الجزء ٤ — ص ٣٢–٤١
قلت ليس من هذا قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها 1
وقوله ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا 2 لأن الإخبار عن أحدهما لوجود لفظه أو هي لإثبات أحد المذكورين فمن جعله نظير هذا فلم يصب إلا إن يدعى إن أو بمعنى الواو
وفي هاتين الآيتين لطيفة وهي إن الكلام لما اقتضى إعادة الضمير على أحدهما أعاده في الآية الأولى على التجارة وإن كانت أبعد ومؤنثة لأنها أجذب لقلوب العباد عن طاعة الله من اللهو بدليل إن المشتفلين بها أكثر من اللهو ولأنها اكثر نفعا من اللهو أو لأنها كانت أصلا واللهو تبعا لأنه ضرب بالطبل لقدومها على ما عرف من تفسير ( 3 ) الآية واعاده في الآية الثانية على الإثم رعاية لمرتبة القرب والتذكر
الخامس قد يذكر شيئان ويعود الضمير جمعا لأن الاثنين جمع في المعنى كقوله تعالى وكنا لحكمهم شاهدين 4 يعني حكم سليمان وداود
وقوله أولئك مبرؤون مما يقولون 5 فأوقع أولئك وهو جمع على عائشة وصفوان بن المعطل
البحث السادس قد يثني الضمير ويعود على أحد المذكورين كقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان 6 قالوا وإنما يخرج من أحدهما
وقوله نسيا حوتهما 7 وإنما نسيه الفتى
السابع قد يجىء الضمير متصلا بشىء وهو لغيره كقوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين 1 يعنى آدم ثم قال ثم جعلناه نطفة 1 فهذا لولده لأن آدم لم يخلق من نطفة
ومنه قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم 2 قيل نزلت في ابن حذافة حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم من أبي قال حذافة فكان نسبه فساءه ذلك فنزلت لا تسألوا عن أشياء 2 وقيل نزلت في الحج حين قالوا افي كل مرة ثم قال وإن تسألوا عنها يريد إن تسألوا عن اشياء أخر من دينكم بكم إلى علمها حاجة تبد لكم ثم قال قد سألها قوم من قبلكم أي طلبها والسؤال عنها طلب فليست الهاء راجعة لأشياء متقدمة بل لأشياء أخر مفهومة من قوله لا تسألوا عن أشياء 2 ويدل على ما ذكرنا أنه لو كان الضمير عائدا على أشياء مذكورة لتعدى إليها ب عن لا بنفسه ولكنه مفعول مطلق لا مفعول به
وقوله تعالى هو سماكم المسلمين من قبل 3 يتبادر إلى الذهن إن الضمير في قوله هو عائد لابراهيم لأنه اقرب المذكورين وهو مشكل لا يستقيم لأن الضمير في قوله وفي هذا راجع للقرآن وهو لم يكن في زمن إبراهيم ولا هو قاله
والصواب إن الضمير راجع إلى الله سبحانه يعني سماكم المسلمين من قبل 4 يعني في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلكم وفي هذا الكتاب الذي أنزل عليكم وهو القرآن
والمعنى جاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وهو سماكم المسلمين من قبل
وفي هذا الكتاب لتكونوا أي سماكم وجعلكم مسلمين لتشهدوا على الناس يوم القيامة
وقوله ملة أبيكم إبراهيم 4 منصوب بتقدير اتبعوا لأن هذا
الناصب نصبه قوله وجاهدوا في الله حق جهاده لأن الجهاد من ملة إبراهيم
وفي سورة يس موضعان توهم فيهما كثير من الناس
أحدهما قوله وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون 6 فقد يتوهم إن الضمير في هم راجع إلى الليل والنهار بناء على إن أقل الجمع اثنان وهو فاسد لوجهين أحدهما إن النهار ليس مظلما والثاني إن كون أقل الجمع اثنان مذهب مرجوح إنما الضمير راجع إلى الكفار الذين يحتج عليهم بالآيات و مظلوم دخلو الظلام كقولك مصبحون وممسون إذا دخلوا في هذه الأشياء
والثاني قوله تعالى أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم 2 يظن بعضهم إن معناه مثل السموات والأرض وهو فاسد لوجهين
أحدهما انهم أنكروا إعادة السموات والأرض حتى يدل على إنكارهم إعادتهما بابتدائهما وإنما أنكروا إعادة أنفسهم فكان الضمير راجعا إليهم ليتحقق حصول الجواب لهم والرد عليهم
الثاني لتبين المراد في قوله ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى 3
فإن قيل إنما أثبت قدرته على إعادة مثلهم لا على إعادتهم أنفسهم فلا دلالة فيه عليهم
قلنا المراد بمثلهم هم كما في قوله ليس كمثله شيء 4 وقولهم مثلى لا يفعل كذا أي أنا وبدليل الآية الأخرى
وقوله والعمل الصالح يرفعه 5 قد يتوهم عوده على الله وليس كذلك
وإلا لنصب العمل كما تقول قام زيد وعمرا يضربه وإنما الفاعل في يرفعه عائد إلى العمل والهاء للكلم
قال الفارسي في التذكرة المنصوب في يرفعه عائد للكلم ( 1 ) لأن الكلم جمع كلمة قال كلم كالشجر في أنه قد وصف بالمفرد في قوله من الشجر الأخضر 2 وكذلك وصف الكلم بالطيب ولو كان الضمير المنصوب في يرفعه عائدا إلى العمل لكان منصوبا في هذا الوجه وما جاء التنزيل عليه من نحو
والظالمين أعد لهم عذابا أليما 3
والضمير المرفوع في يرفعه عائد إلى العمل فلذلك ارتفع العمل ولم يحمل على قوله يصعد ويضمر له فعل ناصب كما أضمرت لقوله والظالمين والمعنى يرفع العمل الصالح الكلم الطيب ومعنى يرفع العمل أنه لا يحبط ثوابه فيرفع لصاحبه ويثاب عليه وليس كالعمل السىء الذي يقع معه الإحباط فلا يرفع إلى الله سبحانه
الثامن إذا اجتمع ضمائر فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف ولهذا لما جوز بعضهم في قوله تعالى أن اقذفيه في التابوت الخ إن الضمير في فاقذفيه في اليم 4 للتابوت وما بعده وما قبله لموسى عابه الزمخشري وجعله تنافرا ومخرجا للقرآن عن إعجازه فقال ( 5 ) والضمائر كلها راجعة إلى موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة لما يؤدي إليه من تنافر النظر
فإن قلت المقذوف في البحر هو التابوت وكذلك الملقى إلى الساحل
قلت ما ضرك لو جعلت ( 1 ) المقذوف والملقى إلى الساحل هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو قوام ( 2 ) إعجاز القرآن والقانون الذي وقع عليه التحدي ( 3 ) و مراعاته أهم ما يجب على المفسر انتهى ولا مزيد على حسنه
وقال في قوله لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه 4 الضمائر لله عز وجل والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ( 5 ) ورسوله ومن فرق الضمائر فقد أبعد
أي فقد قيل إنها للرسول إلا الأخير لكن قد يقتضي المعنى التخالف كما في قوله تعالى ولا تستفت فيهم منهم أحدا 6 الهاء والميم في فيهم لأصحاب الكهف والهاء والميم في منهم لليهود قاله ثعلب والمبرد
وقوله تعالى والذين هم بربهم لا يشركون 7 بعد قوله إنما سلطانه 8
وقوله وما بلغوا معشار ما آتيناهم 9
وقوله وعمروها أكثر مما عمروها 10 أي عمروا الأرض الذين كانوا قبل قريش أكثر مما عمرتها قريش
وقوله إلا تنصروه فقد نصره الله ( 11 ) الآية فيها اثنا عشر ضميرا خمسة للنبي صلى الله عليه وسلم وله ( 12 ) والثالث ضمير في الغار لأنه يتعلق باستقرار محذوف
فيحتمل ضميرا والرابع صاحبة والخامس لا تحزن والسادس معنا والسابع في عليه على قول الأكثر فيما نقله السهيلي لأن السكينة على النبي صلى الله عليه وسلم دائما لأنه كان قد علم أنه لا يضره شىء إذا كان خروجه بأمر الله
وأما قوله ثم أنزل الله سكينته على رسوله 1 فالسكينة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين لأنه خاف على المسلمين ولم يخف على نفسه فنزلت عليه السكينة من أجلهم لا من أجله
وأما قوله تعالى فأنساه الشيطان ذكر ربه 2 قيل الضميران عائدان على يوسف قال للناجي ذكر الملك بأمري
ورجح ابن السيد هذا لقوله تعالى وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة 2 أي بعد حين
وفي قراءة ابن عامر بعد امه بالتخفيف أي نسيان وإلا لم يكن ليذكر تذكر الفتى بعد النسيان والذكر على هذا يحتمل وجهين إن يكون بمعنى التذكير ويكون مصدر ذكرته ذكرا فالتقدير فأنساه الشيطان ذكره عند ربه فاضاف الذكر إلى الرب وهو في الحقيقة مضاف إلى ضمير يوسف وجاز ذلك لملاءمته بينهما
وقد يخالف بين الضمائر حذرا من التنافر كقوله تعالى منها أربعة حرم 3 كما عاد الضمير على الاثنى عشر ثم قال فلا تظلموا فيهن أنفسكم 3 لما أعاد على اربعة وهو جمع قلة
وجوز بعضهم عوده على الاثنى عشر أيضا بل هو الصواب لأنه لا يجوز إن ينهى عن الظلم في الأربعة ويبيح الظلم في الثمانية بل ترك الظلم في الكل واجب
قلت لكن يجوز التنصيص على افضلية الحرم فإن الظلم قبيح مطلقا وفيهن اقبح فالظاهر الأول
التاسع قد يسد مسد الضمير أمور
منها الإشارة كما في قوله تعالى إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا 1
ومنها الألف واللام كقوله تعالى فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى 2
وقوله نجب دعوتك ونتبع الرسل 3 أي رسلك
وقوله إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ( 4 ) أصل الكلام أجره وصبره ولما كان المحسنون جنسا ومن يتق ويصبر واحد تحته أغنى عمومه من عود الضمير إليه
وقول الكوفيين الألف واللام عوض من الضمير
قال ابن مالك وعليه يحمل قوله جنات عدن مفتحة لهم الأبواب 5 وزعم الزمخشري ( 6 ) إن الأبواب بدل من المستكن في مفتحة
وهذا تكلف فوجب إن تكون الأبواب مرتفعة بمفتحة المذكور أو بمثله مقدرا
وقد صح إن مفتحة صالح للعمل في الأبواب فلا حاجة إلى إبدال أيضا
ومنها الاسم الظاهر بأن يكون المقام يقتضي الإضمار فيعدل عنه إلى الظاهر وقد سبق الكلام عليه في أبواب التأكيد
العاشر الأصل في الضمير عوده إلى أقرب مذكور ولنا أصل آخر وهو أنه إذا جاء مضاف ومضاف إليه وذكر بعدهما ضمير عاد إلى المضاف لأنه المحدث عنه دون المضاف إليه نحو لقيت غلام زيد فأكرمته فالضمير للغلام ومنه قوله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها 1
وعند التعارض راعى ابن حزم والماوردي الأصل الأول فقالا إن الضمير في قوله أو لحم خنزير فإنه رجس 2 يعود على الخنزير دون لحمه لقربه وقواه بعض المتأخرين لأن الضمير للمضاف دون المضاف إليه بأصل مطرد فقد يعود إلى المضاف إليه كقوله تعالى واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون 3
وكذا الصفة فإنها كما في قوله تعالى إني أرى سبع بقرات سمان 4
وللجمهور إن يقولوا وكذا عوده للأقرب ليس بمطرد فقد يخرج عن الأصل لدليل وإذا تعارض الأصلان تساقطا ونظر في الترجيح من خارج بل قد يقال عوده إلى ما فيه العمل بهما أولى كما يقوله الماوردي إن الضمير يعود إلى الخنزير لأن اللحم موجود فيه
وأما قوله تعالى فظلت أعناقهم لها خاضعين 5 فأخبر خاضعين عن المضاف إليه ولو أخبر عن المضاف لقال خاضعة
وأما قوله تعالى فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا 6 فقد عاد
الضمير في قول المحققين للمضاف غليه وهو موسى والظن بفرعون وكأنه لما رأى نفسه قد غلط في الإقرار بالإلهية من قوله إله موسى استدرك ذلك بقوله هذا
الحادي عشر إذا عطف ب أو وجب إفراد الضمير نحو إن جاء زيد أو عمرو فأكرمه لأن أو لأحد الشيئين فأما قوله تعالى إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما 1 فقيل إن أو بمعنى الواو وقيل بل المعنى إن يكن الخصمان فعاد الضمير على المعنى
وقيل للتنويع لا للعطف وعكس هذا إذا عطف بالواو وجب تثنية الضمير
فأما قوله تعالى والله ورسوله أحق أن يرضوه 2 فقد سبق الكلام عليه & فائدة
قوله إلا عشية أو ضحاها 3 أي ضحى يومها فدل بالجزء على الكل
قال الشيخ عز الدين وإنما أضاف الضحى إلى نهار العشية لأنه لو أطلقها من غير إضافة لم يحسن الترديد أو لأن عشية كل نهار من الظهر إلى الغروب وهو نصف النهار وضحاها مقدار ربعه مثلا وهو مقدار نصف العشية فلما اضافه إلى نهارها علم تقاربهما فحسن الترديد لإفادته الترديد بين اللبث الطويل والقصير ولو أطلقه لجاز إن يتوهم عشية نهار قصير وضحى يوم طويل فتساوى ذلك الضحى بالعشية فلا يحسن الترديد بينهما
فإن قيل كيف يجمع بين قوله لم يلبثوا إلا ساعة من نهار 1 وهو الجزء اليسير من الزمان وبين الضحى والعشية وكيف حسن الترديد
فالجواب إن هذا الحساب يختلف باختلاف الناس فمنهم من يعتقده طويلا ومنهم من يحسبه قصيرا قال تعالى يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا 2 ثم قال إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما 3
وقد يكون بحسب شدة الأمر وخفته ولبثتم يحتمل إن يكون في الدنيا ويحتمل إن يكون في البرزخ والأول أظهر & فائدة
وقد يتجوز بحذف الضمير للعلم به كقوله أهذا الذي بعث الله رسولا 4 أي بعثه وهو كثير
ومنه قوله والذين يتوفون منكم 5 إلى قوله يتربصن إذا جعلناه الخبر فالأصل يتربصن ازواجهن فوضع الضمير موضع الأزواج لتقدم ذكرهن فأغنى عن الضمير & فائدة
المضمر لا يكون إلا بعد الظاهر لفظا أو مرتبة أو لفظا ومرتبة ولا يكون قبل الظاهر لفظا ومرتبة إلا في أبواب ضمير الشأن والقصة كما سبق وباب نعم وبئس كقوله تعالى فنعما هي 6 و ساء مثلا 7 والضمير في ربه رجلا وباب الإعمال إذا أعملت
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر