علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٥٠ من ١٩٤

الجزء ٤ — ص ٢–١١

البرهان في علوم القرآن للأمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقابلة الجمع بالجمع

تارة يقتضي مقابلة كل فرد من هذا بكل فرد من هذا كقوله تعالى فاستبقوا الخيرات 1 وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة 2 حافظوا على الصلوات 3 فإن الصلاة والزكاة في معنى الجمع فيقتضي اللفظ ضرورة أن كل واحد مأمور بجميع الصلوات وبالاستباق إلى كل خير كما يقال لبس القوم ثيابهم وركبوا دوابهم

وقوله تعالى وأعتدت لهن متكأ 4 أي لكل واحدة منهن

وقوله تعالى أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر 5 لأنه لا يجوز أن يتذكر دميع المخاطبين بهذا القول في مدة وعمر واحد

وقوله إنها ترمي بشرر كالقصر 6 أي كل واحدة من هذا الشرر كالقصر والقصر البيت من أدم كان يضرب على الماء إذا نزلوا به ولا يجوز أن يكون الشرر كله كقصر واحد لأنه مناف للوعيد فإن المعنى تعظيم الشرر أي كل واحد من هذا الشرر كالقصر ويؤكده قوله بعده كأنه جمالة صفر فشبه بالجماعة أي فكل واحدة من هذا الشرر كالجمل فجماعته إذ الجمالات الصفر كذلك الأول كل شررة منه كالقصر قاله ابن جنى

وقوله واستغشوا ثيابهم

وقوله آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله 1 فإن كل واحد من المؤمنين آمن بكل واحد 2 من الملائكة والكتب والرسل

وقوله حرمت عليكم أمهاتكم 2 الآية فإنه لم يحرم على كل واحد من المخاطبين جميع أمهات المخاطبين وإنما حرم على كل واحد أمه وبنته

وكذلك قوله ولكم نصف ما ترك أزواجكم 3 فإنه ليس لجميع الأزواج نصف ما ترك جميع النساء وإنما لكل واحد نصف ما تركت زوجه فقط

وكذا قوله يوصيكم الله في أولادكم 4

وقوله والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم 5 إنما معناه اتبع كل واحد ذريته وليس معناه أن كل واحد من الذرية اتبع كل واحد من الآباء

وقوله والوالدات يرضعن أولادهن 6 أي كل واحدة ترضع ولدها

وكقوله تعالى فاقتلوا المشركين 7 فإن مقابلة الجمع أفادت المكنة لكل واحد من المسلمين قتل من وجد من المشركين

وقوله يوم تشهد عليهم ألسنتهم 8

وأما قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين 9 فذكر المرافق بلفظ الجمع والكعبين بلفظ التثنية

لأن مقابلة الجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد ولكل يد مرفق فصحت المقابلة

ولو قيل إلى الكعاب فهم منه أن الواجب ( 1 ) فإن لكل رجل كعبا واحدا فذكر الكعبين بلفظ التثنية ليتناول الكعبين من كل رجل

فإن قيل فعلى هذا يلزم ألا يجب إلا غسل يد واحدة ورجل واحدة

قلنا صدنا عنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم والإجماع

وتارة يقتضي مقابلة ثبوت الجمع لكل واحد من آحاد المحكوم عليه كقوله تعالى فاجلدوهم ثمانين جلدة 2

وجعل منه الشيخ عز الدين وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار 3

وتارة يحتمل الأمرين فيفتقر ذلك إلى دليل يعين أحدهما

أما مقابلة الجمع بالمفرد فالغالب أنه لا يقتضي تعميم المفرد وقد يقتضيه بحسب عموم الجمع المقابل له كما في قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين 4 المعنى كل واحد لكل يوم طعام مسكين

وقوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة 5 إنما هو على كل واحد منهم ذلك

قاعدة

فيما ورد في القرآن مجموعا ومفردا والحكم في ذلك

فمنه أنه حيث ورد ذكر الأرض في القرآن فإنها مفردة كقوله تعالى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن 1 وحكمته أنها بمنزلة السفل والتحت ولكن وصف بها هذا المكان المحسوس فجرت مجرى امرأة زور وضيف فلا معنى لجمعهما كما لا يجمع الفوق والتحت والعلو والسفل فإن قصد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة وعين قطعة محدودة منها خرجت عن معنى السفل الذي هو في مقابلة العلو فجاز أن تثنى إذا ضممت إليها جزءا آخر ومنه قوله صلى الله عليه وسلم طوقه من سبع أرضين فجمعها لما اعتمد الكلام على ذات الأرض وأثبتها على التفصيل والتعيين لآحادها دون الوصف بكونها تحت أو سفل في مقابلة علو وأما جمع السموات فإن المقصود بها ذاتها دون معنى الوصف فلهذا جمعت جمع سلامة لأن العدد قليل وجمع القليل أولى به بخلاف الأرض فإن المقصود بها معنى التحت والسفل دون الذات والعدد

وحيث أريد بها الذات والعدد أتى بلفظ يدل على التعدد كقوله تعالى ومن الأرض مثلهن

وايضا فإن الأرض لانسبة إليها إلى السموات وسعتها بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء فهي وإن تعددت كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس

وايضا فالأرض هي دار الدنياالتي بالنسبة إلى الآخرة كما يدخل الإنسان إصبعه في اليم فما يلعق بها هو مثال الدنيا والله تعالى لم يذكر الدنيا إلا مقللا لها

وأما السموات فليست من الدنيا على أحد القولين فإذا أريد الوصف الشامل للسموات وهو معنى العلو والفوق أفردته كالأرض بدليل قوله تعالى % أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض 1 أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا 1 فأفرد هنا لما كان المراد الوصف الشامل وليس المراد سماء معينة

وكذا قوله وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء 2 بخلاف قوله في سبأ عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض 3 فإن قبلها ذكر الله سبحانه سعة علمه ( 4 ) وأن له ما في السموات وما في الأرض فاقتضى السياق أن يذكر سعة علمه وتعلقه بمعلومات ملكه وهو السموات كلها والأرض

ولما لم يكن في سورة يونس ما يقتضي ذلك أفردها إرادة للجنس

وقال السهيلي لأن المخاطبين بالإفراد مقرون بأن الرزق ينزل من السحاب وهو سماء ولهذا قال في آخر الآية فسيقولون الله 5 وهم لا يقرون بما نزل من فوق ذلك من الرحمة والرحمن وغيرها ولهذا قال في آية سبأ قل الله 6 أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بهذا القول ليعلم بحقيقته

وكذا قوله وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم 7

فإنها جاءت مجموعة لتعلق الظرف بما في اسم الله تبارك وتعالى من معنى الإلهية فالمعنى هو الإله المعبود في كل واحدة من السموات فذكر الجمع هنا أحسن ولما خفى هذا المعنى على بعض المجسمة قال بالوقف على قوله في السماوات 1 ثم يبتدىء بقوله وفي الأرض

وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله فورب السماء والأرض إنه لحق 2 أراد لهذين الجنسين أي رب كل ما علا وسفل

وجاءت مجموعة في قوله سبح لله ما في السماوات والأرض 3 في جميع السور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم

ونظير هذا جمعها في قوله وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون 4

وقوله تسبح له السماوات السبع 5 أي تسبح بذواتها وأنفسها على اختلاف عددها ولهذا صرح بالعدد بقوله السبع

وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله وفي السماء رزقكم وما توعدون 6 ف الرزق المطر وما توعدون الجنة وكلاهما في هذه الجهة لأنها في كل واحدة واحدة من السموات فكان لفظ الإفراد أليق

وجاءت مجموعة في قوله قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله 2 لما كان المراد نفى علم الغيب عن كل من هو في واحدة واحدة من السموات أتى بها مجموعة

ولم يجىء في سياق الإخبار بنزول الماء منها إلا مفردة حيث وقعت لما لم يكن المراد نزوله من ذاتها بل المراد الوصف

فإن قيل فهل يظهر فرق بين قوله تعالى في سورة يونس قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار 1 وبين قوله في سورة سبأ قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله 2

قيل السياق في كل منهما مرشد إلى الفرق فإن الآيات التي في يونس سيقت للاحتجاج عليهم بما أقروا به من كونه تعالى هو رازقهم ومالك أسماعهم وأبصارهم ومدبر أمورهم بأن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فلما كانوا مقرين بهذا كله حسن الاحتجاج به عليهم إذ فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره فكيف تعبدون معه غيره ولهذا قال بعده فسيقولون الله 3 أي هم يقرون به ولا يجحدونه والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية انما كانوا مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التى يشاهدونها ولم يكونوا مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى ينتهي إليهم فافردت لفظة السماء هنا لذلك

وأما الآية التى في سبأ فإنه لم ينتظم لها ذكر إقرارهم بما ينزل من السماء ولهذا أمر رسوله بأن يجيب وان يذكر عنهم أنهم هم المجيبون فقال قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله 4 ولم يقل فسيقولون الله 3 أي الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السموات

ومنها ذكر الرياح في القرآن جمعا ومفردة فحيث ذكرت في سياق الرحمة جاءت

مجموعة كقوله تعالى الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا 1

وأرسلنا الرياح لواقح 2

ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات 3

وحيث ذكرت في سياق العذاب أتت مفردة كقوله تعالى فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات 4

فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها 5 وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية

مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح 6

وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم 8

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا والمعنى فيه أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والماهيات والمنافع وإذا هاجت منها ريح أثير لها من مقابلها ما يكسر سورتها فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات وكانت في الرحمة رياحا وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد ولا معارض ولا دافع ولهذا وصفها الله بالعقيم فقال وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم 8 أي تعقم ما مرت به

وقد اطردت هذه القاعدة إلا في مواضع يسيرة لحكمة

فمنها قوله سبحانه في سورة يونس هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف

1 فذكر ريح الرحمة بلفظ الإفراد لوجهين

أحدهما لفظي وهو المقابلة فإنه ذكر ما يقابلها ريح العذاب وهي لا تكون إلا مفردة ورب شىء يجوز في المقابلة ولا يجوز استقلالا نحو ومكروا ومكر الله 2

الثاني معنوي وهو أن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد فإن اختلفت عليها الرياح وتصادمت كان سبب الهلاك والغرق فالمطلوب هناك ريح واحدة ولهذا أكد هذا المعنى فوصفها بالطيب دفعا لتوهم أن تكون عاصفة بل هي ريح يفرح بطيبها

ومنها قوله تعالى إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره 3 وهذا أورده ابن المنير ( 4 ) في كتابه على الزمخشري قال الريح رحمة ونعمة وسكونها شدة على أصحاب السفن

قال الشيخ علم الدين ( 5 ) العراقي وكذا جاء في القراءات السبع / < والله الذي أرسل الريح > / 6 / < وهو الذي يرسل الريح > / 7 والمراد به الذي ينشر السحاب

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر