علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٥٢ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٢٢–٣١

فخالف بين الجمعين في الابناء وفي سورة الاحزاب ولا أبناء إخوانهن 1

ومنه قوله تعالى أنبتت سبع سنابل 2 وفي موضع اخر وسبع سنبلات 3 فالمعدود واحد

وقد اختلف تفسيره فالاول جاء بصيغة جمع الكثرة والثاني بجمع القلة

وقد قيل في توجيهه إن آية البقرة سيقت في بيان المضاعفة والزيادة فناسب صيغة جمع الكثرة واية يوسف لحظ فيها ( 4 ) وهو قليل فاتى بجمع القلة ليصدق اللفظ المعنى

تنبيه

جمع التكسير يشمل اولى العلم وغيرهم وجمع السلامة يختص في اصل الوضع باولى العلم وان وجد في غيرهم فبحكم الالحاق والتشبيه كقوله إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين 5 وعلى هذا فاشرف الجمعين جمع السلامة وما يجمع جمع التكسير من مذكر غير العاقل قد يتبع بالصفة المفردة مؤنثه بالتاء كما يفعل بالخبر تقول حقوق معقودة واعمال محسوبة قال تعالى فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة 6 وقال أياما معدودة 7

وقد جمع بالالف والتاء في غير المفرد وان لم يكثر إلا انه فصيح ومنه واذكروا الله في أيام معدودات 8

قاعدة نحوية

نون ضمير الجمع في جمع العلاقات سواء القلة كالهندات أو الكثرة كالهنود فتقول الهندات يقمن والهنود يقمن قال تعالى والوالدات يرضعن 1 والمطلقات يتربصن 2 هذا هو الأكثر

وقد جاء في القران بالافراد قال تعالى وأزواج مطهرة 3 ولم يقل مطهرات

وأما غير العاقل ففيه تفصيل

إن كان للكثرة اتيت بضميره مفردا فقلت الجذوع انكسرت وان كان القلة اتيت جمعا

وقد اجتمعا في قوله إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله 4 إلى إن قال منها أربعة حرم 4 فالضمير في منها يعود إلى الاثني عشر وهو جمع كثرة ولم يقل منهن ثم قال سبحانه فلا تظلموا فيهن أنفسكم 4 فهذا عائد إلى الاربعة وهو جمع قله

فان قيل فما السر في هذا حيث كان يوتى مع الكثرة بضمير المفرد ومع القلة بضمير الجمع وهي عكس قلنا ذكر الفراء له سرا لطيفا فقال لما كان المميز مع جمع الكثرة واحدا وحد الضمير لانه من أحد عشر يصير مميزه واحد وهو اندرهم واما جمع القلة فمميزه جمع لانك تقول ثلاثة دراهم اربعة دراهم وهكذا إلى العشر تمييزه جمع فلهذا اعاد الضمير باعتبار المميز جمعا وافرادا ومن هذا قوله سبحانه سبعة أبحر 5 فاتى بجمع القلة ولم يقل بحور لتناسب نظم الكلام وهذا هو الاختيار في اضافة العدد إلى جمع القلة

واما قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء 1 فاضاف الثلاثة إلى القروء وهو جمع كثرة ولم يضفها إلى الأقراء التي هي جمع قله قال الحريري المعنى لتتربص كل واحده منهن ثلاثة اقراء فلما اسند إلى جماعتهن والواجب على كل فرد منهن ثلاثة اتى بلفظ قروء لتدل على الكثرة المرادة والمعنى الملموح

قاعدة في الضمائر

وقد صنف ابن الانباري في بيان الضمائر الواقعة في القران مجلدين وفيه مباحث

الاول للعدول إلى الضمائر اسباب منها وهو اصل وصفها للاختصار ولهذا قام قوله تعالى أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما 2 مقام خمسة وعشرين لو اتى بها مظهرة

وكذا قوله تعالى وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن 3 نقل ابن عطيه عن مكي انه ليس في كتاب آية اشتملت على ضمائر اكثر منها وهي مشتمله على خمسة وعشرين ضميرا وقد قيل في آية الكرسي أحد وعشرون اسما ما بين ضمير وظاهر

ومنها الفخامة بشان صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شئ من صفاته كقوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر 4 يعني القران وقوله فإنه نزله على قلبك 5 ومنه ضمير الشان

ومنها التحقير كقوله تعالى إنه لكم عدو مبين 1 يعني الشيطان

وقوله إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم 2

إنه ظن أن لن يحور 3

الثاني الاصل إن يقدم ما يدل عليه الضمير بدليل الاكثرية وعدم التكليف ومن ثم ورد قوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه 4 وتقدم المفعول الثاني في قوله وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم 5 فاخر المفعول الاول ليعود الضمير الاول عليه لقربه

وقد قسم النحويون ضمير الغيبة إلى اقسام أحدها وهو الاصل إن يعود إلى شيء سبق ذكره في اللفظ بالمطابقة نحو وعصى آدم ربه فغوى 6

ونادى نوح ابنه 7

إذا أخرج يده لم يكد يراها 8

وقوله يستمعون القرآن فلما حضروه 9

الثاني إن يعود على مذكور في سياق الكلام مؤخر في اللفظ مقدم في النية كقوله تعالى فأوجس في نفسه خيفة 10

وقوله ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون 1

وقوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان 2

الثالث إن يدل اللفظ على صاحب الضمير بالتضمن كقوله تعالى اعدلوا هو أقرب للتقوى 3 فانه عائد على العدل المفهوم من اعدلوا

وقوله ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق 4 فالضمير يرجع للاكل لدلالة تاكلوا

وقوله وإذا حضر القسمة 5 إلى قوله فارزقوهم منه 5 اي المقسوم لدلالة القسمة عليه ويحتمل إن يعود على ما تركه الوالدان والأقربون لانه مذكور وان كان بعيدا

الرابع إن يدل عليه بالالتزام كإضمار النفس في قوله تعالى فلولا إذا بلغت الحلقوم 6 كلا إذا بلغت التراقي 7 اضمر النفس لدلالة ذكر الحلقوم والتراقي عليها

وقوله حتى توارت بالحجاب 8 يعني الشمس

وقيل بل سبق ما يدل عليها وهو العشي لانه العشي ما بين زوال الشمس وغروبها والمعنى اذ عرض عليه بعد زوال الشمس حتى توارت الشمس بالحجاب وقيل فاعل توارت ضمير الصافنات ذكره ابن مالك وابن العربي قي المفتوحات ويرجحه إن اتفاق الضمائر اولى من تخالفها وسنذكره في الثامن

وكذا قوله فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا 1 قيل الضمير لمكان الاغارة بدلالة والعاديات عليه فهذه الافعال انما تكون لمكان

وقوله إنا أنزلناه في ليلة القدر 2 اضمر القرآن لأن الانزال يدل عليه

وقوله فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ( 3 ) ف عفى يستلزم عافيا اذ اغنى ذلك عن ذكره واعيد الهاء من إليه عليه

الخامس إن يدل عليه السياق فيضمر ثقة بفهم السامع كاضمار الأرض في قوله ما ترك على ظهرها من دابة 4 وقوله كل من عليها فان 5

وجعل ابن مالك الضمير للدنيا وقال وان لم يقدم لها ذكر لكن تقدم ذكر بعضها والبعض يدل على الكل

وقوله تعالى مستكبرين به سامرا تهجرون 6 يعني القرآن أو المسجد الحرام

وقوله قال هي راودتني عن نفسي 7

يا أبت استأجره 8

ولأبويه لكل واحد منهما السدس 9 الضمير يعود على الميت وان لم يتقدم له ذكر إلا انه لما قال يوصيكم الله في أولادكم 9 علم إن ثم ميتا يعود الضمير عليه

وقوله وإذا حضر القسمة 10 ثم قال فارزقوهم منه 10 اي من الموروث وهذا وجه آخر غير ما سبق

وقوله وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها 1 ولم يقل اتخذه ردا للضمير إلى شيئا لانه لم يقتصر على الاستهزاء بما يسمع من آيات الله بل كان اذا سمع بعض آيات الله استهزأ بجميعها

وقيل شيئا بمعنى الاية لأن بعض الايات آية

وقد يعود الضمير على الصاحب المسكوت عنه لاستحضاره بالمذكور وعدم صلاحيته له كقوله إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان 2 فاعاد الضمير للايدي لانها تصاحب الاعناق في الاغلال واغنى ذكر الاغلال عن ذكرها

ومثله قوله تعالى وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره 3 اي من عمر غير المعمر فاعيد الضمير على غير المعمر لان ذكر المعمر يدل عليه لتقابلهما فكان يصاحبه الاستحضار الذهني

وقد يعود الضمير على بعض ما تقدم له كقوله تعالى فإن كن نساء 4 بعد قوله يوصيكم الله في أولادكم 4

وقوله وبعولتهن أحق بردهن 5 فانه عائد على المطلقات مع إن هذا خاص بالرجعى وهل يقتضي ذلك تخصيص الاول فيه خلاف اصولي وقوله ولا ينفقونها في سبيل الله 6 فان الفضة بعض المذكور فأغنى ذكرها عن ذكر الجميع حتى كأنه قال والذين يكنزون 6 اصناف ما يكنز

وقد يعود على اللفظ الاول دون معناه كقوله تعالى وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره 7 وقد سبق فيه وجه اخر

وقوله ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه 1 على أحد الاقوال

ومما يتخرج عليه وبعولتهن أحق بردهن 2 ويستراح من الزام تخصيص الاول

وقد يعود على المعنى كقوله في آية الكلالة فإن كانتا اثنتين 3 ولم يتقدم لفظ مثنى يعود عليه الضمير من كانتا قال الاخفش انما يثنى لان الكلام لم يقع على الواحد والاثنين والجمع فثنى الضمير الراجع إليها حملا على المعنى كما يعود الضمير معا في من حملا على معناها

وقال الفارسي انما جازت من حيث كان يفيد العدد مجردا من الصغير والكبير

السادس إلا يعود على مذكور ولامعلوم بالسياق أو غيره وهو الضمير المجهول الذي يلزمه بالتفسير بجملة أو مفرد فالمفرد في نعم وبئس والجملة ضمير الشان والقصة نحو هو زيد منطلق وكقوله تعالى قل هو الله أحد 4 اي الشان الله أحد

وقوله لكن هو الله ربي 5

وقوله أنا الله 6

وقوله فإنها لا تعمى الأبصار 7

وقد يكون مؤنثا اذا كان عائده مؤنثا كقوله تعالى إن هي إلا حياتنا الدنيا 8 واما قوله تعالى إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم 9 فذكر

الضمير مع اشتمال الجملة على جهنم وهي مؤنثة لانها في حكم الفضلة اذا المعنى من يأت ربه مجرما يجز جهنم

( تنبيه ) والفرق بينه وبين ضمير الفصل إن الفصل يكون على لفظ الغائب والمتكلم والمخاطب قال تعالى هذا هو الحق 1 كنت أنت الرقيب 2 إن ترن أنا أقل منك مالا 3 ويكون له محل من الاعراب وضمير الشان يكون إلا غائبا ويكون مرفوع المحل ومنصوبه قال تعالى قل هو الله أحد 4 وأنه لما قام عبد الله 5

البحث الثالث قد يعود على لفظ شيء والمراد به الجنس من ذلك الشئ كقوله تعالى وأتوا به متشابها 6 فان الضمير في به يرجع إلى المرزوق في الدارين جميعا لان قوله هذا الذي رزقنا من قبل مشتمل على ذكر ما رزقوه في الدارين

قال الزمخشري ونظيره إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما 7 اي بجنس الفقير والغني لدلالة قوله غنيا أو فقيرا على الجنسين ولو رجع إلى المتكلم به لوحده

البحث الرابع قد يذكر شيئان ويعاد الضمير على احدهما ثم الغالب كونه للثاني كقوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة 8 فاعاد الضمير للصلاة لانها اقرب

وقوله هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل 1 والأصل قدرهما لكن اكتفى برجوع الضمير للقمر لوجهين قربه من الضمير وكونه هو الذي يعلم به الشهور ويكون به حسابها

وقوله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله 2 أعاد الضمير على الفضة لقربها

ويجوز إن يكون إلى الكنوز وهو يشملها

وقوله والله ورسوله أحق أن يرضوه 2 أراد يرضوهما فخص الرسول بالعائد لأنه هو داعي العباد إلى الله وحجته عليهم والمخاطب لهم شفاها بأمره ونهيه وذكر الله تعالى في الآية تعظيما والمعنى تام بذكر الرسول وحده كما قال تعالى وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم 3 فذكر الله تعظيما والمعنى تام بذكر رسوله

ومثله قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه 4

وجعل منه ابن الأنباري ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا 5 أعاد الضمير للإثم لقربه ويجوز رجوعه إلى الخطيئة والإثم على لفظها بتأويل ومن يكسب إثما ثم يرم به

وقال الأنباري ولم يؤثر الأول بالعائد في القرآن كله إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها 6 معناه إليهما فخص التجارة بالعائد لأنها كانت سبب الانفضاض عنه وهو يخطب

قال فأما كلام العرب فإنها تارة تؤثر الثاني بالعائد وتارة الأول فتقول إن عبدك وجاريتك عاقلة وإن عبدك وجاريتك عاقل

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر