علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٥٧ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٧٢–٨١

اللغوي وقوع انشائه ثم لو كان هذا المعنى معتبرا لشرع السلام بيننا بالنصب دون الرفع

تنبيه

هذا الذي ذكرناه من دلالة الاسم على الثبوت والفعل على التجدد والحدوث هو المشهور عند البيانيين وانكر أبو المطرف بن عميرة في كتاب التمويهات ( 1 ) على كتاب التبيان لابن الزملكاني قال هذا الراي غريب ولا مستند له نعلمه إلا إن يكون قد سمع إن في مقوله ( 2 ) إن يفعل وان ينفعل هذا المعنى من التجدد فظن انه الفعل القسيم للاسماء فغلط ثم قوله الاسم يثبت المعنى للشئ عجيب واكثر الاسماء دلالتها على معانيها فقط وانما ذاك في الاسماء المشتقه ثم كيف يفعل بقوله تعالى ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون 3 وقوله في هذه السورة بعينها إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون 3 وقال ابن المنير طريقة العرب تدبيج الكلام وتلوينه ومجئ الفعلية تارة والاسمية اخرى من غير تكلف لما ذكروه وقد راينا الجملة الفعلية تصدر من الاقوياء الخلص اعتمادا على إن المقصود الحاصل بدون التأكيد كقوله تعالى ربنا آمنا 4 ولاشئ بعد آمن الرسول 5 وقد جاء التاكيد في كلام المنافقين فقال إنما نحن مصلحون 6

قاعدة

في قوله تعالى من في السموات والأرض ونحوها

جاء في التنزيل في موضع من في السماوات والأرض وفي موضع من في السماوات ومن في الأرض

والاول جاء في تسعة مواضع احدها في الرحمن يسأله من في السماوات والأرض 1

والثاني في اربع مواضع اولها في يونس ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض

وجاء قوله تعالى ما في السماوات والأرض في أحد عشر وضعا اولها في البقرة سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون 3

وجاء قوله ما في السماوات وما في الأرض في ثمانية وعشرين موضعا اولها في آية الكرسي ( 4 )

قال بعضهم وتاملت هذه المواضع فوجدت انه حيث قصد التنصيص على الإفراد ذكر الموصول والظرف إلا ترى إلى المقصود في سورة يونس ( 5 ) من نفي الشركاء الذين اتخذوهم في الأرض والى المقصود في آية الكرسي في إحاطة الملك ( 6 )

وحيث قصد امر آخر لم يذكر الموصول إلا مرة واجدة اشارة إلى قصد الجنس واللاهتمام ( 1 ) بما هو المقصود في تلك الاية إلا ترى إلى سورة الرحمن المقصود منها علو قدرة الله وعلمه وشانه وكونه سئولا ولم يقصد افراد السائلين

فتامل هذا الموضع $ قاعدة & في قوله تعالى فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا ونحوها

قد يكون نحو هذا اللفظ في القرآن كقوله تعالى ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا 2 فمن أظلم ممن كذب على الله 3 ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها 4 ومن أظلم ممن منع مساجد الله 5 إلى غير ذلك

والمفسرون ( 6 ) على إن هذا الاستفهام معناه النفي فحينئذ فهو خبر واذا كان خبر أفتوهم بعض الناس انه اذا اخذت هذه الآيات على ظواهرها ادى إلى التناقض ( 7 ) لأنه يقال لا أحد اظلم ممن منع مساجد الله ولا أحد اظلم ممن افترى عل الله كذبا ولا أحد اظلم ممن ذكر بايات الله فاعرض عنها

واختلف المفسرون ( 8 ) في الجواب عن هذا السؤال على طرق

احدها تخصيص كل واحد في هذه المواضع بمعنى صلته فكانه قال لا أحد من المانعين أظلم ممن منع مساجد الله ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله

كذبا وكذلك باقيها واذا تخصص ( 1 ) بالصلات زال عنه ( 2 ) التناقض

الثاني إن التخصيص بالنسبة ( 3 ) إلى السبق لما لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بانهم اظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقتهم وهذا يئول معناه إلى السبق في المانعية والافترائية ( 4 )

الثالث وادعى الشيخ أبو حيان الصواب ونفى الاظلمية لايستدعى نفي الظالمية لان نفي المقيد لا يدل على نفي المطلق فلو قلت مافي الدار رجل ظريف لم يدل ذلك على نفي مطلق رجل واذا لم يدل على نفي الظالمية لم يلزم التناقض ( 5 ) لان فيها اثبات التسوية في الاظلمية واذا ثبتت التسوية في الاظلمية لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الاخر لانهم يتساوون في الاظلمية وصار المعنى لا أحد اظلم ممن افترى وممن كذب ونحوها ولا اشكال في تساوي هؤلاء في الاظلمية ولايدل على إن أحد هؤلاء اظلم من الاخر كما انك اذا قلت لا أحد افقه من زيد وعمر وخالد لا يدل على إن احدهم افقه من الاخر بل نفي إن يكون احدهم افقه ( 6 ) منهم

لايقال إن من منع مساجد الله إن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ولم يفتر على الله كذبا اقل ظلما ممن جمع بينهما فلا يكون مساويا في الاظلمية لانا نقول هذه الايات كلها انما هي في الكفار فهم متساوون في الاظلمية وان اختلفت طرق الاظلمية فهي كلها صائرة إلى الكفر وهو شئ واحد لايمكن فيه الزيادة بالنسبة لإفراد من

اتصف به وانما تمكن الزيادة في الظلم بالنسبة لهم وللعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركوا فيه من المخالفة فتقول الكافر اظلم من المؤمن ونقول لا أحد اظلم من الكافر ومعناه إن ظلم الكافر يزيد على ظلم غيره انتهى

وقال بعض مشايخنا لم يدع القائل نفي الظالمية فيقيم الشيخ الدليل على ثبوتها وانما دعواه إن ومن اظلم ممن منع مثلا والغرض إن الاظلمية ثابتة لغير ما اتصف بهذا الوصف واذا كان كذلك حصل التعارض ولابد من الجمع بينهما وطريقه التخصيص فيتعين القول به

وقول الشيخ إن المعنى لا أحد اظلم ممن منع وممن ذكر صحيح ولكن لم يستفد ذلك إلا من جهة التخصيص لان الافراد المنفي عنها الاظلمية في آية وأثبتت لبعضها الاظلمية أيضا في آية اخرى وهكذا بالنسبة إلى بقية الآيات الوارد فيها ذلك

وكلام الشيخ يقتضي إن ذلك استفيد لابطريق التخصيص بل بطريق إن الايات المتضمنه لهذا الحكم في آية واحدة واذا تقرر ذلك علمت أن كل آية خصت باخرى ولا حاجة إلى القول بالتخصيص بالصلات ولا بالسبق

الرابع طريقة بعض المتأخرين فقال متى قدرنا لا أحد اظلم لزم اجد الامرين اما استواء الكل في الظلم وان المقصود نفي الاظلمية من غير المذكور لا إثبات الاظلمية له وهو خلاف المتبادر إلى الذهن اما إن كل واجد اظلم في ذلك النوع وكلا الامرين انما لزم من جعل مدلولها اثبات الاظلمية للمذكور حقيقة أو نفيها من غيره

وهنا معنى ثالث وهو امكن في المعنى وسالم عن الاعتراض وهو الوقوف مع مدلول

اللفظ من الاستفهام والمقصود به إن هذا الامر عظيم فظيع قصدنا بالاستفهام عنه تخييل انه لاشئ فوقه لامتلاء قلب المستفهم عنه بعظمته امتلاء يمنعه من ترجيح غيره فكأنه مضطر إلى إن يقول لا أحد اظلم وتكون دلالته على ذلك استعارة لاحقيقة فلا يرد كون غيره اظلم منه إن فرض وكثيرا ما يستعمل هذا في الكلام إذا قصد به التهويل فيقال أي شئ اعظم من هذا اذا قصد افراط عظمته ولو قيل للمتكلم بذلك انت قلت إنه اعظم الاشياء لابي ذلك فليفهم هذا المعنى فان الكلام ينتظم معه والمعنى عليه $ قاعدة & في الجحد بين الكلامين

قوله تعالى وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام 1 قال صاحب ( 2 ) الياقوته قال ثعلب والمبرد جميعا العرب اذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام إخبارا فمعناه إنما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ومثله ما سمعت منك ولا اقبل منك مالا واذا كان في أول الكلام جحد كان الكلام مجحودا جحدا حقيقيا نحو ما زيد بخارج فاذا جمعت بين جحدين في اول الكلام كان احدهما زائدا كقوله ما قمت يريد ما قمت ومثله ما إن قمت وعليه قوله تعالى فيما إن مكناكم فيه 3 في أحد الاقوال

قاعدة

في الفاظ يظن بها الترادف وليست منه

ولهذا وزعت بحسب المقامات فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الاخر فعلى المفسر مراعاة الاستعمالات والقطع بعدم الترادف ما امكن فان للتركيب معنى غير معنى الافراد ولهذا منع كثير من الأصوليين وقوع أحد المترادفين موقع الاخر في التركيب وان اتفقوا على جوازه في الإفراد

فمن ذلك الخوف والخشية لايكاد اللغوي يفرق بينهما ولا شك إن الخشية اعلى من الخوف وهي اشد الخوف فانها ماخوذة من قولهم شجرة خشية اذا كانت يابسة وذلك فوات بالكلية والخوف من قولهم ناقة خوفاء اذا كان بها داء وذلك نقص وليس بفوات ومن ثمة خصت الخشية بالله تعالى في قوله سبحانه ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب 1

وفرق بينهما أيضا بان الخشية تكون من عظم المخشى وان كان الخاشي قويا والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخوف امرا يسيرا ويدل على ذلك إن الخاء والشين والياء في تقاليبها تدل على العظمة قالوا شيخ للسيد الكبير والخيش لما عظم من الكتان والخاء والواو واالفاء في تقاليبها تدل على الضعف وانظر إلى الخوف لما فيه من ضعف القوة وقال تعالى ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب فان الخوف من الله لعظمته يخشاه كل أحد كيف كانت حالة وسوء الحساب ربما لايخافه من كان عالما بالحساب وحاسب نفسه قبل إن يحاسب

وقال تعالى إنما يخشى الله من عباده العلماء 1 وقال لموسى لا تخف 2 أي لايكون عندك من ضعف نفسك ما تخاف منه من فرعون

فان قيل ورد يخافون ربهم قيل الخاشي من الله بالنسبة إلى عظمه الله ضعيف فيصح إن يقول يخشى ربه لعظمته ويخاف ربه أي لضعفه بالنسبة إلى الله تعالى

وفيه لطيفة وهي إن الله تعالى لما ذكر الملائكة وهم اقوياء ذكر صفتهم بين يديه فقال يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون 3 فبين انهم عند الله ضعفاء ولما ذكر المؤمنين من الناس وهم ضعفاء لاحاجة إلى بيان ضعفهم ذكر ما يدل على عظمة الله تعالى فقال يخشون ربهم ولما ذكر ضعف الملائكة بالنسبة إلى قوة الله تعالى قال ربهم من فوقهم والمراد فوقية بالعظمة

ومن ذلك الشح والبخل والشح هو البخل الشديد وفرق العسكري ( 4 ) بين البخل والضن بان الضن اصله إن يكون بالعواري والبخل بالهيئات ولهذا يقال هو ضنين بعلمه ولا يقال هو بخيل لأن العلم أشبه بالعارية منه بالهيئة لأن الواهب اذا وهب شيئا خرج عن ملكه بخلاف العارية ولهذا قال تعالى وما هو على الغيب بضنين 5 ولم يقل ب بخيل

ومن ذلك الغبطة والمنافسة كلاهما محمود قال تعالى وفي ذلك فليتنافس المتنافسون 1 وقال صلى الله عليه وسلم لاحسد إلا في اثنتين واراد الغبطة وهي تمنى مثل ماله من غير إن يغتم لنيل غيره فان انضم إلى ذلك الجد والتشمير إلى مثله أو خير منه فهو منافسة

وقريب منها الحسد والحقد فالحسد تمني زوال النعمة من مستحقها وربما كان مع سعي في ازالتها كذا ذكر الغزالي هذا القيد اعنى الاستحقاق وهو يقتضي إن تمنى زوالها عمن لايستحقها لا يكون حسدا

ومن ذلك السبيل والطريق وقد كثر استعمال السبيل في القرآن حتى انه وقع في الربع الاول منه في بضع وخمسين موضعا اولها قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله 2 ولم يقع ذكر الطريق مرادا به الخير إلا مقترنا بوصف أو باضافة مما يخلصه لذلك كقوله تعالى إلى الحق وإلى طريق مستقيم 3

ومن ذلك جاء وأتى يستويان في الماضي وياتي اخف من يجيء وكذا في الامر جيئوا بمثله اثقل من فاتوا بمثله ولم يذكر الله إلا ياتي وياتون وفي الامر فأت فأتنا فأتوا لان اسكان الهمزة ثقيل لتحريك حروف المد واللين تقول جئ اثقل من ائت

وأما في الماضي ففيه لطيفة وهي إن جاء يقال في الجواهر والاعيان واتى في المعاني والازمان وفي مقابلتها ذهب ومضى يقال ذهب في الاعيان ومضى في الازمان ولهذا يقال حكم فلان ماض ولايقال ذاهب لان الحكم ليس من الاعيان

وقال ذهب الله بنورهم 1 ولم يقل مضى لانه يضرب له المثل بالمعاني المفتقره إلى الحال ويضرب له المثل بالاعيان القائمة بانفسها فذكر الله جاء في موضع الاعيان في الماضي واتى في موضع المعاني والازمان

وانظر قوله تعالى ولمن جاء به حمل بعير 2 لان الصواع عين ولما جاءهم كتاب 3 لانه عين وقال وجيء يومئذ بجهنم 4 لانها عين

واما قوله تعالى فإذا جاء أجلهم 5 فلان الاجل كالمشاهد ولهذا يقال حضرته الوفاة وحضره الموت وقال تعالى بل جئناك بما كانوا فيه يمترون 6 أي العذاب لانه مرئي يشاهدونه وقال وأتيناك بالحق وإنا لصادقون 7 حيث لم يكن الحق مرئيا

فإن قيل فقد قال تعالى أتاها أمرنا ليلا أو نهارا 8 وقال ولما جاء أمرنا 9 فجعل الأمر آتيا وجائيا

قلنا هذا يؤيد ما ذكرناه فانه لما قال جاء وهم ممن يرى الاشياء قال جاء أي عيانا ولما كان الزرع لايبصر ولايرى قال أتاها ويؤيد هذا إن جاء يعدي بالهمزة ويقال أجاءه قال تعالى فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة 10 ولم يرد اتاه بمعنى ائت من الاتيان لان المعنى لا استقلال له حتى ياتي بنفسه ومن ذلك الخطف والتخطف لا يغرق الأديب بينهما والله تعالى فرق

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر