الجزء ٤ — ص ٨٢–٩١
بينهما فتقول خطف بالكسر لما تكرر ويكون من شان الخاطف الخطف وخطف بالفتح حيث يقع الخطف من غير من يكون من شانه الخطف بكلفة وهو ابعد من خطف بالفتح فانه يكون لمن اتفق له على تكلف ولم يكن متوقعا منه ويدل عليه إن فعل بالكسر لايتكرر كعلم وسمع وفعل لايشترط فيه ذلك كقتل وضرب قال تعالى إلا من خطف الخطفة 1 فان شغل الشيطان ذلك وقال فتخطفه الطير ( 2 ) لان من شانه ذلك
وقال تخافون أن يتخطفكم الناس 3 فان الناس لاتخطف الناس إلا على تكلف
وقال ويتخطف الناس من حولهم 4
وقال يكاد البرق يخطف أبصارهم 5 لان البرق يخاف منه خطف البصر إذا قوي
ومن ذلك مد وأمد قال الراغب اكثر ( 6 ) ما جاء الامداد في المحبوب وأمددناهم بفاكهة 7 وظل ممدود 8 والمد في المكروه ونمد له من العذاب مدا 9 ومن ذلك سقى وأسقى وقد سبق ومن ذلك عمل وفعل والفرق بينهما
إن العمل اخص من الفعل كل عمل فعل ولا ينعكس ولهذا جعل النجاة الفعل في مقابلة الاسم لانه اعم والعمل من الفعل ما كان مع امتداد لانه فعل وباب فعل لما تكرر
وقد اعتبره الله تعالى فقال يعملون له ما يشاء 1 حيث كان فعلهم بزمان
وقال ويفعلون ما يؤمرون 2 حيث ياتون بما يؤمرون في طرفة عين فينقلون المدن باسرع من إن يقوم القائم من مكانه
وقال تعالى مما عملت أيدينا وما عملته أيديهم 4 فان خلق الانعام والثمار والزروع بامتداد وقال كيف فعل ربك بأصحاب الفيل 5 ألم تر كيف فعل ربك بعاد 6 وتبين لكم كيف فعلنا بهم 7 فانها إهلاكات وقعت من غير بطء
وقال وعملوا الصالحات 8 حيث كان المقصود المثابرة عليها لا الاتيان بها مرة
وقال وافعلوا الخير 9 بمعنى سارعوا كما قال فاستبقوا الخيرات 10 وقال والذين هم للزكاة فاعلون 11 أي ياتون بها على سرعة من غير توان في دفع حاجة الفقير فهذا هو الفصاحة في اختيار الاحسن في كل موضع ومن ذلك القعود والجلوس إن القعود لا يكون معه لبثة والجلوس
لايعتبر فيه ذلك ولهذا تقول قواعد البيت ولا تقول جوالسه لان مقصودك ما فيه ثبات والقاف والعين والدال كيف تقلبت دلت على اللبث والقعدة بقاء على حاله والدقعاء للتراب الكثير الذي يبقى في مسيل الماء وله لبث طويل وأما الجيم واللام والسين فهي للحركة منه السجل للكتاب يطوى له ولايثبت عنده ولهذا قالوا في قعد يقعد بضم الوسط وقالوا جلس يجلس بكسره فاختاروا الثقيل لما هو اثبت
اذا ثبت هذا فنقول قال الله تعالى مقاعد للقتال 1 فان الثبات هو المقصود
وقال اقعدوا مع القاعدين 2 أي لازوال لكم ولا حركة عليكم بعد هذا وقال في مقعد صدق 3 ولم يقل مجلس إذ لازوال عنه
وقال إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس 4 اشارة إلى انه يجلس فيه زمانا يسيرا ليس بمقعد فاذا طلب منكم التفسح فافسحوا لانه لا كلفة فيه لقصره ولهذا لايقال قعيد الملوك وانما يقال جليسهم لان مجالسه الملوك يستحب فيها التخفيف والقعيدة للمرأة لانها تلبث في مكانها
ومن ذلك التمام والكمال وقد اجتمعا في قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي 5 والعطف يقتضى المغايرة فقيل الاتمام لإزالة نقصان الاصل والإكمال لإزالة نقصان العوارض بعد تمام الاصل ولهذا كان قوله تعالى تلك عشرة كاملة 6 احسن من تامة فان التمام من العدد قد علم وانما بقي احتمال نقص في صفاتها
وقيل تم يشعر بحصول نقص قبله وكمل لا يشعر بذلك ومن هذا قولهم رجل كامل اذا جمع خصال الخير ورجل تام اذا كان غير ناقص الطول
وقال العسكري الكمال اسم لاجتماع ابعاض الموصوف به والتمام اسم للجزء الذي يتم به الموصوف ولهذا يقولون القافية تمام البيت ولا يقولون كماله ويقولون البيت بكماله
ومن ذلك الضياء والنور $ قائدة & عن الجويني في الفرق بين الاتيان والاعطاء
قال الجويني لايكاد اللغويون يفرقون بين الاعطاء والاتيان وظهر لي بينهما فرق انبنى عليه بلاغة في كتاب الله وهو إن الاتيان اقوى من الاعطاء في اثبات مفعوله لان الاعطاء له مطاوع يقال اعطاني فعطوت ولا يقال في الاتيان اتاني فأتيت وانما يقال اتاني فاخذت و الفعل الذي له مطاوع اضعف في اثبات مفعوله من الذي لا مطاوع له لانك تقول قطعته فانقطع فيدل على إن فعل الفاعل كان موقوفا على قبول المحل لولاه لما ثبت المفعول ولهذا يصح قطعته فما انقطع ولا يصح فيما لا مطاوع له ذلك فلا يجوز إن يقال ضربته فانضرب أو ما انضرب ولا قتلته فانقتل أو ما انقتل لان هذه الافعال اذا صدرت من الفاعل ثبت لها المفعول في المحل والفاعل مستقل بالافعال التي لا مطاوع لها فالايتاء اذن اقوى من الاعطاء
قال وقد تفكرت في مواضع من القرآن فوجدت ذلك مراعى قال الله تعالى في الملك تؤتي الملك من تشاء 1 لان الملك شئ عظيم لا يعطيه إلا من له قوة ولان الملك في الملك اثبت من الملك في المالك فإن الملك لايخرج الملك من يده واما المالك فيخرجه بالبيع والهبة
وقال تعالى يؤتي الحكمة 2 لأن الحكمة اذا ثبتت في المحل دامت
وقال آتيناك سبعا من المثاني 3 لعظم القرآن وشأنه
وقال إنا أعطيناك الكوثر 4 لان النبي صلى الله عليه وسلم وامته يردون على الحوض ورود النازل على الماء ويرتحلون إلى منازل العز والانهار الجارية في الجنان والحوض للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته عند عطش الاكباد قبل الوصول إلى المقام الكريم فقال فيه إنا أعطيناك لانه يترك ذلك عن قرب وينتقل إلى ماهو اعظم منه
وقال أعطى كل شيء خلقه 5 لان من الأشياء ماله وجود في زمان واحد بلفظ الاعطاء وقال ولسوف يعطيك ربك فترضى 6 لانه تعالى بعد ما يرضى النبي صلى الله عليه وسلم يزيده وينتقل به من كل الرضا إلى اعظم ما كان يرجو منه لا بل حال امته كذلك فقوله يعطيك ربك فيه بشارة
وقال حتى يعطوا الجزية عن يد 7 لانها موقوفة على قبول منا وهم
لايؤتون ايتاء عن طيب قلب وانما هو عن كره اشارة إلى إن المؤمن ينبغي إن يكون اعطاؤه للزكاة بقوة لايكون كاعطاء الجزية
فانظر إلى هذه اللطيفة الموقفة على سر من اسرار الكتاب
قاعدة
في التعريف والتنكير
اعلم إن لكل واحد منهما مقاما لايليق بالآخر
فاما التعريف فله اسباب الاول الاشارة إلى معهود خارجي كقوله تعالى بكل ساحر عليم وجاء السحرة 1 على قراءة الاعمش ( 2 ) فانه اشير بالسحرة إلى ساحر مذكور
وقوله كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول 3
وأغرب ابن الخشاب فجعلها للجنس فقال لان من عصى رسولا فقد عصى سائر الرسل
ومنهم من لايشترط تقدم ذكره وجعل منه قوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء 4 لانهم كانوا يعتقدون إن الناس الذين آمنوا سفهاء
وقوله وليس الذكر كالأنثى 1 أي الذكر الذي طلبته كالانثى التي وهبت لها وانما جعل هذا للخارجي لمعنى الذكر في قولها إني نذرت لك ما في بطني محررا 2 ومعنى الانثى في قولها إني وضعتها أنثى 1
الثاني لمعهود ذهني أي في ذهن مخاطبك كقوله تعالى إذ هما في الغار 3 إذ يبايعونك تحت الشجرة 4 واما حضوري نحو اليوم أكملت لكم دينكم 5 فانها نزلت يوم عرفة
الثالث الجنس وهي فيه على اقسام احدها إن يقصد المبالغة في الخبر فيقصر جنس المعني على المخبر عنه نحو زيد الرجل أي الكامل في الرجولية وجعل سيبويه صفات الله تعالى كلها من ذلك
وثانيها إن يقصره على وجه الحقيقة لا المبالغة ويسمى تعريف الماهية نحو أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة 6 وقوله وجعلنا من الماء كل شيء حي 7 أي جعلنا مبتدأ كل حي هذا الجنس الذي هو الماء
وقال بعضهم المراد بالحقيقة ثبوت الحقيقة الكلية الموجودة في الخارج لا الشاملة لافراد الجنس نحو الرجل خير من المرأة لايريدون امرأة بعينها وإنما المراد هذا الجنس خير من ذلك الجنس من حيث هو وإن كان يتفق ( 8 ) في بعض افراد النساء من هو خير من بعض افراد الرجال بسبب عوارض
وهذا معنى قول ابن بابشاذ إن تعريف العهد لما ثبت في الاعيان وتعريف الجنس لما ثبت في الاذهان لان التفضيل في الجنس راجع إلى الصورتين الكليتين في الذهن
اذ لا معنى للتفضيل في الصورة الذهنية وانما اضاف إلى الذهن لان تلك الحقيقة الي ذكرناها وان كانت موجوده في الخارج لاشتمال الافراد الخارجية عليها ولكنها كلها مطابقة للصورة الذهنية التي لتلك الحقيقة ولهذا تسمى الكلية الطبيعية
الرابع إن يقصد بها الحقيقة باعتبار كلية ذلك المعنى وتعرف بانها التي اذا نزعت حسن إن يخلفها كل وتفيد معناها الذي وضعت له حقيقة ويلزم من ذلك الدلالة على شمول الافراد وهي الاستغراقية ويظهر اثره في صحة الاستثناء منه مع كونه بلفظ الفرد نحو إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا 1 وفي صحة وصفه بالجمع نحو أو الطفل الذين لم يظهروا 2
قال صاحب ضوء المصباح ( 3 ) سواء أكان الشمول باعتبار الجنس كالرجل والمرأة أو باعتبار النوع كالسارق والسارقة ويفرق بينهما بان مادخلت عليه من اجل فعلة فيزول عنه الاسم بزوال الفعل فهي للنوع وما دخلت عليه من وصفه فلا يزول عنه الاسم ابدا هذا كله اذا دخلت على مفرد نحو إلى عالم الغيب والشهادة 4 وخلق الإنسان ضعيفا 5 إن الإنسان لفي خسر 1 خلافا للامام فخر الدين ومن تبعه في قولهم إن المفرد المحلي بالالف واللام لايعم ولنا الاستثناء في قوله تعالى أو الطفل الذين لم يظهروا 2 وليس في قوله والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما 6 دلالة على العموم كما زعم صاحب الكشاف ز
فان قلت فاذا لم يكن السارق عاما فبماذا تقطع يد كل سارق من لدن سرق رداء صفوان إلى انقضاء العالم
قيل لان المراد منه الجنس أي نفس الحقيقة والمعنى إن المتصف بصفة السرقة تقطع يده وهو صادق على كل سارق لان الحقيقة كما توجد مع الواحد توجد مع المتعدد أيضا فان دخلت على جمع فاختلف العلماء هل سلبته معنى الجمع ويصير للجنس ويحمل على اقله وهو الواجد لئلا يجتمع على الكلمة عمومان أو معنى الجمع باق معها
مذهب الحنفية الاول وقضية مذهبنا الثاني ولهذا اشترطوا ثلاثة من كل صنف في الزكاة إلا العاملين ويلزم الحنفية إلا يصح منه الاستثناء ولا يخصصه وقد قال تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس 1 وقال فاقتلوا المشركين ( 2 ) إلى قوله حتى يعطوا الجزية 3 وقد حققته في باب العموم من بحر الاصول ( 4 )
ثم الاكثر في نعتها وغيرها مرافقة اللفظ كقوله تعالى والجار ذي القربى والجار الجنب 5 وقوله لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى 6
وتجئ موافقة معنى لا لفظا على قلة كقوله أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء
واما التنكير فله اسباب
الاول ارادة الوحدة نحو وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى 1
الثاني ارادة النوع كقوله هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب 2 أي نوع من الذكر
وعلى أبصارهم غشاوة 3 وهي التعامي عن آيات الله الظاهرة لكل م 4 بصر ويجوز إن يكون للتعظيم وجريا في قوله تعالى والله خلق كل دابة من ماء 4 ولتجدنهم أحرص الناس على حياة 5 لانهم لم يحرصوا على اصل الحياة حتى تعرف بل على الازدياد من نوع وان كان الزائد اقل شئ ينطلق عليه اسم الحياة
الثالث التعظيم كقوله تعالى فأذنوا بحرب من الله ورسوله 6 أي بحرب واي حرب 2
وكقوله ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون 7 أي لايوقف على حقيقته
وجعل منه السكاكي قوله تعالى إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن 8 والظاهر من قول الزمخشري خلافه وهذا لم يصرح بان العذاب لا حق به بل قال يمسك وذكر الخوف وذكر اسم الرحمن ولم يقل المنتقم وذلك يدل على انه لم يرد التعظيم
وقوله أن لهم جنات 9
فان قلت لم لم ينكر الانهار في قوله من تحتها الأنهار 9
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر