علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٥٥ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٥٢–٦١

1 كانه قيل فما قال لهم قال ألا تأكلون 2 ولذلك قالوا لا تخف

وعلى هذه السياقة تخرج قصة موسى عليه السلام في قوله قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض 3 إلى قوله إن كنت من الصادقين 3

وعلى هذا كل كلام جاء فيه لفظه قال هذا المجئ غير انه يكون في بعض المواضع اوضح كقوله تعالى إنا أرسلنا إلى قوم 4 فانه لايخفى انه جواب لقوله فما خطبكم أيها المرسلون 5 ومثله واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون 6 إلى قوله اتبعوا من لا يسألكم أجرا 6

فائدة [ في إن اقل الامم سؤالا امة محمد عليه السلام ]

نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ما كان قوم اقل سؤالا من امة محمد صلى الله عليه وسلم سالوه عن اربعة عشر حرفا فاجيبوا

قال الامام ثمانية منها في البقرة وإذا سألك عبادي عني 7 يسألونك عن الأهلة

1 والباقي ستة ( 2 ) فيهاوالتاسعة يسألونك ماذا أحل لهم 3 في المائدة

والعاشرة يسألونك عن الأنفال 4

الحادي عشر في بني اسرائيل ويسألونك عن الروح 5

الثاني عشر في الكهف ويسألونك عن ذي القرنين 6

الثالث عشر في طه ويسألونك عن الجبال 7

الرابع عشر في النازعات يسألونك عن الساعة 8

ولهذه المسالة ترتيب اثنان منها في شرح المبدأ كقوله تعالى وإذا سألك عبادي عني 9 فانه سؤال عن الذات وقوله عن الأهلة 1 سؤال عن الصفة واثنان في الآخر في شرح المعاد وقوله ويسألونك عن الجبال ( 7 ) وقوله يسألونك عن الساعة أيان مرساها 10

ونظير هذا انه ورد في القران سورتان اولهما يا أيها الناس 11 في النصف

الاول وهو السورة الرابعة وهي سورة النساء والثانية في النصف الثاني وهي سورة الحج ثم يا أيها الناس الذي في الاول يشتمل على شرح المبدأ والذي في الثاني يشتمل على شرح حال

فان قيل كيف جاء يسألونك ثلاث مرات بغير واو يسألونك عن الأهلة 1 يسألونك عن الشهر الحرام 2 يسألونك عن الخمر والميسر 3 ثم جاء ثلاث مرات بالواو يسألونك ماذا ينفقون 3 ويسألونك عن اليتامى 4 ويسألونك عن المحيض 5

قلنا لان سؤالهم عن الحوادث الاول وقع متفرقا عن الحوادث والاخر وقع في وقت واحد فجيء بحرف الجمع دلالة على ذلك

فإن قيل كيف جاء وإذ سألك عبادي عني فإني قريب وعادة السؤال يجىء جوابه في القران بقل نحو يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج 7 ونظائره

قيل حذفت للاشارة إلى إن العبد في حالة الدعاء مستغن عن الواسطة وهو دليل على انه اشرف المقامات فان الله سبحانه لم يجعل بينه وبين الداعي واسطة وفي غير حالة الدعاء تجيء الواسطة

& الخطاب بالشئ عن اعتقاد المخاطب دون مافي نفس الامر

كقوله سبحانه وتعالى أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون 1 وقعت اضافة الشريك إلى الله سبحانه على ما كانوا يقولون لان القديم سبحانه اثبته

وقوله ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا 2

وقوله ذق إنك أنت العزيز الكريم 3

وقوله لأنت الحليم الرشيد 4 أي بزعمك واعتقادي

وقوله يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون 5

وقوله وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون 6

وقوله فهي كالحجارة أو أشد قسوة ( 7 )

وقوله وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب 8 أي انكم لو علمتم قساوة قلوبكم لقلتم انها كالحجارة أو انها فوقها في القسوة ولو علمتم سرعة الساعة لعلمتم انه في سرعة الوقوع كلمح البصر أو هو اقرب عندكم

وارسلناه إلى قوم هم من الكثرة بحيث لو رايتموهم لشككتم وقلتم مائة الف أو يزيدون عليها

وجعل منه بعضهم قوله تعالى قال رب إن قومي كذبون 1 ونحوه مما كان عند المتكلم لانه لايكون خلافة فانه كان على طمع إلا يكون منهم تكذيب

وقوله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه 2 أي بالنسبة إلى ما يعتاده المخلوقون في إن الاعادة عندهم اهون من البداءة لانه أهون بالنسبة إليه سبحانة فيكون البعث اهون عليه عندكم من الإنشاء

وحكى الإمام الرازي في مناقب الشافعي ( 3 ) قال معنى الآية في العبرة عندكم لأنه لما قال للعدم كن فخرج تاما كاملا بعينيه واذنيه وسمعه وبصره ومفاصله فهذا في العبرة اشد من إن يقول لشئ قد كان عد إلى ما كنت عليه فالمراد من الآية وهو اهون عليه بحسب عبرتكم لا إن شيئا يكون على الله اهون من شئ أخر

وقيل الضمير في عليه يعود للخلق لأنه يصاح بهم صيحة فيقومون وهو أهون من إن يكونوا نطفا ثم علقا ثم مضغا إلى إن يصيروا رجالا ونساء

وقوله يا أيها الساحر 4 أي يأيها العالم الكامل وإنما قالوا هذه تعظيما وتوقيرا منهم له لأن السحر عندهم كان عظيما وصنعة ممدوحة

وقيل معناه يأيها الذي غلبنا بسحره كقول العرب خاصمته فخصمته أي غلبته بالخصومة ويحتمل أنهم ارادوا تعييب موسى عليه السلام بالسحر ولم ينافسهم في مخاطبتهم به رجاء إن يؤمنوا

وقوله تعالى فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا 5 جيئ ب إن التي للشك وهو واجب دون اذ التي للوجوب سوقا للكلام على حسب حسبانهم إن

معارضته فيها للتهكم كما يقوله الواثق بغلبته على من يعاديه إن غلبتك وهو يعلم أنه غالبه تهكما به

وقوله تعالى أفمن يخلق كمن لا يخلق 1 والمراد ب من لايخلق الأصنام وكان أصله كما لايخلق لأن ما لمن لايعقل بخلاف من لكن خاطبهم على معتقدهم لأنهم سموها آلهة وعبدوها فأجروها مجرى اولى العلم كقوله للأصنام ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد الآية ( 2 ) أجرى عليهم ضمير أولى العقل كذا قيل

ويرد عليه أنه اذا كان معتقدهم خطأ وضلالة فالحكم يقتضي إلا ينزعوا عنه ويقلعوا لا إن يبقوا عليه إلا إن يقال الغرض من الخطاب الإيهام ولو خاطبهم على خلاف معتقدهم فقال كما لايخلق لاعتقدوا إن المراد به غير الأصنام من الجماد

وكذا ما ورد من الخطاب بعسى ولعل فإنها على بابها في الترجي والتوقع ولكنه راجع إلى المخاطبين قال الخليل وسيبويه في قوله تعالى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى 3 اذهبا إلى رجائكما وطمعكما لعله يتذكر عندكما فأما الله تعالى فهو عالم بعاقبة أمره وما يؤول إليه لأنه يعلم الشئ قبل إن يكون وهذا أحسن من قول الفراء إنها تعليلة أي يتذكر لما فيه من إخراج اللفظ عن موضعه

ومنه التعجب الواقع في كلام الله نحو فما أصبرهم على النار 4 أي هم أهل أن يتعجب منهم ومن طول تمكنهم في النار

ونحوه قتل الإنسان ما أكفره 1 و أبصر به وأسمع 2

ومنه قوله تعالى في نعيم أهل الجنة وشقاء أهل النار خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض 3 مع أنهما لايزولان لكن التقييد بالسماء والأرض جرت عادة العرب اذا قصدوا الدوام إن يعلقوا بهما فجاء الخطاب على ذلك

تنبيه

في التهكم

يقرب من هذا التهكم وهو إخراج الكلام على ضد مقتضى الحال كقوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم 4

وجعل بعضهم منه قوله تعالى له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله 5 مع العلم بأنه لايحفظ من أمره الله ( 6 ) شئ

& التأدب في الخطاب بإضافة الخير إلى الله

وأن الكل بيده كقوله تعالى أنعمت عليهم 1 ) ثم قال غير المغضوب عليهم 1 ولم يقل غير الذين غضبت عليهم

وقوله بيدك الخير 2 ولم يقل والشر وأن كانا جميعا بيده لكن الخير يضاف إلى الله تعالى إرادة محبة ورضا والشر يضاف إليه ولاته لأنه لايضاف إلى صفاته ولاافعاله بل كلها كما لانقص فيه وهذا معنى قوله والشر ليس اليك وهو أولى من تفسير من فسره لايتقرب به إليك

وتأمل قوله فصرف عنه كيدهن 3 فاضافه إلى نفسه حيث صرفه ولما ذكر السجن اضافه اليهم فقال ليسجننه حتى حين 3 3 وإن كان سبحانه هو الذي سبب السجن له وأضاف ما منه الرحمة إليه وما منه الشدة اليهم

ومنه قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام وإذا مرضت فهو يشفين 4 ولم يقل امرضني

وتأمل جواب الخضر عليه السلام عما فعله حيث قال في إعابة السفينة فأردت 5 وقال في الغلام فأردنا 6 وفي إقامة الجدار فأراد ربك 7

قال الشيخ صفي الدين بن أبي المنصور في كتاب فك الازرار عن عنق الاسرار لما اراد ذكر العيب للسفينة نسبه لنفسه ادبا مع الربوبية فقال فاردت ولما كان قتل الغلام مشترك الحكم بين المحمود والمذموم استتبع نفسه مع الحق فقال في الإخبار بنون الاستتباع ليكون المحمود من الفعل وهو راحة ابويه المؤمنين من كفره عائدا على الحق سبحانه والمذموم ظاهرا وهو قتل الغلام بغير حق عائدا عليه وفي أقامة الجدار كان خيرا محضا فنسبه للحق فقال فأراد ربك ثم بين إن الجميع من حيث العلم التوحيدي من الحق بقوله وما فعلته عن أمري 1

وقال ابن عطية إنما افرد أولا في الإرادة لأنها لفظ غيب وتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه كما تأدب إبراهيم عليه السلام في قوله وإذا مرضت فهو يشفين 3 فاسند الفعل قبل وبعد إلى الله واسند المرض إلى نفسه إذ هو معنى نقص ومعابة وليس من جنس النعم المتقدمة

وهذا النوع مطرد في فصاحة القرآن كثيرا إلا ترى إلى تقديم فعل البشر في قوله تعالى فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم 3 وتقديم فعل الله في قوله تعالى ثم تاب عليهم ليتوبوا 4 وإنما قال الخضر في الثانية فأردنا لأنه قد أراده الله وأصحابه الصالحون وتكلم فيه في معنى الخشية على الوالدين وتمنى التبديل لهما وإنما أسند الإرادة في الثالثة إلى الله تعالى لأنها أمر مستأنف في الزمن الطويل غيب من الغيوب فحسن إفراد هذا الموضع بذكر الله تعالى

ومثله قول مؤمني الجن وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا

1 فحذف الفاعل في إرادة الشر تأدبا مع الله وأضافوا إرادة الرشد إليه

وقريب من هذا قوله تعالى حاكيا عن يوسف عليه السلام في خطابه لما اجتمع أبوه وإخوته إذ أخرجني من السجن 2 ولم يقل من الجب مع إن الخروج منه اعظم من الخروج من السجن

وإنما آثر ذكر السجن لوجهين ذكرهما ابن عطيه احدهما إن في ذكر الجب تجديد فعل إخوته وتقريعهم بذلك وتجديد تلك الغوائل والثاني أنه خرج من الجب إلى الرق ومن السجن إلى الملك والنعمة هنا أوضح انتهى

وايضا ولأن بين الحالين بونا من ثلاثة اوجه قصر المدة في الجب وطولها في السجن وان الجب كان في حال صغره ولا يعقل فيها المصيبة ولا تؤثر في النفس كتأثيرها في حال الكبر والثالث إن امر الجب كان بغيا وظلما لأجل الحسد وأمر السجن كان لعقوبة امر ديني هو منزه عنه وكان أمكن في نفسه والله اعلم بمراده

ومثله قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم 3 وقال وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم 4 فحذف الفاعل عند ذكر الرفث وهو الجماع وصرح به عند إحلال العقد وقال تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به 5 فحذف الفاعل عند ذكر هذه الأمور

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر