الجزء ٣ — ص ٤٧٢–٤٧٧
@ 472
وقوله فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون 1 فاستوفت أقسام الأوقات من طرفي كل يوم ووسطه مع المطابقة والمقابلة
وقوله الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم 2 فلم يترك سبحانه قسما من أقسام الهيئات
ومثله آية يونس وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما 3
لكن وقع بين ترتيب الآيتين مغايرة أوجبتها المبالغة وذلك أن المراد بالذكر في الأولى الصلاة فيجب فيها تقديم الاضطجاع وإذا زال بعض الضر قعد المضجع وإذا زال كل الضر قام القاعد فدعا لتتم الصحة وتكمل القوة
فإن قلت هذا التأويل لا يتم إلا إذا كانت الواو عاطفة فإنها تحصل في الكلام حسن اتساق وائتلاف الألفاظ مع المعاني وقد عدل عنها إلى أو التي سقط معها ذلك
قلت يأتي التضرع على أقسام فإن منه ما يتضرع المضرور عند وروده ومنه ما يقعده ومنه ما يأتي صاحبه قائم لا يبلغ به شيئا والدعاء عنده أولى من التضرع فإن الصبر والجزع عند الصدمة الأولى فوجب العدول عن الواو لتوخي الصدق في الخبر والكلام بالائتلاف ويحصل النسق والخبر بذلك التأويل الأول عن شخص واحد وبالثاني عن أشخاص فغلب الكثرة فوجب الإتيان بأو وابتدى بالشخص الذي تضرع لأن خبره أشد فهو أشد تضرعا فوجب تقديم ذكره ثم القاعد ثم القائم فحصل حسن الترتيب وائتلاف الألفاظ ومعانيها
وقوله يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما 1 قسم سبحانه حال الزوجين إلى أربعة أقسام اشتمل عليها الوجود لأنه سبحانه إما أن يفرد العبد بهبة الإناث أو بهبة الذكور أو يجمعهما له أو لا يهب شيئا وقد جاءت الأقسام في هذه الاية لينتقل منها إلى أعلى منها وهي هبة الذكور فيه ثم انتقل إلى أعلى منها وهي وهبتهما جميعا وجاءت 2 كل أقسام العطية بلفظ الهبة وافرد معنى الحرمان بالتأخير وقال فيه يجعل فعدل عن لفظ الهبة للتغاير بين المعاني كقوله أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما 3 فذكر امتداد وإنمائه بلفظ الزرع ومعنى الحرمان بلفظ الجعل
وقيل إنما بدأ سبحانه بالأناث لوجوه غير ما سبق
أحدها جبرا لهن لأجل استثقال الأبوين لمكانهن
الثاني أن سياق الكلام أنه فاعل لما يشاء لا ما يشاء الأبوان فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالبا وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء فبدأ بذكر الصنف الذي يشاؤه ولا يريده الأبوان غالبا
الثالث أنه قدم ذكر ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدوهن أي هذا النوع الحقير عندكم مقدم عندي في الذكر
الرابع قدمهن لضعفهن وعند العجز والضعف تكون العناية أتم
وقيل لينقل من الغم إلى الفرج
وتأمل كيف عرف سبحانه الذكور بعد تنكير فجبر نقص الأنوثة بالتقديم وجبر نقص المتأخر بالتعريف فإن التعريف تنويه
وهذا أحسن مما ذكره الواحدي أنه عرف الذكور لأجله الفاصلة
ولما ذكر الصنفين معا قدم الذكور فأعطى لكل من الجنسين حقه من التقديم والتأخير والله أعلم بما أراد
بقى سؤال آخر وهو أنه عطف الثاني والرابع بالواو والثالث بأو ولعله لأن هبة كل من الإناث والذكور قد لا يقترن بها فكأنه وهب لهذا الصنف وحده أو مع غيره فلذلك تعينت أو فتأمل لطائف القرآن وبدائعه
ومن هذا التقسيم أخذ بعض العلماء أن الخنثى لا وجود له لأنه ليس واحدا من المذكورين ولا حجة فيه لأنه مقام امتنان والمنة بغير الخنثى أحسن وأعظم أو لأنه باعتبار ما في نفس الأمر والخنثى لا يخرج عن أحدهما
$ التعديد
هي إيقاع الألفاظ المبددة على سياق واحد وأكثر ما يؤخذ في الصفات ومقتضاها ألا يعطف بعضها على بعض لاتحاد محلها ويجريها مجرى الوصف في الصدق على ما صدق ولذلك يقل عطف بعض صفات الله على بعض في التنزيل وذلك كقوله الله لا إله إلا هو الحي القيوم 1
وقوله الخالق البارئ المصور 2
وقوله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار 3
وإنما عطف قوله هو الأول والآخر والظاهر والباطن 4 لأنها أسماء متضادة المعاني في موضوعها فوقع الوهم بالعطف عمن يستبعد ذلك في ذات واحدة لأن الشيء الواحد لا يكون ظاهرا باطنا من وجه وكان العطف فيه أحسن ولذلك عطف الناهون على الآمرون وأبكارا على ثيبات من قوله التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله 5
وقوله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا 6 فجاء العطف لأنه لا يمكن اجتماعهما في محل واحد بخلاف ما قبله
وقوله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول 7 إنما عطف
فيه بعضا ولم يعطف بعضا لأن غافرا وقابلا يشعران بحدوث المغفرة والقبول وهما من صفات الأفعال وفعله في غيره لا في نفسه فدخل العطف للمغايرة لتنزلهما منزلة الجملتين تنبيها على أنه سبحانه يفعل هذا ويفعل هذا واما شديد العقاب فصفة مشبهة وهي تشعر بالدوام والاستمرار فتدل على القوة ويشبه ذلك صفات الذات
وقوله ذي الطول 1 المراد به ذاته فترك العطف لاتحاد المعنى
وقد جاء قليلا في غير الصفات كقوله تعالى إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات 2 الآية قال الزمخشري 3 العطف الأول كقوله ثيبات وأبكارا في أنهما جنسان مختلفان إذا اشتركا في حكم لم يكن بد من توسيط العاطف بينهما وأما العطف الثاني فمن عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع فكان معناه أن الجامعين والجامعات لهذه الصفات 4 أعد لهم مغفرة انتهى
وقال بعضهم الصفات المتعاطفة إن علم أن موصوفها واحد من كل وجه كقوله غافر الذنب وقابل التوب 5 فإن الموصوف الله وإما في النوع كقوله ثيبات وأبكارا 6 فإن الموصوف الأزواج وقوله الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر 7 فإن الموصوف النوع الجامع للصفات المتقدمة وإن لم يعلم أن موصوفها واحد من جهة وضع اللفظ فإن دل دليل على أنه من عطف الصفات اتبع كهذه الآية فإن هذه الاعداد لمن جمع الطاعات العشر لا لمن انفرد بواحدة منها إذ الإسلام والإيمان كل منهما شرطه في الآخر وكلاهما شرط في حصول الأجر على البواقي ومن كان مسلما مؤمنا فله أجره ولكن ليس هذا الأجر العظيم الذي أعده الله في هذه الآية
الكريمة وقرن به إعداد المغفرة زائدا على المغفرة فلخصوص هذه الآية جعل الزمخشري ذلك من عطف الصفات والموصوف واحد فلو لم يكن كذلك واحتمل تقدير موصوف مع كل صفة وعدمه حمل على التقدير فإن ظاهر العطف التغاير ولا يقال الأصل عدم التقدير لأن الظاهر يقدم على رعاية ذلك الأصل
ومثاله قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين 1 الآية ولو كان من عطف الصفات لم يستحق الصدقة إلا من جميع الصفات الثمان ولذلك إذا وقف على الفقهاء والنحاة والفقراء استحق من فيه إحدى الصفات تم بعون الله وجميل توفيقه الجزء الثالث من كتاب البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين الزركشي ويليه الجزء الرابع وأوله مقابلة الجمع بالجمع وهو أحد أساليب القرآن المندرجة تحت النوع السادس والأربعين
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر