الجزء ٣ — ص ٤٦٢–٤٧١
ومقابل في المعنى دون اللفظ كقوله تعالى قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي 1 فإنه لو كان التقابل هنا من جهة اللفظ لكان التقدير وإن اهتديت فإنما اهتديت لها
وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى أن النفس كل ما هو عليها لها فهو أعنى أن كل ما هو وبال عليها وصار لها فهو بسببها ومنها لأنها أمارة بالسوء وكل ما هو مما ينفعها فبهداية ربهاوتوفيقه إياها وهذا حكم لكل مكلف وإنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسند إلى نفسه لأنه إذا دخل تحته مع علو محله كان غيره أولى به
ومن هذا الضرب قوله تعالى ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون 2 فإنه لم يدع التقابل في قوله ليسكنوا فيه والنهار مبصرا لأن القياس يقتضى أن يكون والنهار لتبصروا فيه وإنما هو مراعي من جهة المعنى لا من جهة اللفظ لأن معنى مبصرا تبصرون فيه طرق التقلب في الحاجات
واعلم أن في تقابل المعاني بابا عظيما يحتاج إلى فضل تأمل وهو يتصل غالبا بالفواصل كقوله تعالى إنما نحن مصلحون 3 إلى قوله لا يشعرون 3
وقوله وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس 4 إلى قوله لا يعلمون 4
فانظر فاصلة الثانية يعلمون والتي قبلها يشعرون لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين يجتمعون ومطيعون يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكسب الناظر
المعرفة والعلم وإنما النفاق وما فيه من الفتنة والفساد أمر دنيوي مبني على العادات معلوم عند الناس فلذلك قال فيه يعلمون
وأيضا فإنه لما ذكر السفه 1 في الآية الآخرى وهو جهل كان ذكر العلم طباقا وعلى هذا تجيء فواصل القرآن وقد سبق في بابه
ومن المقابلة قوله تعالى الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا 2 فتقدم اقتران الوعد بالفقر والأمر بالفحشاء ثم قوبل بشيء واحد وهو الوعد فأوهم الإخلال بالثاني وليس كذلك وإنما لما كان الفضل مقابلا للفقر والمغفرة مقابلة للأمر بالفحشاء لأن الفحشاء توجب العقوبة والمغفرة تقابل العقوبة استغنى بذكر المقابل عن ذكر مقابله لأن ذكر أحدهما ملزوم ذكر الآخر
$ تقسيم
من مقابلة اثنين باثنين فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا 1
ومن مقابلة أربعة بأربعة فأما من أعطى واتقى 2 الآية
ومن مقابلة خمس بخمس قوله تعالى إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها 3 للدلالة على الحقير والكبير وهو من الطباق الخفي الثاني فأما الذين آمنوا وأما الذين كفروا الثالث يضل و يهدي به والرابع ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه الخامس يقطعون و أن يوصل
ومن مقابلة ست بست قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا 4 ثم قال تعالى قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله
1 قابل الجنات والأنهار والخلد والأزواج والتطهير والرضوان بإزاء النساء في الدنيا وختم بالحرث وهما طرفان متشابهان وفيهما الشهوة والمعاش الدنياوي وأخر ذكر الأزواج كما يجب في الترتيب الأخروي وختم بالرضوان $ فائدة
قد يجيء نظم الكلام على غير صورة المقابلة في الظاهر وإذا تؤمل كان من أكمل المقابلات ولذلك أمثلة
منها قوله تعالى إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى 2 فقابل الجوع بالعري والظمأ بالضحى 3 والواقف مع الظاهر ربما يحيل أن الجوع يقابل بالظمأ والعري بالضحى
والمدقق يرى هذا الكلام في أعلى مراتب الفصاحة لأن الجوع ألم الباطن والضحى موجب لحرارة الظاهر فاقتضت الآية جميع نفى الآفات ظاهرا وباطنا وقابل الخلو بالخلو والاحتراق بالاحتراق وهاهنا موضع الحكاية المشهورة بين المتنبي وسيف الدولة لما أنشده % % وقفت وما في الموت شك لواقف % % كأنك في جفن الردى وهو نائم % $
ومنها قوله تعالى مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع 1 فإنه يتبادر فيه سؤال وهو أنه لم لا قيل مثل الفريقين كالأعمى والبصير والأصم والسميع لتكون المقابلة في لفظ الأعمى وضده بالبصير وفي لفظ الأصم وضده السميع
والجواب أنه يقال لما ذكر انسداد العين أتبعه بانسداد السمع وبضد ذلك لما ذكر انفتاح البصر أعقبه بانفتاح السمع فما تضمنته الآية الكريمة هو الأنسب في المقابلة والأتم في الإعجاز
$ رد العجز على الصدر وعكسه
خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون 1
وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما 2 $ العكس
وهو أن يقدم في الكلام جزء ثم يؤخر كقوله تعالى لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن 3 وقدره الزمخشري 4 أي لا حل بين المؤمن والمشرك والآية صرحت بنفي الحل من الجهتين فقد يستدل بها من قال إن الكفار مخاطبون بالفروع
ومثله قوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم 5 أي ذبائحكم وهذه رخصة للمسلمين
$ الجام الخصم بالحجة
وهو الاحتجاج على المعنى المقصود بحجة عقلية تقطع المعاند له فيه والعجب من ابن المعتز في بديعه حيث أنكر وجود هذا النوع في القرآن وهو من أساليبه
ومنه قوله تعالى لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا 1 ثم قال النحاة إن الثاني امتنع لأجل امتناع الأول وخالفهم ابن الحاجب وقال الممتنع الأول لأجل الثاني فالتعدد منتف لأجل امتناع الفساد
وقوله قل يحييها الذي أنشأها أول مرة 2
وقوله أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم 2 وقوله حكاية عن الخليل وحاجه قومه 3 إلى قوله وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه 3
وقوله وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه 4 المعنى أن الأهون أدخل في الإمكان من غيره وقد أمكن هو فالإعادة أدخل في الإمكان من بدء الخلق
وقوله تعالى ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق 5 الآية وهذه حجة عقلية تقديرها أنه لو كان خالقان لاستبد كل منهما بخلقه فكان الذي يقدر عليه أحدهما لا يقدر عليه الآخر ويؤدي إلى تناهى
مقدوراتهما 1 وذلك يبطل الإلهية فوجب أن يكون الإله واحدا ثم زاد في الحجاج فقال ولعلا بعضهم على بعض 2 أي ولغلب بعضهم بعضا في المراد ولو أراد أحدهما إحياء جسم والآخر إماتته لم يصح 3 ارتفاع مرادهما لأن رفع النقيضين محال ولا وقوعهما للتضاد فنفى وقوع أحدها دون الآخر وهو المغلوب وهذه تسمى دلالة التمانع وهي كثيرة في القرآن كقوله تعالى إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا 4
وقوله ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم 5
وقوله أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون 6 فبين أنا لم نخلق المنى لتعذره علينا فوجب أن يكون الخالق غيرنا
ومنه نوع منطقي وهو استنتاج النتيجة من مقدمتين وذلك من أول سورة الحج إلى قوله وأن الله يبعث من في القبور 7 فنطق على خمس نتائج من عشر مقدمات فالمقدمات من أول السورة وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج 8 والنتائج من قوله ذلك بأن الله هو الحق 9 إلى قوله وأن الله يبعث من في القبور 7
وتفصيل ترتيب المقدمات والنتائج أن يقول أخبر الله أن زلزلة الساعة شيء عظيم وخبره هو الحق ومن أخبر عن الغيب بالحق فهو حق بأنه هو الحق وأنه يأتي بالساعة
على تلك الصفات ولا يعلم صدق الخبر إلا بإحياء الموتى ليدركوا ذلك ومن يأتي بالساعة يحيى الموتى فهو يحيي الموتى وأخبر أنه يجعل الناس من هول الساعة سكارى لشدة العذاب ولا يقدر على عموم الناس لشدة العذاب إلا من هو على كل شيء قدير فإنه على كل شيء قدير وأخبر أن الساعة يجازي فيها من يجادل في الله بغير علم ولا بد من مجازاته ولا يجازي حتى تكون الساعة آتية ولا تأتي الساعة حتى يبعث من في القبور فهو يبعث من في القبور والله ينزل الماء على الأرض الهامدة فتنبت من كل زوج بهيج والقادر على إحياء الأرض بعد موتها يبعث من القبور
ومنه قوله تعالى ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد 1 مقدمتان ونتيجة لأن اتباع الهوى يوجب الضلال والضلال يوجب سوء العذاب فأنتج أن اتباع الهوى يوجب سوء العذاب
وقوله فلما أفل قال لا أحب الآفلين 2 أي القمر أفل وربي فليس بآفل فالقمر ليس بربي أثبته بقياس اقتراني جلى من الشكل الثاني واحتج بالتعبير على الحدوث والحدوث على المحدث
$ التقسيم
وليس المراد به القسمة العقلية التي يتكلم عليها المتكلم لأنها قد تقتضي أشياء مستحيلة كقولهم الجواهر لا تخلو إما أن تكون مجتمعة أو متفرق أو لا مفترقة ولا مجتمعة أو مجتمعة ومفترقة معا أو بعضها مجتمع وبعضها مفترق فإن هذه القسمة صحيحة عقلا لكن بعضها يستحيل وجوده وهو استيفاء المتكلم أقسام الشيء بحيث لا يغادر شيئا وهو آلة الحصر ومظنة الإحاطة بالشيء كقوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله 1 فإنه لا يخلو العالم جميعا من هذه الآقسام الثلاثة إما ظالم نفسه وإما سابق مبادر إلى الخيرات وإما مقتصد فيها وهذا من أوضح التقسيمات وأكملها
ومثله قوله وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون 2 وهذه الآية مماثلة في المعنى للتي قبلها وأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم وأصحاب الميمنة هم المقتصدون والسابقون هم السابقون بالخيرات
كذلك قوله تعالى له ما بين أيدينا وما خلفنا 3 الآية فاستوفى أقسام الزمان ولا رابع لها
وقوله والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه 4 إلى قوله ما يشاء 4 وهو في القرآن كثير وخصوصا في سورة براءة
ومنه قوله تعالى هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا 5 وليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار ولا ثالث لهما
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر