علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٤٧ من ١٩٤

الجزء ٣ — ص ٤٥٢–٤٦١

وقوله وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض 1

قال إني لعملكم من القالين 2

وجنى الجنتين دان 3

يا أسفى على يوسف 4

تتقلب فيه القلوب والأبصار 5

إني وجهت وجهي 6

اثاقلتم إلى الأرض 7

الثالث اعلم أن الجناس من المحاسن اللفظية لا المعنوية ولهذا تركوه عند قوة المعنى بتركه ولذلك مثالان

أحدهما قوله أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين 8 فذكر الرازي في تفسيره 9 أن الكاتب الملقب بالرشيدي قال لو قيل أتدعون بعلا وتدعون أحسن الخالقين أوهم أنه أحسن لأنه كان 10 تحصل به رعاية معنى التجنيس أيضا مع كونه موازنا ل تذرون

وأجاب الرازي بأن فصاحة القرآن ليس لأجل رعاية هذه التكلفات بل لأجل قوة المعاني وجزالة الألفاظ

وقال بعضهم مراعاة المعاني أولى من مراعاة الألفاظ فلو كان أتدعون

وتدعون كما قال هذا القائل لوقع الإلباس على القارىء فيجعلهما بمعنى واحد تصحيفا منه وحينئذ فينخرم اللفظ إذا قرأ و تدعون الثانية بسكون الدال لا سيما وخط المصحف الإمام لا ضبط فيه ولا نقط

قال ومما صحف من القرآن بسبب ذلك وليس بقراءة قوله تعالى قال عذابي أصيب به من أشاء 1 بالسين المهملة

وقوله إلا عن موعدة وعدها إياه 2 بالباء الموحدة

وقوله لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه 3 بالعين المهملة

وقرأ ابن عباس من فرعون على الاستفهام

قلت وأجاب الجويني عن هذا بما يمكن أن يتخلص منه أن يذر أخص من يدع وذلك لأن الأول بمعنى ترك الشيء اعتناء بشهادة الاشتقاق نحو الإيداع فإنه عبارة عن ترك الوديعة مع الاعتناء بحالها ولهذا يختار لها من هو مؤتمن عليها ومن ذلك الدعة بمعنى الراحة وأما تذر فمعناها الترك مطلقا والترك مع الإعراض 4 والرفض الكلي ولا شك أن السياق إنما يناسب هذا دون الأول فأريد هنا تبشيع حالهم في الأعراض عن ربهم وأنهم بلغوا الغاية في الإعراض

قلت ويؤيده قول الراغب 5 يقال فلا يذر الشيء أي يقذفه لقلة الاعتداد به 6 والوزرة قطعة من اللحم وتسميتها بذلك 7 لقلة الاعتداد به نحو قولهم فيم لا يعتد به 7 هو لحم على وضم قال تعالى أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا 8 وقال تعالى ويذرك وآلهتك 9 فذرهم وما يفترون 10 وذروا ما بقي من الربا 11

وإنما قال ويذرون ولم يقل يتركون و يخلفون لذلك انتهى

وعن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني أنه أجاب عن هذا السؤال بأن التجنيس تحسين وإنما يستعمل في مقام الوعد والإحسان وهذا مقام تهويل والقصد فيه المعنى فلم يكن لمراعاة اللفظة فائدة

وفيه نظر فإنه ورد في قوله ويوم تقوم الساعة 1

المثال الثاني قوله تعالى وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين 2 قال معناه وما أنت مصدق لنا فيقال ما الحكمة في العدول عن الجناس وهلا قيل وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين فإنه يؤدي معنى الأول مع زيادة رعاية التجنيس اللفظي

والجواب أن في مؤمن لنا من المعنى ما ليس في مصدق وذلك أنك إذا قلت مصدق لي فمعناه قال لي صدقت وأما مؤمن فمعناه مع التصديق إعطاء الأمن ومقصودهم التصديق وزيادة وهو طلب الأمن فلهذا عدل إليه

فتأمل هذا اللطائف الغريبة والأسرار العجيبة فإنه نوع من الإعجاز $ فائدة

قال الخفاجي إذا دخل التجنيس نفي عد طباقا كقوله قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون 3 لأن الذين لايعلمون هم الجاهلون قال وفي هذا يختلط التجينس بالطباق

$ الطباق

هو أن يجمع بين متضادين مع مراعاة التقابل كالبياض والسواد والليل والنهار وهو قسمان لفظي ومعنوي كقوله تعالى فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا 1 طابق بين الضحك والبكاء والقليل والكثير

ومثله لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم 2

وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا 3

وتحسبهم أيقاظا وهم رقود 4

سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار 5

وقوله تعالى تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء 6 الآية

وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات 7

ثم إذا شرط فيهما شرط وجب أن يشترط في ضديهما ضد ذلك الشرط كقوله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى 8 الآية لما جعل التيسير

مشتركا بين الآعطاء والتقى والتصديق وجعل ضده وهو التعسير مشتركا بين أضداد تلك الأمور وهي المنع والاستغناء والتكذيب

ومنه في جنة عالية قطوفها دانية 1 قابل بين العلو والدنو

وقوله فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة 2

وقوله ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله 3 فذكر الليل والنهار وهما ضدان ثم قابلهما بضدين وهما الحركة والسكون على الترتيب ثم عبر عن الحركة بلفظ الإرداف فاستلزم الكلام ضربا من المحاسن زائدة على المبالغة وعدل عن لفظ الحركة إلى لفظ ابتغاء الفضل لكون الحركة تكون للمصلحة دون المفسدة وهي تسير إلى الإعانة بالقوة لكون الحركة وحسن الاختيار الدال على رجاحة العقل وسلامة الحس وإضافة الظرف إلى تلك الحركة المخصوصة واقعة فيه ليهتدي المتحرك إلى بلوغ المأرب

ومن الطباق المعنوي قوله تعالى إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون 4 معناه ربنا يعلم إنا لصادقون

وقوله الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء 5 قال أبو علي في الحجة لما كان البناء رفعا للمبنى قوبل بالفراش الذي هو على خلاف البناء ومن ثم وقع البناء على ما فيه ارتفاع في نصيبه إن لم يكن مدرا

ومنه نوع يسمى الطباق الخفي كقوله تعالى مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا 1 لأن الغرق من صفات الماء فكأنه جمع بين الماء في النار والنار قال ابن منقذ 2 وهي أخفى مطابقة في القرآن

قلت ومنه قوله تعالى من الشجر الأخضر نارا 3 فكأنه جمع بين الأخضر والأحمر وهذا أيضا فيه تدبيج بديعي

ومنه ولكم في القصاص حياة 4 لأن معنى القصاص القتل فصار القتل سبب الحياة

قال ابن المعتز 5 وهذا من أملح الطباق وأخفاه

وقوله تعالى في الزخرف ظل وجهه مسودا 6 لأن ظل لا تستعمل إلا نهارا فإذا لمح مع ذكر السواد كأنه طباق يذكر البياض مع السواد

وقوله ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار 7

المقابلة

مباحث المقابلة

وفيها مباحث $ الأول في حقيقتها

وهي ذكر الشيء مع ما يوازيه في بعض صفاته ويخالفه في بعضها وهي من باب المفاعلة كالمقابلة والمضاربة وهي قريبة من الطباق والفرق بينهما من وجهين

الأول أن الطباق لايكون إلا بين الضدين غالبا والمقابلة تكون لأكثر من ذلك غالبا

والثاني لا يكون الطباق إلا بالأضداد والمقابلة بالأضداد وغيرها ولهذا جعل ابن الآثير الطباق أحد أنواع المقابلة $ الثاني في أنواعها

وهي ثلاثة نظيري ونقيضي وخلافي والخلافي أتمها في التشكيك وألزمها بالتأويل والنقيضي ثانيها والنظيري ثالثها

وذكر الشيخ أبو الفضل يوسف بن محمد النحوي القلعي أن القرآن كله وارد عليها بظهور نكته الحكمية العلمية من الكائنات والزمانيات والوسائط الروحانيات والأوائل الإلهيات حيث اتحدت من حيث تعددت واتصلت من حيث انفصلت وأنها قد ترد على شكل المربع تارة وشكل المسدس أخرى وعلى شكل

المثلث إلى غير ذلك من التشكيلات العجيبة والترتيبات البديعة ثم أورد أمثل من ذلك

مثال مقابلة النظيرين مقابلة السنة والنوم في قوله تعالى لا تأخذه سنة ولا نوم 1 لأنهما جميعا من باب الرقاد المقابل باليقظة

وقوله وتحسبهم أيقاظا وهم رقود 2 وهذه هي مقابلة النقيضين أيضا ثم السنة والنوم بانفرادهما متقابلان في باب النظيرين ومجموعهما يقابلان النقيض الذي هو اليقظة

ومثال مقابلة الخلافين مقابلة الشر بالرشد في قوله تعالى وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا 3 فقابل الشر بالرشد وهما خلافيان وضد الرشد الغي وضد الشر الخير والخير الذي يخرجه لفظ الشر ضمنا نظير الرشد قطعا وألغى الذي يخرجه لفظ الرشد ضمنا نظير الشر قطعا حصل من هذا الشكل أربعة الفاظ نطقان وضمنان فكان بهما رباعيان

وهذا الشكل الرباعي يقع في تفسيره على وجوه فقد يرد وبعضه مفسر مثل ما ذكرناه وقد يرد وكله مفسر كقوله تعالى فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى 4 فقابل صدق ب كذب وصلى الذي هو أقبل ب تولى

قوله لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما 5 اللغو في الحثيثة المنكرة والتأثيم في الحيثية الناكرة واللغو منشأ المنكر ومبدأ درجاته والتأثيم منشأ التكبر ومبدأ درجاته فلا نكير إلا بعد منكر ولا اعتقاد إنكار إلا بعد اعتقاد تأثيم ومنشأ اللغو في أول طرف المكروهات وآخره في طرف المحظورات ومبدأ التأثيم

ومن ذلك أيضا قوله تعالى أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك 6 فقابل الإفساد بالتسبيح والحمد وسفك الدماء بالتقديس

فالتسبيح بالحمد إذن ينفي الفساد والتقديس ينفي سفك الدماء والتسبيح شريعة للإصلاح والتقديس شريعة حقن الدماء وشريعة التقديس أشرف من شريعة التسبيح فإن التسبيح بالحمد للإصلاح لا للفساد وسفك الدماء للتسبيح لا للتقديس وهذا شكل مربع من أرضى وهو الإفساد وسفك الدماء وسمائي وهو التسبيح والتقديس والأرضي ذو فصلين والسمائي ذو فصلين ووقع النفس من الطرفين المتوسطين فالطرفان الإفساد في الطرف الأول والتقديس في الطرف الآخر والوسطان آخر الأرض وأول السماء فالأول متشرف على الآتي والاخر ملفت إلى الماضي % % وكم في كتاب الله من كل موجز % % يدور على المعنى وعنه يماصع 1 % % لقد جمع الإسم المحامد كلها % % مقاسيمها مجموعة والمشايع % $

وهذا القدر الذي ذكره هذا الحبر مرمى عظيم يوصل إلى أمور غير متجاسر عليها كما في آية الكرسي وغيرها

وقسم بعضهم المقابلة إلى أربع

أحدها أن يأتي بكل واحد من المقدمات مع قرينة من الثواني كقوله تعالى وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا 2

والثانية أن يأتي بجميع الثواني مرتبة من أولها كما قال تعالى ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله 3

وكذلك ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 4

الثالث أن يأتي بجميع المقدمات ثم بجميع الثواني مرتبة من آخرها ويسمى رد العجز على الصدر كقوله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون 1

الرابع أن يأتي بجميع المقدمات ثم بجميع الثواني مختلطة غير مرتبة ويسمى اللف كقوله تعالى وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب 2 فنسبة قوله متى نصر الله 2 إلى قوله والذين آمنوا كنسبة قوله يقول الرسول إلى ألا إن نصر الله قريب لأن القولين المتباينين يصدران عن متباينين

وكما قال تعالى ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين 3 فنسبة قوله ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه 3 إلى قوله فتكون من الظالمين 3 كنسبة قوله ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم 3 إلى قوله فتطردهم 3 فجمع المقدمين التاليين بالالتفات

وجعل بعضهم من أقسام التقابل مقابلة الشيء بمثله وهو ضربان

مقابل في اللفظ دون المعنى كقوله تعالى ومكروا مكرا ومكرنا مكرا 4

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر