الجزء ٤ — ص ٦٢–٧١
وقال قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا 1
وقال وأحل الله البيع وحرم الربا 2 ونظائر ذلك كثيرة في القرآ ن وقال السهيلي في كتاب الإعلام في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام وناديناه من جانب الطور الأيمن 3 وقال للنبي صلى الله عليه وسلم وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر 4 والمكان المشار إليه واحد قال ووجه الفرق بين الخطابين إن الأيمن إما مشتق من اليمن وهو البركة أو مشارك له في المادة فلما حكاه عن موسى في سياق الإثبات اتى بلفظه ولما خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم في سياق النفي عدل إلى لفظ الغربي لئلا يخاطبه فيسلب عنه فيه لفظا مشتقا من اليمن أو مشاركا في المادة رفقا بهم في الخطاب وإكراما لهما هذا حاصل ما ذكره بمعناه موضح ( 5 )
وهو اصل عظيم في الأدب في الخطاب
وقال أيضا في الكتاب المذكور في قوله تعالى وذا النون إذ ذهب مغاضبا 6 الاية أضافه هنا إلى النون وهو الحوت وقال في سورة القلم ولا تكن كصاحب الحوت 7 وسماه هنا ذا النون والمعنى واحد ولكن بين اللفظين تفاوت كبير في حسن الإشارة إلى الحالين وتنزيل الكلام في الموضوعين فإنه حين ذكره في موضع الثناء عليه قال وذا النون ولم يقل صاحب الحوت ولفظ النون اشرف لوجود هذا الاسم في حروف الهجاء في اوائل السور نحو ن والقلم وقد قيل إن هذا قسم بالنون والقلم وان لم يكن قسما فقد عظمه بعطف المقسم به عليه وهو القلم وهذا
الاشتراك يشرف هذا الاسم وليس في الاسم ( 1 ) وليس في اللفظ الاخر هوه الحوت ( 1 ) ما يشرفه
فالتفت إلى تنزيل الكلام في الآيتين يلح لك ما اشرت إليه في هذا فان التدبر لاعجاز القرآن واجب مفترض ( 2 )
وقال الشيخ أبو محمد المرجاني في قوله تعالى سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين 39 خاطبه بمقدمة الصدق مواجهة ولم يقدم الكذب لأنه متى أمكن حمل الخبر على الصدق لايعدل عنه ومتى كان يحتمل ويحتمل قدم الصدق ثم لم يواجهه بالكذب بل ادمجه في جملة الكذابين أدبا في الخطاب
ومثله إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين 4
وكذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم
وهذان المثالان من باب ارخاء العنان للخصم ليدخل في المقصود بالطف موعود
قاعدة
في ذكر الرحمة والعذاب في القرآن
من اساليب القرآن حيث ذكر الرحمة والعذاب إن يبدأ بذكر الرحمة كقوله
تعالى يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء 1 إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم 2 وعلى هذا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى إن رحمتي سبقت غضبي
وقد خرج عن هذه القاعدة مواضع اقتضت الحكمة فيها تقديم ذكر العذاب ترهيبا وزجرا
منها قوله في سورة المائدة ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شيء قدير 3 لأنها وردت في ذكر قطاع الطريق والمحاربين والسراق ( 4 ) فكان المناسب تقديم ذكر العذاب لهذا ختم آية السرقة ب عزيز حكيم وفيه الحكاية المشهورة ( 5 ) وختمها بالقدرة مبالغة في الترهيب لأن من توعده قادر على أنفاذ الوعيد كما قاله الفقهاء في الإكراه على الكلام ونحوه
ومنها قوله في سورة العنكبوت يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون ( 6 ) لأنها في سياق حكاية أنذار إبراهيم لقومه
ومثلها أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا
1 إلى قوله إن الله على كل شيء قدير 1 وبعدها بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير 2
ومنها في آخر الأنعام قوله إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم 3 لأن سورة الانعام كلها مناظرة للكفار ووعيدهم خصوصا وفي آخرها قبل هذه الأيات بيسير إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء 4 الاية وهو تهديد ووعيد إلى قوله قل أغير الله أبغي ربا 5 الاية وهو تقريع للكفار وأفساد لدينهم إلى قوله وهو الذي جعلكم خلائف الأرض 3 فكان المناسب تقديم ذكر العقاب ترهيبا للكفار وزهرا لهم عن الكفر والتفرق وزجرا للخلائق عن الجور في الاحكام
ونحو ذلك في أواخر الأعراف إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم 6 لانها في سياق ذكر معصية أصحاب السبت وتعذيبه إياهم فتقديم العذاب مناسب
والفرق بين هذه الاية وآية الانعام حيث أتى هنا بالام فقال لسريع العقاب دون هناك إن اللام تفيد التوكيد فافادت هنا تأكيد سرعة العقاب لأن العقاب المذكور هنا عقاب عاجل وهو عقاب بني إسرائيل بالذل والنقمة وأداء الجزية بعد المسخ لأنه في سيقا قوله وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب 6 فتأكيد السرعة افاد بيان التعجيل وهو مناسب بخلاف العقاب المذكور في سورة الانعام فإنه آجل بدليل قوله ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون
1 فاكتفى فيه بتاكيد إن ولما اختصت آية الاعراف بزيادة العذاب عاجلا اختصت بزيادة التاكيد لفظا ب إن وجميع مافي القرآن على هذا اللفظ يناسبه التقديم والتأخير وعليه دليلان احدهما تفصيلي وهو الاستقراء فانظر أي آية شئت تجد فيها مناسبا لذلك والثاني اجمالي وهو إن القران كلام احكم الحكماء فيجب إن يكون على مقتضى الحكمة فوجب اعتباره كذلك وهذان دليلان عامان في مضمون هذه الفائدة وغيرها
وأما قوله تعالى فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة 29 ولم يقل ذو عقوبة شديدة لأنه إنما قال ذلك نفيا للاغترار بسعة رحمة الله في الاجتراء على معصيته وذلك ابلغ في التهديد معناه لاتغتروا بسعة رحمة الله فإنه مع ذلك لايرد عذابه
ومثله قوله تعالى يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن 3 وقد سبقت
فائدة
في الفرق بين الخطاب بالاسم والفعل
وأن الفعل يدل على التجدد والحدوث والاسم على الاستقرار والثبوت ولايحسن وضع احدهما موضع الاخر
فمنه قوله تعالى وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد 4 لو قيل يبسط لم يؤد
الغرض لأنه لم يؤذن بمزاولة الكلب البسط وانه يتجدد له شئ بعد شئ ف باسط اشعر بثبوت الصفة
وقوله هل من خالق غير الله يرزقكم 1 لو قيل رازقكم لفات ما افاده الفعل من تجدد الرزق شيئا بعد شئ ولهذا جاءت الحال في صورة المضارع مع إن العامل الذي يفيده ماض كقولك جاء زيد يضرب وفي التنزيل وجاؤوا أباهم عشاء يبكون 2 إذ المراد إن يريد صورة ما هم عليه وقت المجئ وأنهم آخذون في البكاء يجددونه شيئا بعد شئ وهذا هو سر الاعراض عن اسم الفاعل والمفعول إلى صريح الفعل والمصدر
ومن هذا يعرف لم قيل الذين ينفقون 3 ولم يقل المنفقين في غير موضع وقيل كثيرا المؤمنون والمتقون لأن حقيقة النفقة أمر فعلي شانه الانقطاع والتجدد بخلاف الايمان فان له حقيقة تقوم بالقلب يدوم مقتضاها وان غفل عنها كذلك التقوى والإسلام والصبر والشكر والهدى والضلال والعمى والبصر فمعناها أو معنى وصف الجارحة كل هذه لها مسميات حقيقية أو مجازية تستمر وآثار تتجدد وتنقطع فجاءت بالاستعمالين إلا إن لكل محل ما يليق به فحيث يراد تجدد حقائقها أو آثارها فالافعال وحيث يراد ثبوت الاتصاف بها فالاسماء وربما بولغ في الفعل فجاء تارة بالصيفة الاسمي كالمجاهدين والمهاجرين والمؤمنين لانه للشان والصفة هذا مع إن لها في القلوب اصولا وله ببعض معانيها التصاق قوي هذا التركيب إذ القلب فيه جهاد الخواطر الرديئة والاخلاق الدنيئة وعقد على فعل المهاجرة كما فيه عقد على الوفاء بالعهد وحيث يستمر المعاهد عليه إلى غير ذلك
وانظر هنا إلى لطيفة وهو إن ما كان من شانه إلا يفعل إلا مجازاة وليس من شانه إن يذكر الاتصاف به لم يات إلا في تراكيب الافعال كقوله تعالى ويضل الله الظالمين 1 وقال وإن الله لهاد الذين آمنوا 29 ولكل قوم هاد 3
وأما قوله تعالى وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون 4 فان الاهلاك نوع اقتدار بين مع إن جنسه مقضى به على الكل عالين وسافلين لا كالضلال الذي جرى مجرى العصيان
ومنه قوله تعالى تذكروا فإذا هم مبصرون 5 لأن البصر صفة لازمة للمتقي وعين الشيطان ربما حجبت فاذا تذكر راى المذكور ولو قيل يبصرون لانبا عن تجدد واكتساب فعل لا عود صفة
وقوله الذي خلقني فهو يهدين 6 اتى بالماضي في خلق لان خلقه مفروغ منه واتى بالفاء دون الواو لانه كالجواب اذ من صور المنى قادر على إن يصيره ذا هدى وهو للحصر لانهم كانوا يزعمون إن آلهتهم تهديهم ثم قال والذي هو يطعمني ويسقين 6 فاتى بالمضارع لبيان تجدد الاطعام والسقيا وجاءت الواو دون الفاء لانهم كانوا لايفرقون بين المطعم والساقي ويعلمون انهما من مكان واحد وان كانوا يعلمون انه من إله واتى به هو لرفع ذلك ودخلت الفاء في فهو يشفين لانه جواب ولم يقل اذا مرضت فهو يشفين إذ يفوت ما هو موضوع لافادة
التعقيب ويذهب الضمير المعطى معنى الحصر ولم يكونوا منكرين الموت من الله وإنما انكروا البعث فدخلت ثم لتراخي ما بين الاماتة والاحياء
وقوله تعالى أدعوتموهم أم أنتم صامتون 1 لأن الفعل الماضي يحتمل هذا الحكم دائما ووقتا دون وقت فلما قال أم أنتم صامتون أي سكوتكم عنهم ابدا ودعاؤكم إياهم واحد لان صامتون فيه مراعاة للفواصل فهو افصح وللتمكين من تطريفه بحرف المد واللين وهو للطبع انسب من صمتهم وصلا ووقفا
وفيه وجه آخر وهو إن أحد القسمين موازن للآخر فيدل على إن المعنى أنتم داعون لهم دائما أم أنتم صامتون
فان قيل لم لا يعكس قلنا لان الموصوف الحاضر والمستقبل لا الماضي لان قبلة وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم 2 والكلام بآخره فالحكم به قد يرجح
وقوله تعالى أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين 3 ولم يقل أم لعبت لان العاقل لايمكن إن يلعب بمثل ما جاء به ظاهرا وانما يكون ذلك أحد رجلين اما محق واما مستمر على لهو الصبا وغي الشباب فيكون اللعب من شانه حتى يصدر عنه مثل ذلك ولو قال أم لعبت لم يعط هذا
وقوله تعالى حاكيا عن المنافقين آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين 4 يريدون أحدثنا الايمان واعرضنا عن الكفر ليروح ذلك خلافا منهم كما أخبر تعالى عنهم في قوله يخادعون الله والذين آمنوا 4
وجاءت الاسمية في الرد عليهم بقوله وما هم بمؤمنين 1 لانه ابلغ من نفى ي الفعل إذ يقتضي اخراج انفسهم وذواتهم عن إن يكونوا طائفة من طوائف المؤمنين وينطوي تحته على سبيل القطع نفي بما اثبتوا لأنفسهم من الدعوى الكاذبه على طريقة يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها 2 مبالغة في تكذيبهم ولذلك أجيبوا بالباء وكلامهم في هذا كما قيل خلى من المعنى ولكن مفرقع
واذا قيل انا مؤمن ابلغ من آمن ونفي الأبلغ لايستلزم نفي مادونه وما حقيقة اخراج ذواتهم من جنس المؤمنين لم يرجع في البيان إلا على عي أو ترويج ولكن ذم الله تعالى طائفة تقول آمنا وهي حالة القول ليست بمؤمنة بيانا لان هذا القول انما صدر عنها ادعاء بحضور الايمان حالة القول والانتظام بذلك في سلك المتصفين بهذه الصفة وهم ليسوا كذلك فاذا ذمهم الله شمل الذم إن يكونو آمنوا يوما ثم تخلوا وأن يكونوا ما أمنوا قط من طريق الأولى والتعميم فقط وأعلم به إن ذلك حكم من ادعى هذا الدعوى على هذه الحال وبين إن هذا القول انما قصدوا به التمويه بقوله يخادعون الله والذين آمنوا 3 ولو قال وما آمنوا لم يفد إلا نفيه عنهم في الماضي ولم يفد ذمهم إن كانو آمنوا ثم ارتدوا وهذا افاد نفيه في الحال وذمهم بكل حال ولان ما فيه مؤمنين احسن من آمنوا لوجود التمكين بالمد والوقف عقبه على حرف له موقف
وأما قوله تعالى وما هم منها بمخرجين 04 ) دون يخرجون فقيل ما سبق وقيل استوى هنا يخرجون وخارجين في إفادة المعنى واختير الاسم لخفته واصالته
وكذلك قوله تعالى وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم 1 يخبرون عن انفسهم بالثبات على الايمان بهم
ومنه قوله تعالى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي 2 قال الامام فخر الدين الرازي لان الاعتناء بشأن اخراج الحي من الميت لما كان اشد اتى بالمضارع ليدل على التجدد كما في قوله تعالى الله يستهزئ بهم 3
تنبيه
مضمر الفعل كمظهره في افادة الحدوث ومن هذه القاعدة قالوا إن سلام الخليل عليه السلام ابلغ من سلام الملائكة حيث قال قالوا سلاما قال سلام 4 فان نصب سلاما إنما يكون على إرادة الفعل أي سلمنا سلاما وهذه العبارة مؤذنة بحدوث التسليم منهم إذ الفعل تاخر عن وجود الفاعل بخلاف سلام إبراهيم فانه مرتفع بالابتداء فاقتضى الثبوت على الإطلاق وهو اولى بما يعرض له الثبوت فكانه قصد إن يحييهم باحسن مما حيوه به اقتداء بقوله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها 5
وذكروا فيه اوجها اخرى تليق بقاعدة الفلاسفة في تفضيل الملائكة على البشر وهو إن السلام دعاء بالسلامة من كل نقص وكمال البشر تدريجي فناسب الفعل وكمال الملائكة مقارن لوجودها على الدوام فكان احق بالاسم الدال على الثبوت
قيل وهو غلط لان الفعل المنشأ هو تسليمهم اما السلام المدعو به فليس في موضوعه تعرض لتدرج وسلامة أيضا منشا فعل ولا يتعرض للتدريج غير إن سلامة لم يدل بوضعه
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر