علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٥١ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ١٢–٢١

ومن ذلك جمع الظلمات والنور الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات 1

ولذلك جمع سبيل الباطل وأفرد سبيل الحق كقوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله 2

والجواب في ذلك كله أن طريق الحق واحد وأما الباطل فطرقه متشعبة متعددة ولما كانت الظلم بمنزلة طريق الباطل والنور بمنزلة طريق الجنة بل هما هما أفرد النور وجمع الظلمات ولهذا وحد الولى فقال الله ولي الذين آمنوا 3 لأنه الواحد الأحد وجمع أولياء الكفار لتعددهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغى لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دين الحق

ومن ذلك افرد اليمين والشمال في قوله عن اليمين وعن الشمال عزين 4 وجمعها في قوله وعن أيمانهم وعن شمائلهم 5 ولا سؤال فيه إنما السؤال في جمع أحدهما وإفراد الآخر كقوله تعالى يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله 6 قال الفراء كأنه إذا وحد ذهب إلى واحد من ذوات الظلمة وإذا جمع ذهب إلى كلها والحكمة في تخصيص اليمين بالإفراد ما سبق فإنه لما كانت اليمين جهة الخير والصلاح وأهلها هم الناجون أفردت ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله عن اليمين والشمائل 6

وفيه وجوه أخر

أحدهما أن اليمين مقصود به الجمع أيضا فإن الألف وزاللام فيه للجنس فقام العموم مقام الجمع قاله ابن عطية

الثاني أن اليمين فعيل وهو مخصوص بالمبالغة فسدت مبالغته جمعه كما سد مسد الشبه قوله عن اليمين وعن الشمال قعيد 1 قاله ابن بابشاذ

الثالث أن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول ثم يبدو كذلك ظلا واحدا من جهة اليمين ثم يأخذ في النقصان وإذا أخذ في جهة الشمال فإنه يتزايد شيئا فشيئا والثاني فيه غير الأول فكلما زاد فيه شيئا فهو غير ما كان قبله فصار كل جزء منه ظلا فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال قاله الرماني وغيره

قال ابن بابشاذ وإنما يصح هذا إذا كانا متوجهين نحو القبلة

الرابع إن اليمين يجمع على أيمن وأيمان فهو من أبنية جمع القلة غالبا والشمال يجمع على شمائل وهو جمع كثرة والموطن موطن تكثير ومبالغة فعدل عن جمع اليمين إلى الألف واللام الدالة على قصد التكثير قاله السهيلي

وأما إفرادها في قوله وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال 2 فلأن المراد أهل هذه الجهة ومصيرهم إلى جهة واحدة هي جهة أهل الشمال مستقر أهل النار فإنها من جهة أهل الشمال فلا يحسن مجيئها مجموعة

وإما إفرادهما في قوله عن اليمين وعن الشمال قعيد 1 فإن لكل عبد قعيدا واحدا عن يمينه وآخر شماله يحصيان عليه الخير والشر فلا معنى للجمع بينهما وهذا بخلاف قوله تعالى ذاكرا عن إبليس ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم

1 فإن الجمع هناك يقابله كثير مما يريد إغوائهم فجمع لمقابلة الجملة بالجملة المقتضي لتوزيع الأفراد على الأفراد

ومنها حيث وقع في القرآن ذكر الجنة فإنها تجىء تارة مجموعة وتارة غير مجموعة والنار لم تقع إلا مفردة وفي ذلك وجهان

أحدهما لما كانت الجنات مختلفة الأنواع حسن جمعها وإفرادها ولما كانت النار واحدة أفردت باعتبار الجنس ونظيره قوله تعالى بأكواب وأباريق وكأس من معين 2 ولم يقل وكؤوس لما سنذكره

الثاني أنه لما كانت النار تعذيبا والجنة رحمة ناسب جمع الرحمة وإفراد العذاب نظير جمع الريح في الرحمة وإفرادها في العذاب

وأيضا فالنار دار حبس والغاضب يجمع جماعة من المحبوسين في موضع واحد أنكد لعيشهم والكريم لا يترك ضيفه ولا سيما إذا كان للدوام إلا في دار مفردة مهيأة له وحده فالنار لكل مذنب ولكل مطيع الجنة فجمع الجنان ولم يجمع النار

ومنها جمع الآيات في موضع وإفرادها في آخر فحيث جمعت فلجمع الدلائل وحيث وحدت فلوحدانية المدلول عليه لما يخرج عن ذلك ولهذا قال في الحجر إن في ذلك لآيات للمتوسمين 3 ثم قال إن في ذلك لآية للمؤمنين 4 فلما ذكر صفة المؤمنين بالوحدانية وحد الآية وليس لها نظير إلا في العنكبوت وهو قوله خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية 5

ومنها مجىء المشرق والمغرب في القرآن تارة بالجمع وأخرى بالتثنية وأخرى بالإفراد لاختصاص كل مقام بما يقتضيه

فالأول كقوله فلا أقسم برب المشارق والمغارب 1

والثاني كقوله رب المشرقين ورب المغربين 2

والثالث قوله رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو 3 فحيث جمع كان المراد نفي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وارتفاعها فإنها تبتدئ صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وارتفاعها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا ومقابلهما مغربا

وقيل هو إخبار عن الحركات الفلكية متحركة بحركات متداركة لا تنضبط لخطة ولا تدخل تحت قياس لأن معنى الحركة انتقال الشىء من مكان إلى آخر وهذه صفة الأفلاك قال تعالى لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر 4 والآية فهذا وجه اختلاف هذه الألفاظ بالإفراد والتثنية والجمع وقد أجرى الله العادة إن القمر يطلع في كل ليلة من مطلع غير الذي طلع فيه بالأمس وكذلك الغروب فهي من أول فصل الصيف في تلك المطالع والمغارب إلى إن تنتهي إلى مطلع الاعتدال ومغربه عند أول فصل الخريف ثم تأخذ جنوبا في كل يوم في مطلع ومغرب إلى إن تنتهي إلى آخر مثلها الذي يقدر الله لها عند أول فصل الشتاء ثم ترجع كذلك إلى إن تنتهي إلى مطلع الاعتدال الربيعي ومغربه وهكذا أبدا فحيث أفرد الله له لفظ المشرق والمغرب أراد به الجهة نفسها التى تشتمل الواحدة على تلك المطالع جميعها والأخرى على تلك المغارب من غير نظر إلى تعددها وحيث جىء بلفظ الجمع المراد به

كل فرد منها بالنسبة إلى تعدد تلك المطالع والمغارب وهي في كل جهة مائة وثمانون يوما وحيث كان بلفظ التثنية فالمراد بأحدهما الجهة التي تاخذ منها الشمس من مطلع الاعتدال إلى آخر المطالع والمغارب الجنوبية وبهذا الاعتبار مشرقان ومغربان

وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع منه فأبدى فيه بعض المتأخرين معاني لطيفة فقال

أما ما ورد مثنى في سورة الرحمن ( 1 ) فلأن سياق السورة سياق المزدوجين

الثاني فإنه سبحانه أولا ذكر نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعليم ثم ذكر سراجي العالم ومظهر نوره وهما الشمس والقمر ثم ذكر نوعي النبات فإن منه ما هو على ساق ومنه ما انبسط على وجه الأرض وهما النجم والشجر ثم ذكر نوعي السماء المرفوعة والأرض ثم أخبر انه رفع هذه ووضع هذه ووسط بينهما ذكر الميزان ثم ذكر العدل والظلم في الميزان فأمر بالعدل ونهى عن الظلم ثم ذكر نوعي الخارج من الأرض وهما الجنوب ثم ذكر نوعي المكلفين وهما نوع إلالإنسان والجان ثم ذكر نوعي المشرق والمغرب ثم ذكر بعد ذلك البحر من الملح والعذب فلهذا حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة

وإنما افردا في سورة المزمل لما تقدم من ذكر الليل والنهار فإنه سبحانه أمر نبيه بقيام الليل ثم أخبر أنه له في النهار سبحا طويلا فلما تقدم ذكر الليل وزالنهار تممه بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما منفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع لأن ظهور الليل والنهار فيهما واحد

وإنما جمعا في سورة المعارج في قوله فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين

لأنه لما كان هذا القسم سعة مشارق ربوبيته وإحاطة قدرته والمقسم عليه إذهاب هؤلاء والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب لتضمنها انتقال الشمس التي في أحد آياته العظيمة ونقله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب فمن فعل هذا كيف يعجزه إن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم

وايضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهود وقد جعله الله بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات واحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى حال ومن برد إلى حر وصيف وشتاء وغير ذلك بسبب اختلاف مشارق الأرض ومغاربها فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على تبديل من هو خير

وأكد هذا المعنى بقوله وما نحن بمسبوقين 2 فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظ الجمع

واما جمعهما في سورة الصافات في قوله ورب المشارق 3 لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة وهي السموات والأرض وما بينهما وكان الأحسن مجيئها مجموعة لتنتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد

ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال ذلك فإن المشارق مظهر الأنوار وأسباب لانتشار الحيوان وحياته وتصرفه في معاشه وانبساطه فهو إنشاء شهود فقدمه بين يدي ( 4 ) على مبدأ البعث فكان الاقتصار على ذكر المشارق

ها هنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب فتأمل هذه المعاني الكاملة والآيات الفاضلة التى ترقص القلوب لها طربا وتسيل الأفهام منها رهبا

وحيث ورد البار مجموعا في صفة الآدميين قيل ابرار كقوله إن الأبرار لفي نعيم 1 وقال في صفة الملائكة بررة 2 قال الراغب فخص ( 3 ) الملائكة بها ( 4 ) من حيث أنه ابلغ من أبرار جمع بر وأبرار جمع بار وبر ابلغ من بار ( 5 ) كما إن عدلا ابلغ من عادل

وهذا بناء على رواية في تفضيل الملائكة على البشر

ومنها إن الأخ يطلق على أخي النسب واخي الصداقة والدين ويفترقان في الجمع فيقال في النسب اخوة وفي الصداقة إخوان كما قيل إخوانا على سرر متقابلين 6

وقال ( ( فإن كان له إخوة فلأمه السدس ) ) قال جماعة من أهل اللغة منهم ابن فارس وحكاه أبو حاتم عن أهل البصرة ثم رده بأنه يقال للأصدقاء والنسب إخوة وإخوان قال تعالى إنما المؤمنون إخوة 8 لم يعن النسب وقال أو بيوت إخوانكم 9

وهذا في النسب ونظيره قوله ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن 9 إلى قوله أو بني أخواتهن 9 وهذا هو الصواب واشتقاق اللفظين من تآخيت

الشىء فسمى الأخوان أخوين لأن كل واحد منهما يتأخى ما تأخاه الآخر أي يقصده

قال ابن السكيت ويقال أخوة بضم الهمزة

ومنها إفراد العم والخال

ومنها إفراد السمع وجمع البصر كقوله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم 1 لأن السمع غلب عليه المصدرية فأفرد بخلاف البصر فإنه اشتهر في الجارحة وإذا أردت المصدر قلت أبصر إبصارا ولهذا لما استعمل الحاسة جمعه بقوله يجعلون أصابعهم في آذانهم 2 وقال وفي آذاننا وقر 3

وقيل في الكلام حذف مضاف أي على حواس سمعهم

وقيل لأن متعلق السمع الأصوات وهي حقيقة واحدة ومتعلق البصر الألوان والأكوان وهي حقائق مختلفة فاشار في كل منهما إلى متعلقه

ويحتمل إن يكون البصر الذي هو نور العين معنى يتعدد بتعدد المقلتين ولا كذلك السمع فإنه معنى واحد ولهذا إذا غطيت إحدى العينين ينتقل نورها إلى الأخرى بخلاف السمع فإنه ينقص بنقصان أحدهما

وقال الزمخشري في قوله تعالى فيه ظلمات ورعد وبرق 4 أجرى الرعد والبرق على أصلهما مصدرين فافردهما دون الظلمات يقال رعدت السماء رعدا

وبرقت برقا والحق إن الرعد والبرق مصدران فأفردهما أو هما مسببان عن سبب لا يختلف بخلاف الظلمة فإن أسبابها متعددة

ومنها حيث ذكر الكأس في القرآن كان مفردا ولم يجمع في قوله تعالى بأكواب وأباريق وكأس 1 ولم يقل وكؤوس لأن الكأس إناء فيه شراب فإن لم يكن فيه شراب فليس بكأس بل قدح والقدح إذا جعل فيه الشراب فالاعتبار للشراب لا لإنائه لأن المقصود هو المشروب والظرف اتخذ للالة ولولا الشراب والحاجة إلى شربه لما اتخذا والقدح مصنوع والشراب جنس فلو قال كؤوس لكان اعتبر حال القدح والقدح تبع ولما لم يجمع اعتبر حال الشراب وهو أصل واعتبار الأصل أولى فانظر كيف اختار الأحسن من الألفاظ

وكثير من الفصحاء قالوا دارت الكؤوس ومال الرءوس فدعاهم السجع إلى اختيار غير الأحسن فلم يدخل كلامهم في حد الفصاحة والذي يدل على ما ذكرنا إن الله تعالى لما ذكر الكأس واعتبر الأصل قال وكأس من معين 2 فذكر الشراب

وحيث ذكرالمصنوع ولم يكن في اللفظ دلالة على الشراب جمع فقال بأكواب وأباريق 3 ثم ذكر ما يتخذ منه فقال من فضة 3

ومنها إفراد الصديق وجمع الشافعين في قوله تعالى فما لنا من شافعين ولا صديق حميم 4 وحكمته كثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق قال الزمخشري

إلا ترى إن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم نهضت جماعة وافرة من أهل بلده بشفاعته رحمة له وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة وأما الصديق فأعز من بيض الأنوق وعن بعض الحكماء أنه سئل عن الصديق فقال اسم لا معنى له

ويجوز إن يريد بالصديق الجمع

وقال السهيلي في الروض الأنف إذا قلت عبيد ونخيل فهو اسم يتناول الصغير والكبير من ذلك الجنس قال الله تعالى وزرع ونخيل 1 وقال وما ربك بظلام للعبيد 2 وحين ذكر المخاطبين منهم قال العباد ( 3 ) ولذلك قال حين ذكر التمر من النخيل والنخل باسقات 4 و أعجاز نخل منقعر 5 فتأمل الفرق بين الجمعين في حكم البلاغة واختيار الكلام

وأما في مذهب اللغة فلم يفرقوا هذا التفريق ولا نبهوا على هذا المعنى الدقيق

ومنها اختلاف الجمعين في قوله تعالى أيود أحدكم أن تكون له جنة 6 إلى قوله وله ذرية ضعفاء 6

وقال وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا 7

فأما وجه التفرقة بين الجمع في الموضعين وكذلك قوله ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن 8 إلى قوله أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر