علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٥٤ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٤٢–٥١

الثاني والأول يطلب عمدة فمذهب سيبويه أنك تضمر في الأول فتقول ضربوني وضربت الزيدين & فائدة

الضمير لا يعود إلا على مشاهد محسوس فأما قوله تعالى إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون 1 فضمير له عائد على الأمر وهو إذ ذاك غير موجود فتأويله أنه لما كان سابقا في علم الله كونه كان بمنزلة المشاهد الموجود فصح عود الضمير إليه

وقيل بل يرجع للقضاء لدلالة قضى عليه واللام للتعليل بمعنى من أجل كقوله تعالى وإنه لحب الخير لشديد 2 أي من أجل حبه & قاعدة

فيما يتعلق بالسؤال والجواب

الأصل في الجواب إن يكون مطابقاإذاكان السؤال متوجها وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيها على أنه كان من حق السؤال إن يكون كذلك ويسميه السكاكى الأسلوب الحكيم

وقد يجىء الجواب أعم من السؤال للحاجة إليه في السؤال وأغفله المتكلم

وقد يجىء أنقص لضرورة الحال

مثال ما عدل عنه قوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ( 1 ) فعدل عن الجواب لما قالوا ما بال الهلال يبدو رقيقا مثل الخيط ثم يتزايد قليلا قليلا حتى يمتلىء ويستوى ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ فأجيبوا بما أجيبوا به لينتهوا على إن الأهم ما تركوا السؤال عنه

وكقوله تعالى يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل 2 سألوا عما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف تنزيلا لسؤالهم منزلة سؤال غيره لينبه على ما ذكرنا ولأنه قد تضمن قوله قل ما أنفقتم من خير 2 بيان ما ينفقونه وهو خير ثم زيدوا على الجواب بيان المصرف

ونظيره وما تلك بيمينك يا موسى 3 فيكون طابق وزاد نعم روى عن ابن عباس أنه قال جاء عمرو بن الجموح وهو شيخ كبير له مال عظيم فقال ماذا أنفق من أموالنا واين نضعها فنزلت فعلى هذا ليست الاية مما نحن فيه لأن السائل لم يتعلق بغير ما يطلب بل أجيب ببعض ما سأل عنه

وقال ابن القشيري السؤال الأول كان سؤالا عن النفقة إلى من تصرف ودل عليه الجواب والجواب يخرج على وفق السؤال وأما هذا السؤال الثاني فعن قدر الإنفاق ودل عليه الجواب أيضا

ومن ذلك أجوبة موسى عليه السلام لفرعون حيث قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما 4 لأن ما سؤال عن الماهية أو عن الجنس ولما كان هذا السؤال خطأ لأن المسئول عنه ليس ترى ماهيته فتبين ولا جنس له

فيذكر عدل الكليم عن مقصود السائل إلى الجواب بما يعرف الصواب عند كيفية الخطاب ولا يستحق الجريان معه فأجابه بالوصف المنبه عن الظن المؤدي لمعرفته لكنه لما لم يطابق السؤال عنه فرعون لجهله واعتقد الجواب خطأ قال لمن حوله ألا تستمعون 1 فأجابه الكليم بجواب يعم الجميع ويتضمن الإبطال لعين ما يعتقدونه من ربوبية فرعون لهم بقوله ربكم ورب آبائكم الأولين 1 فأجاب بالأغلظ وهو ذكر الربوبية لكل ما هو من عالمهم نصا ولما لم يرهم موسى عليه السلام تفطنوا غلظ عليهم في الثالثة بقوله إن كنتم تعقلون 1 فكأنه شك في حصول عقلهم

فإن قيل قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام 2 ولم يقل عن قتال في الشهر الحرام لأنهم لم يسالوا إلا من أجل القتال فيه فكان ذكره أولى

وقيل لم يقع السؤال إلا بعد القتال فكان الاهتمام بالسؤال عن هذا الشهر هل ابيح فيه القتال واعاده بلفظ الظاهر ولم يقل هو كبير ليعلم حكم قتال وقع في الشهر الحرام

وقد يعدل عن الجواب إذا كان السائل قصده التعنت كقوله تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي 3 فذكر صاحب الإيضاح ( 4 ) في خلق الإنسان إن اليهود إنما سألوا تعجيزا وتغليظا إذا كان الروح يقال بالاشتراك على روح الإنسان وجبريل وملك آخر يقال له الروح وصنف من الملائكة والقرآن وعيسى فقصد اليهود إن يسألوه فبأى يسمى اجابهم قالوا ليس هو فجاءهم الجواب مجملا فكان هذا الإجمال كيدا يرسل به كيدهم

وقيل إنما سألوا عن الروح هل هي محدثة مخلوقة أم ليست كذلك فأجابهم بأنها من أمر الله وهو جواب صحيح لأنه لا فرق بين إن يقول في الجواب ذلك أو يقول من أمر ربي لأنه أنما أراد أنها من فعله وخلقه

وقيل أنهم سالوه عن الروح الذي هو في القرآن فقد سمى الله القرآن روحا في مواضع من الكتاب وحينئذ فوقع الجواب موقعه لأنه قال لهم الروح الذي هو القرآن من أمر ربي ومما أنزله الله على نبيه يجعله دلالة وعلما على صدقه وليس من ( 1 ) فعل المخلوقين ولا مما يدخل في إمكانهم

وحكاه الشريف المرتضى في الغرر ( 2 ) عن الحسن البصري قال ويقويه قوله بعد هذه الآية ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا 3 فكانه قال تعالى إن القرآن من أمر ربي ( 4 ) ولو شاء لرفعه

ومثال الزيادة في الجواب قوله تعالى وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى 5 فإنه عليه السلام فهم إن السؤال يعقبه أمر عظيم يحدثه الله في العصا فينبغى إن ينبه لصفاتها حتى يظهر له التفاوت بين الحالين

وكذا قوله ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين 6 وحسنه إظهار الابتهاج بعبادتها والاستمرار على مواظبتها ليزداد غيظ السائل

وقوله تعالى الله ينجيكم منها ومن كل كرب 7 بعد قوله قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا 8 الآية ولولا قصد بسط الكلام ليشاكل ما تقدم لقال ينجيكم الله

ومثال النقصان منه قوله تعالى ذاكرا عن مشركي مكة وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي 1 أي أئت بقرآن ليس فيه سب آلهتنا أو بدله بأن تجعل مكان آية العذاب آية الرحمة وليس فيه ذكر آلهتنا فأمره الله إن يجيبهم على التبديل وطوى الجواب عن الاختراع قال الزمخشري لأن التبديل في إمكان البشر بخلاف الاختراع فإنه ليس في المقدور فطوى ذكره للتنبيه على انه سؤال محال

وذكر غيره إن التبديل قريب من الاختراع فلهذا اقتصر على جواب واحد لهما

وخطر لي انه لما كان التبديل أسهل من الاختراع وقد نفى إمكان التبديل كان الاختراع غير مقدور عليه من طريق أولى & فائدة

قيل اصل الجواب إن يعاد في نفس سؤال السائل ليكون وفق السائل قال الله تعالى أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف 2 وأنا في جوابه عليه السلام هو أنت في سؤالهم

قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا 3 فهذا اصله ثم إنهم أتوا عوض ذلك محذوف الجواب اختصارا وتركا للتكرار

وقد يحذف السؤال ثقة بفهم السامع بتقديره كقوله تعالى قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده

1 فإنه لا يستقيم إن يكون السؤال والجواب من واحد فتعين إن يكون قل الله 1 جواب سؤال كأنهم سألوا لما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من يبدأ الخلق ثم يعيده 1 فأجابهم الله عز وجل قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده 1 فترك ذكر السؤال

ونظيره قوله تعالى قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق 1 & قاعدة

الأصل في الجواب إن يكون مشاكلا للسؤال فإن كان جملة اسمية فينبغي إن يكون الجواب كذلك ويجىء ذلك في الجواب المقدر أيضا غلا إن ابن مالك قال في قولك من قرا فتقول زيد فإنه من باب حذف الفعل على جعل الجواب جملة فعلية

قال وإنما قدرته كذلك لا مبتدأ مع احتماله جريا على عادتهم في الأجوبة إذا قصدوا تمامها قال تعالى من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها 3 ومثله ليقولن خلقهن العزيز العليم 4 قل أحل لكم الطيبات 5 فلما أتى بالجملة الفعلية مع فوات مشاكلة السؤال علم إن تقدير الفعل أولا أولى انتهى

ومما رجح به أيضا تقدير الفعل أنه حيث صرح بالجزء الأخير صرح بالفعل

والتشاكل ليس واجبا بل اللائق كون زيد فاعلا اي قرأ زيد أو خبرا اي القاريء زيد لا مبتدأ لأنه مجهول

بقي إن يقال في الأولى التصريح بالفعل أو حذفه وهل يختلف المعنى في ذلك

والجواب قال ابن يعيش التصريح بالفعل أجود

وليس كما زعم بل الأكثر الحذف وأما قوله تعالى أحل لكم الطيبات 1 ليقولن خلقهن العزيز العليم قل يحييها الذي أنشأها فكان الشيخ شهاب الدين بن المرحل رحمه الله يجعله من باب يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج 2 من انهم أجيبوا بغير ما سألوا لنكتة

وفيه نظر وأما المعنى فلا شك أنه يختلف فإنه إذا قيل من جاء فقلت جاء زيد احتمل إن يكون جوابا وأن يكون كلاما مبتدا ولو قلت زيد كان نصا في أنه جواب وفي العموم الذي دلت عليه من وكأنك قلت الذي جاء زيد فيفيد الحصر وهاتان الفائدتان إنما حصلتا من الحذف

ومنه قوله تعالى لمن الملك اليوم لله الواحد القهار 3 إذ التقدير الملك لله الواحد فحذف المبتدأ من الجواب إذ المعنى لا ملك إلا لله

ومن الحذف قوله تعالى لمن الأرض ومن فيها 4 لمن ما في السماوات والأرض 5 قل من يرزقكم من السماوات والأرض 6

ومن الإثبات قوله تعالى قل يحييها الذي أنشأها أول مرة 7

ولعله للتنصيص على الإحياء الذي انكروه قل من رب السماوات السبع 1 وقوله خلقهن العزيز العليم 3 لأن ظاهر أمرهم انهم كانوا معطلة ودهرية فأريد التنصيص على اعترافهم بأنها مخلوقة

و قوله نبأني العليم الخبير 3 لأنها استغربت حصول النبأ الذي أسرته

وقال ابن الزملكاني في البرهان أطلق النحويون القول بان زيدا فاعل إذا قلت زيد في جواب من قام على تقدير قام زيد والذي يوجبه جماعة علم البيان أنه مبتدأ لوجهين

أولهما أنه مطابق للجملة التى هي جواب الجملة المسئول بها في الاسمية كما وقع التطابق في قوله تعالى وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا 4 في الجملة الفعلية وإنما لم يقطع التطابق في قوله تعالى ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين 5 لأنهم لو طبقوا لكانوا مقرين بالإنزال وهم من الإذعان به على تفاوت

الثاني إن اللبس لم يقع عند السائل إلا فيمن فعل الفعل فوجب إن يقدم الفاعل في المعنى لأنه متعلق بغرض السائل وأما الفعل فمعلوم عنده ولا حاجة إلى السؤال عنه فحرى إن يقع في الأخرى التى هي محل التكملات والفضلات

وكذلك أزيد قام أم عمرو فالوجه في جوابه إن تقول زيد قام أو عمرو قام وقد أشكل على هذه القاعدة قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام في جواب

قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا 1 فان السؤال وقع عن الفاعل لا عن الفعل ومع ذلك صدر الجواب بالفعل مع انهم لم يستفهموا عن كسر الاصنام بل كان عن الشخص الكاسر لها

والجواب إن ما بعد بل ليس بجواب للهمزة فان بل لايصلح إن يصدر بها الكلام ولان جواب الهمزة بنعم أو بلى فالوجه إن يجعل اخبارا مستانفا والجواب المحقق مقدر دل عليه سياق الكلام ولو صرح به لقال ما فعلته بل فعله كبيرهم وانما اخترنا تقدير الجملة الفعلية على الجملة المعطوفة عليها في ذلك

فان قلت يلزم على ما ذكرت إن يكون الخلف واقعا في الجملتين المعطوف عليها المقدرة والمعطوفه الملفوظ بها بعد بل

قلت وانه لازم على إن يكون التقدير ما انا فعلته بل فعله كبيرهم هذا مع زيادته بالخلف عما افادته الجملة الاولى من التعريض اذا منطوقها نفي الفعل عن إبراهيم عليه السلام ومفهومها اثبات حصول التكسير من غيره

فان قلت ولابد من ذكر ما يكون مخلصا عن الخلف على كل حال

فالجواب من وجوه احدها إن في التعريض مخلصا عن الكذب ولم يكن قصده عليه السلام إن ينسب الفعل الصادر منه إلى الصنم حقيقة بل قصده اثبات الفعل لنفسه على طريق التعريض ليحصل غرضه من التبكيت وهو في ذلك مثبت معترف لنفسه بالفعل وليس هذا من الكذب في شيء

والثاني انه غضب من تلك الاصنام غيرة لله تعالى ولما كانوا لاكبرها اشد تعظيما كان منه اشد غضبا فحمله ذلك على تكسيرها وذلك كله حامل للقوم على الأنفة

إن يعبدوه فضلا عن إن يخصوه بزيادة التعظيم ومنبه لهم على إن المتكسرة متمكن فيها الضعف والعجز منادى عليها بالفناء منسلخة عن ربقة الدفع فضلا عن ايصال الضرر والنفع وما هذا سبيله حقيق إن ينظر إليه بعين التحقير لا التوقير والفعل ينسب إلى الحامل عليه كما ينسب إلى الفاعل والمفعول والمصدر والزمان والمكان والسبب إذ للفعل بهذه الامور تعلقات وملابسات يصح الاسناد اليها على وجه الاستعارة

الثالث انه لما راى عليه السلام منهم بادرة تعظيم الاكبر لكونه اكمل من باقي الاصنام وعلم إن ما هذا شانه يصان إن يشترك معه من دونه في التبجيل والتكبير حمله ذلك على تكسيرها منبها لهم على إن الله اغير وعلى تمحيق الاكبر اقدر

وحرى إن يخص بالعبادة فلما كان الكبير هو الحامل على تكسير الصغير صحت النسبة إليه على ما سلف ولما تبين لهم الحق رجعوا إلى انفسهم فقالوا انكم أنتم الظالمون اذ وضعتم العبادة بغير موضعها

وذكر الشيخ عبد القاهر إن السؤال اذا كان ملفوظا به فالاكثر ترك الفعل في الجواب والاقتصار على الاسم وحده وان كان مضمرا فوجب التصريح بالفعل لضعف الدلالة عليه فتعين إن يلفظ به

وهو مشكل بقوله تعالى يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال 1 فيمن قراها بفتح الباء كانه قيل من يسبحه فقيل يسبحه رجال ونظيره ضرب زيد وعمرو على بناء ضرب للمفعول نعم الاولى ذكر الفعل لما ذكر وعليه يخرج كل ما ورد في القران من لفظ قال مفصولا غير منطوق به نحو هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر