا تدل على تعدد اليسر كما لا يدل قولنا وان مع زيد كتابا إن مع زيد كتابا على إن معه كتابين فالافصح إن هذا تاكيد

وقوله تعالى الله الذي خلقكم من ضعف 2 الآية فان كلام من المذكور غير الآخر فالضعف الاول النطفة أو التراب والثاني الضعف الموجود في الطفل والجنين والثالث في الشيخوخة والقوة الاولى التي تجعل للطفل حركة وهداية لاستدعاء اللبن والدفع عن نفسه بالبكاء والثانية بعد البلو غ

قال ابن الحاجب في قوله تعالى غدوها شهر ورواحها شهر 3 الفائدة في اعادة لفظ شهر الاعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح والالفاظ التي تاتي مبينة للمقادير لايحسن فيها الاضمار

واعلم انه ينبغي إن ياتي في هذا القسم الخلاف الاصولي في نحو صل ركعتين صل ركعتين هل يكون امرين بمامورين والثاني تأسيس اولا وفيه قولان وقد نقضوا هذا القسم بقوله تعالى وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله فان فيه نكرتين والثاني هو الاول واجاب الطيبي بانه من باب التكرير واناطة امر زائد

وهذه القاعدة فيما اذا لم يقصد التكرير وهذه الآية من قصد التكرير ويدل عليه تكرير ذكر الرب فيما قبله من قوله سبحان رب السماوات والأرض رب العرش 1

واجاب غيره بان اله بمعنى معبود والاسم المشتق انما يقصد به ما تضمنه من الصفة فانت اذا قلت زيد ضارب عمرو ضارب بكر لايتخبل إن الثاني هو الاول وان اخبر بهما عن ذات واحدة فان المذكور حقيقة انما هو المضروبان ولا شك إن الضميرين مختلفان

ومنها قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير 2 الثاني هو الاول واجيب بان احدهما حكى من كلام السائل والثاني من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وانما الكلام في وقوعهما من متكلم واحد ومنها قوله تعالى فباؤوا بغضب على غضب 3 ومنها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير 4 ومنها وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية 5

الثالث إن يكون الاول نكرة والثاني معرفة فهو كالقسم الاول يكون الثاني فيه هو الاول كقوله تعالى كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول 6

وقوله فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري 1

وقوله ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل ( 2 )

وقوله وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله 2 وهذا منتقض بقوله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق 3

وقوله فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير 4 فانهم استدلوا بها على استحباب كل صلح فالاول داخل في الثاني وليس بجنسه

وكذلك وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا 5 وقوله ويؤت كل ذي فضل فضله 6 الفضل الاول العمل والثاني الثواب

وكذلك ويزدكم قوة إلى قوتكم 6 وكذلك ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم 7

وكذلك زدناهم عذابا فوق العذاب * تعريفه إن المزيد غير المزيد عليه

وكذلك كتاب أنزلناه إليك 9 وقوله أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب 10

الرابع عكسه فلا يطلق القول به بل يتوقف على القرائن فتارة تقوم قرينة على التغاير

كقوله تعالى ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة 1

وكذلك قوله يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا 2

وقوله ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى 3 قال الزمخشري المراد بالهدى جميع ما آتاه من الدين والمعجزات والشرائع والهدى والارشاد

وتارة تقوم قرينة على الاتحاد كقوله تعالى ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآنا عربيا 4 وقوله وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن إلى قوله إنا سمعنا كتابا 5

واما قوله تعالى في سورة البقرة بالمعروف 6

وقوله أيضا من معروف 79 فهو من اعادة النكرة معرفة لان من معروف وان كان في التلاوة متاخرا عن بالمعروف فهو في الانزال متقدم عليه

قواعد تتعلق بالعطف

القاعدة الاولى

ينقسم باعتبار إلى عطف المفرد على مثله وعطف الجمل

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر