علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٣ من ١٩٤

الجزء ١ — ص ١٢٢–١٣١

ومنه تقديم لفظ الضرر على النفع فى الأكثر لأن العابد يعبد معبودا خوفا من عقابه أولا ثم طمعا فى ثوابه

وحيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع وذلك فى سبعة مواضع ثلاثة منها بلفظ الاسم وهى فى الاعراف والرعد وسبأ وأربعة بلفظ الفعل وهى فى الأنعام ما لا ينفعنا ولا يضرنا وفى آخر يونس ما لا ينفعك ولا يضرك وفى الأنبياء ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم وفى الفرقان ما لا ينفعهم ولا يضرهم

أما فى الأعراف فلتقدم قوله من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فقدم الهداية على الضلال وبعد ذلك لاستكثرت من الخير وما مسني السوء فقدم الخير على السوء وكذا قدم النفع على الضر

أما فى الرعد فلتقدم الطوع فى قوله طوعا أو كرها

أما فى سبأ فلتقدم البسط فى قوله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر

وفى يونس قدم الضر على الأصل ولموافقة ما قبلها فإن فيها ما لا يضرهم ولا ينفعهم

وفيها وإذا مس الإنسان الضر فتكون الآية ثلاث مرات

وكذلك ما جاء بلفظ الفعل فلسابقة معنى يتضمن نفعا

أما الأنعام ففيها ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ثم وصله بقوله قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا

وفى يونس تقدم قوله ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين ثم قال ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك

وفى الأنبياء تقدم قول الكفار لإبراهيم فى المجادلة لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم

وفى الفرقان تقدم ألم تر إلى ربك كيف مد الظل نعما جمة فى الآيات ثم قال ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم

فتأمل هذه المواضع المطردة التى هى أعظم اتساقا من العقود ومن أمثلته قوله تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ثم قال سبحانه فى السورة واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا الآية

وفيها سؤالان

أحدهما أنه سبحانه فى الأولى قدم نفى قبول الشفاعة على أخذ العدل وفى الثانى قدم نفى قبول العدل على الشفاعة

السؤال الثانى أنه سبحانه وتعالى قال فى الأولى ولا يقبل منها شفاعة وفى الثانية ولا تنفعها شفاعة فغاير بين اللفظين فهل ذلك لمعنى يترتب عليه أو من باب التوسع فى الكلام والتنقل من أسلوب إلى آخر كما جرت عادة العرب

والجواب أن القرآن الحكيم وإن اشتمل على النقل من أسلوب إلى آخر لكنه يشتمل مع ذلك على فائدة وحكمة قال الله تعالى كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ولم يقل من رحمن ور رحيم للتنصيص على أنه لا بد من الحكمة وهاتان الآيتان كلاهما فى حق بنى إسرائيل وكانوا يقولون إنهم أبناء الأنبياء وأبناء أبنائهم وسيشفع لنا آباؤنا فأعلمهم الله أنه لا تنفعهم الشفاعة ولا تجزى نفس عن نفس شيئا

وتعلق بهذه الآية المعتزلة على نفى الشفاعة كما ذكره الزمخشرى وأجاب عنها أهل السنة بأجوبة كثيرة ليس هذا محلها

وذكر الله فى الآيتين النفس متكررة ثم أتى بضمير يحتمل رجوعه إلى الأولى أو إلى الثانية وإن كانت القاعدة عود الضمير إلى الأقرب ولكن قد يعود إلى غيره كقوله تعالى وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا فالضمير فى التعزير والتوقير راجع إلى النبى صلى الله عليه وسلم وفى التسبيح عائد إلى الله تعالى وهو متقدم على ذكر النبى صلى الله عليه وسلم فعاد الضمير على غير الأقرب

إذا علمت ذلك فقوله فى الأولى ولا يقبل منها شفاعة الضمير راجع إلى

النفس الأولى وهي الشفاعة لغيرها

فلما كان المراد في هذه الآية ذكر الشفاعة للمشفوع له أخبر أن الشفاعة غير مقبولة للمشفوع احتقارا له وعدم الاحتفاء به وهذا الخبر يكون باعثا للسامع في ترك الشفاعة إذا علم أن المشفوع عنده لا يقبل شفاعتة فيكون التقدير على هذا التفسير لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة لو شفعت يعنى وهم لا يشفعون فيكون ذلك مؤيسا لهم فيما زعموا أن آباءهم الأنبياء ينفعونهم من غير عمل منهم

وقوله ولا يؤخذ منها عدل إن جعلنا الضمير فى منها راجعا إلى الشافع أيضا فقد جرت العادة أن الشافع إذا أراد أن يدفع إلى المشفوع عنده شيئا ليكون مؤكدا لقبول شفاعته فمن هذا قدم ذكر الشفاعة على دفع العدل وإن جعلنا الضمير راجعا إلى المشفوع فيه فهو أحرى بالتأخير ليكون الشافع قد أخبره بأن شفاعته قد قبلت فتقديم العدل ليكون ذلك مؤسسا لحصول مقصود الشفاعة وهو ثمرتها للمشفوع فيه

وأما الآية الثانية فالضمير في قوله منها عدل راجع إلى النفس الثانية وهي النفس التي هي صاحبة الجريمة فلا يقبل منها عدل لأن العادة بذل العدل من صاحب الجريمة يكون مقدما على الشفاعة فيه ليكون ذلك أبلغ في تحصيل مقصوده فناسب ذلك تقديم العدل الذي هو الفدية من المشفوع له على الشفاعة

ففي هذه الآية بيان أن النفس المطلوبة بجرمها لا يقبل منها عدل عن نفسها ولا تنفعها شفاعة شافع فيها وقد بذل العدل للحاجة إلى الشفاعة عند من طلب ذلك منه ولهذا قال في الأولى ولا يقبل منها شفاعة وفي الثانية ولا تنفعها شفاعة لأن الشفاعة إنما تقبل من الشفاع وتنفع المشفوع له

وقال الراغب إنما كرر لا فيها على سبيل الإنذار بالواعظ إذا وعظ لأمر فإنه يكرر اللفظ لأجله تعظيما للآمر قال وأما تغييره النظم فلما كان قبول وأخذه وقبول الشفاعة ونفعها متلازمة لم يكن بين اتفاق هذه العبارات واختلافها فرق فى المعنى

وقال الإمام فخر الدين لما كان الناس متفاوتين فمنهم من يختار أن يشفع فيه مقدما على العدل الذى يخرجه ومنهم من يختار العدل مقدما على الشفاعة ذكر سبحانه وتعالى القسمين فقدم الشفاعة باعتبار طائفة وقدم العدل باعتبار أخرى

قال بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى الظاهر أنه سبحانه وتعالى إنما نفى قبول الشفاعة لا نفعها ونفى أصل العدل الذى هو الفداء وبدأ بالشفاعة لتيسيرها على الطالب أكثر من تحصيل العدل الذى هو الفداء على ما هو المعروف فى دار الدنيا وفى الآية الثانية أنه لما تقرر زيادة تأكيدها بدأ فيها بالأعظم الذى هو الخلاص بالعدل وثنى بنفع الشفاعة فقال ولا تنفعها شفاعة ولم يقل لا تقبل منها شفاعة وإن كان نفى الشفاعة يستلزم نفى قبولها لأن الشفاعة تكون نافعة غير مقبولة وتنفع لأغراض من وعد بخير وإبدال المشفوع بغيره فنفى النفع أعم فلم يكن بين نفى القبول ونفى النفع بالشفاعة تلازم كما ادعاه الراغب وكان التقدير بالفداء الذى هو نفى قبول العدل ونفى نفع الشفاعة شيئين مؤكدين لاستقرار ذلك فى الآية الثانية

ومما يدل على أن نفى الشفاعة أمر زائد نفى قبولها أنه سبحانه لما أخبر عن المشركين أخبر بنفى النفع لا بنفى القبول فقال فما تنفعهم شفاعة الشافعين وقال ولا تنفع الشفاعة عنده الآية

وفى الحديث الصحيح أنهم قالوا يا رسول الله هل نفعت عمك

أبا طالب فقال وجدته فنقلته إلى ضحضاح من النار مع علمهم أنه لا يشفع فيه فإن قيل فقد قال فى آخر السورة من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة فنفى الشفاعة ولم ينف نفعها

قيل من باب زيادة التأكيد أيضا فإنه سبحانه ذكر فى هذه الآية الأسباب المنجية فى الدنيا ونفاها هناك وهى إما البيع الذى يتوصل به الإنسان إلى المقاصد أو الخلة التى هى كمال المحبة وبدأ بنفى المحبة لأنه أعم وقوعا من الصداقة والمخالة وثنى بنفى الخلة التى هى سبب لنيل الأغراض فى الدنيا أيضا وذكر ثالثا نفى الشفاعة أصلا وهى أبلغ من نفى قبولها فعاد الأمر إلى تكرار الجمل فى الآيات ليفيد قوة الدلالة

الرابع بالتعريف والتنكير كقوله فى البقرة ويقتلون النبيين بغير الحق وفى آل عمران بغير حق

وقوله فى البقرة هذا بلدا آمنا وفى سورة إبراهيم هذا البلد آمنا لأنه للإشارة إلى قوله بواد غير ذي زرع ويكون بلدا هنا هو المفعول الثانى و آمنا صفته وفى إبراهيم البلد مفعول أول و آمنا الثانى

وقوله فى آل عمران وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم وفى الأنفال أن الله عزيز حكيم

وقوله فى حم السجدة فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم وفى الأعراف

إنه سميع عليم لأنها فى حم مؤكدة بالتكرار بقوله وما يلقاها إلا الذين صبروا فبالغ بالتعريف وليس هذا فى سورة الأعراف فجاء على الأصل المخبر عنه معرفة والخبر نكرة

الخامس بالجمع والإفراد كقوله فى سورة البقرة لن تمسنا النار إلا أياما معدودة وفى آل عمران معدودات لأن الأصل فى الجمع إذا كان واحد مذكر أن يقتصر فى الوصف على التأنيث نحو سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة فجاء فى البقرة على الأصل وفى آل عمران على الفرع

السادس إبدال حرف بحرف غيره كقوله تعالى فى البقرة اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا بالواو وفى الأعراف فكلا بالفاء وحكمته أن اسكن فى البقرة من السكون الذى هو الإقامة فلم يصلح إلا بالواو ولو جاءت الفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة والذى فى الأعراف من المسكن وهو اتخاذ الموضع سكنا فكانت الفاء أولى لأن اتخاذ المسكن لا يستدعى زمنا متجددا وزاد فى البقرة رغدا لقوله وقلنا بخلاف سورة الأعراف فإن فيها قال وذهب قوم إلى أن ما فى الأعراف خطاب لهما قبل الدخول وما فى البقرة بعد الدخول

ومنه قوله تعالى فى البقرة وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا بالفاء وفى الأعراف بالواو

فى البقرة ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ثم قال بعد ذلك من بعد ما جاءك

فى البقرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون وفى غيرها ولا هم ينظرون

فى البقرة وما أنزل إلينا وفى آل عمران علينا

فى الأنعام قل سيروا في الأرض ثم انظروا وفى غيرها قل سيروا في الأرض فانظروا

فى الأعراف وما كان جواب قومه بالواو وفى غيرها بالفاء

فى الأعراف آمنتم به وفى الباقى آمنتم له

فى سورة الرعد كل يجري لأجل مسمى وفى لقمان إلى أجل مسمى لا ثانى له

فى الكهف ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها وفى السجدة ثم أعرض عنها

فى طه أفلم يهد لهم بالفاء وفى السجدة أولم يهد لهم

فى القصص وما أوتيتم من شيء وفى الشورى فما أوتيتم بالفاء

فى الطور وأقبل بعضهم على بعض و واصبر لحكم ربك بالواو فيهما وفى الصافات فأقبل بعضهم على بعض وفى القلم فاصبر لحكم ربك بالفاء فيهما كما أن وبئس القرار و ويذبحون بالواو فيهما في إبراهيم

في الأعراف سقناه لبلد ميت وفي فاطر إلى بلد

السابع إبدال كلمة بأخرى

في البقرة ما ألفينا عليه آباءنا وفي لقمان وجدنا

في البقرة فانفجرت وفي الأعراف فانبجست

في البقرة فأزلهما الشيطان وفي الأعراف فوسوس لهما الشيطان

في آل عمران قالت رب أنى يكون لي ولد وفي مريم قالت أنى يكون لي غلام لأنه تقدم ذكره في لأهب لك غلاما زكيا

في النساء إن تبدوا خيرا أو تخفوه وفى الأحزاب شيئا أو تخفوه

فى الأنعام يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي والثانى يخرج بالفعل

فى الكهف ولئن رددت إلى ربي وفى حم ولئن رجعت

فى طه فلما أتاها وفى النمل فلما جاءها

فى طه وسلك لكم فيها سبلا وفى الزخرف وجعل لكم فيها سبلا

فى الأنبياء ما يأتيهم من ذكر من ربهم وفى الشعراء من الرحمن

فى النمل ويوم ينفخ في الصور ففزع وفى الزمر فصعق

فى الأحزاب فى أولها بما تعملون خبيرا وفيها بما تعملون بصيرا بعد وجنودا لم تروها

عذابا أليما بعد ليسأل الصادقين و عذابا مهينا بعد يؤذون الله ورسوله

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر