الجزء ٣ — ص ٢٥٢–٢٦١
السابع
الشرف وهو أنواع
منها شرف الرسالة كقوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي 1 فإن الرسول أفضل من النبي خلافا لابن عبد السلام
وقوله الذين يتبعون الرسول النبي الأمي 2 وكان رسولا نبيا 3 ومنها شرف الذكورة
كقوله تعالى إن المسلمين والمسلمات 4
وقوله ألكم الذكر وله الأنثى 5
وقوله رجالا كثيرا ونساء 6
وأما تقديم الإناث في قول تعالى يهب لمن يشاء إناثا 7 فلجبرهن إذ هن موضع الانكسار ولهذا جبر الذكور بالتعريف للإشارة إلى ما فاتهم من فضيلة التقديم
ويحتمل أن تقديم الإناث لأن المقصود بيان أن الخلق كله بمشيئة الله تعالى لا على وفق غرض العباد
ومنها شرف الحرية كقوله تعالى الحر بالحر والعبد بالعبد 8 ومن الغريب حكاية بعضهم قولين في أن الحر أشرف من العبد أم لا حكاه القرطبي في تفسير سورة النساء فلينظر فيه
ومنها شرف العقل كقوله تعالى يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات 1
وقوله متاعا لكم ولأنعامكم 2
وأما تقديم الأنعام عليهم في قوله تأكل منه أنعامهم وأنفسهم 3 فمن باب تقديم السبب وقد سبق
ومنها شرف الإيمان كقوله تعالى وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا 4 وكذلك تقديم المسلمين على الكافرين في كل موضع والطائع على العاصي وأصحاب اليمين عن أصحاب الشمال
ومنها شرف العلم كقوله تعالى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون 5
ومنها شرف الحياة كقوله تعالى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي 6
وقوله وما يستوي الأحياء ولا الأموات 7 وأما تقديم الموت في قوله تعالى الذي خلق الموت والحياة 8 فمن تقدم السبق بالوجود وقد سبق
ومنها شرف المعلوم نحو عالم الغيب والشهادة 9 فإن علم الغيبيات أشرف من المشاهدات
ومنه يعلم سركم وجهركم 10 يعلم ما تسرون وما تعلنون 11
وأما قوله فإنه يعلم السر وأخفى 1 أي من السر فعن ابن عباس وغيره السر ما أسررت في نفسك وأخفى منه ما لم تحدث به نفسك مما يكون في عد علم الله فيهما سواء ولا شك أن الآتي أبلغ وفيه وجهان
أحدهما أنه أفعل تفضيل يستدعي مفضلا عليه علم حتى يتحقق في نفسه فيكون حينئذ تقديم السر من النوع الأول
وثانيهما مراعاة رءوس الآي
ومنها شرف الإدراك كتقديم السمع على البصر والسميع على البصير لأن السمع أشرف على أرجح القولين عند جماعة وقدم القلب عليهما في قوله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة 2 لأن الحواس خدمة القلب وموصلة إليه وهو المقصود وأما قوله وختم على سمعه وقلبه 3 فأخر القلب فيها لأن العناية هناك بذم المتصامين عن السماع ومنهم الذين كانوا يجعلون القطن في آذانهم حتى لا يسمعوا ولهذا صدرت السورة بذكرهم في قوله ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها 4
ومنها شرف العجازاة كقوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة 5
ومنها شرف العموم فإن العام أشرف من الخاص كتقديم العفو على الغفور أي عفو عما لم يؤاخذنا به مما نستحقه بذنوبنا غفور لما واخذنا به في الدنيا قبلنا ورجعنا إليه فتقدم العفو على الغفور لأنه أعم وأخرت المغفرة لأنها أخص
ومنها شرف الإباحة للإذن بها كقوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام 1 وإنما تقديم الحرام في قوله فجعلتم منه حراما وحلالا 2 فللزيادة في التشنيع عليهم أو لأجل السياق لأن قبله فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا 3 ثم إنما حرم عليكم الميتة 4
ومنها الشرف بالفضيلة كقوله تعالى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين 5
وقوله ومنك ومن نوح 6
وقوله محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم 7 الآية
وقوله ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان 8
ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون 9
وقوله رب موسى وهارون 10 في الأعراف والشعراء فإن موسى استأثر باصطفائه تعالى له بتكليمه وكونه من أولى العزم
فإن قلت فقد جاء هارون وموسى في سورة طه بتقديم هارون
قلنا لتناسب رءوس الآي
ومنه تقديم جبريل على ميكائيل في قوله تعالى من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال 11 لأن جبريل صاحب الوحي والعلم وميكائيل
صاحب الأرزاق والخيرات النفسانية أفضل من الخيرات الجسمانية
ومنه تقديم المهاجرين في قوله تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار 1
وقوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار 2 ويدل على فضيلة الهجرة قوله صلى الله عليه وسلم لولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار وبالآية احتج الصديق على تفضيلهم وتعيين الإمامة فيهم
ومنه قوله صلوا عليه وسلموا تسليما 3 فإن الصلاة أفضل من السلام
وقوله وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين 4 قدم القريب لأن الصدقة عليه أفضل من الأجنبي
ومنه تقديم الوجه في قوله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم 5
وتقديم اليمين على الشمال في نحو جنتان عن يمين وشمال 6 عن اليمين وعن الشمال 7
ومنه تقديم الأنفس على الأموال في قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم 8 وأما تقديم الأموال في سورة الأنفال في قوله وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله 9 فوجه التقديم أن الجهاد يستدعي تقديم إنفاق الأمولا فهو من باب السبق بالسببية
ومنه محلقين رؤوسكم ومقصرين 10 فإن الحلق أفضل من التقصير
ومنه تقديم السموات على الأرض كقوله خلق الله السماوات والأرض بالحق 1 وهو كثير وكذلك كثير ما يقع السموات بلفظ الجمع والأرض لم تقع إلا مفردة
وأما تأخيرها عنها في قوله وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء 2 فلأنه لما ذكر المخاطبين وهو قوله ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه 2 وهو خطاب لأهل الأرض وعملهم يكون في الأرض وهذا بخلاف الآية التي في سبأ فإنها منتظمة في سياق علم الغيب
وكذلك قوله إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء 3
وأما تأخيرها عنها في قوله والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه 4 فلأن الآية في سياق الوعد والوعيد وإنما هو لأهل الأرض
وكذا قوله يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات 5
ومنه تقديم الإنس على الجن في قوله قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله 6 الاية
وقوله فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان 7
وقوله لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان 8
وقوله وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا 9
وقوله خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار 1
وأما تقديم الجن في مواضع أخر كقوله يا معشر الجن والإنس 2 فلأنهم أقدم في الخلق فيكون من النوع 3 الأول أعنى التقديم بالزمان ولهذا لما أخر في آية الحجر صرح بالقبلية بذكر الإنسان ثم قال والجان خلقناه من قبل 4
ويجوز أن يكون في الأمثلة السالفة من باب تقديم الأعجب لأن خلقها أغرب كقوله تعالى فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع 5
أو لأنهم أقوى أجساما وأعظم أقداما ولهذا قدموا في يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض 6 وفي وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير 7
ومنه تقديم السجد على الراكعين في قوله واسجدي واركعي مع الراكعين 8 وسبق فيه شيء آخر
ومنه تقديم الخيل على البغال والبغال على الحمير في قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها 9
ومنه تقديم الذهب على الفضة في قوله والذين يكنزون الذهب والفضة 10
فإن قلت فهل يجوز أن يكون من تقديم المذكر على المؤنث
قلت هيهات الذهب أيضا مؤنت ولهذا يصغر على ذهيبة ك قدم
ومنه تقديم الصوف في قوله ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها 1 ولهذا احتج به بعض الصوفية على اختيار لبس الصوف على غيره من الملابس وأنه شعار الملائكة في قوله مسومين 2 قيل سيماهم يؤمئذ الصوف وعن علي الصوف الأبيض رواه أبو نعيم في مدح الصوف وقال إنه شعار الأنبياء وقال ابن مسعود كانت الأنبياء قبلكم يلبسون الصوف وفي الصحيح في موسى عليه السلام عليه عباءة
ومنه تقديم الشمس على القمر في قوله تعالى والشمس والقمر 3 وقوله وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا 4 ولهذا قال تعالى جعل الشمس ضياء والقمر نورا 5 والحكماء يقولون إن نور القمر مستمد من نور الشمس قال الشاعر % % يا مفردا بالحسن والشكل % % من دل عينيك على قتلي % % البدر من شمس الضحى نوره % % والشمس من نورك تستملي % $
وأما قوله تعالى ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا 6 فيحتمل وجهين مناسبة رءوس الآي أو أن انتفاع أهل السموات به أكثر قال ابن الأنباري يقال إن القمر وجهه يضيء لأهل الشمس
وظهره إلى الأرض ولهذا قال تعالى فيهن لما كان أكثر نوره يضيء إلى أهل السماء
الثامن
الغلبة والكثرة
كقوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله 1 قدم الظالم لكثرته ثم المقتصد ثم السابق
وقوله فمنهم شقي وسعيد 2
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة 3
الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين 4
وجعل منه الزمخشري فمنكم كافر ومنكم مؤمن 5 يعني بدليل قوله وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين 6 وحديث بعث النار
وأما قوله فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا 7 قدم ذكر العذاب لكون الكلام مع اليهود الذين كفروا بعيسى وراموا قتله
وجعل من هذا النوع قوله تعالى والسارق والسارقة 8 لأن السرقة في الذكور أكثر
وقدم في الزنى المرأة في قوله الزانية والزاني 9 لأن الزنى فيهن أكثر وأما قوله
الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك 1 فقال الزمخشري سيقت الآية التي قبلها لعقوبتهما على ما جنيا والمرأة هي المادة التي نشأت منها الخيانة 2 لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له 3 وتمكنه لم يطمع ولم يتمكن فلما كانت أصلا وأولا في ذلك بدأ بذكرها وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه 3 لأنه هو الراغب والخاطب يبدأ الطلب 4
ومنه قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم 5 قال الزمخشري قدم غض البصر لأن النظر يريد الزنى ورائد الفجور والبلوى به أشد وأكثر ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه 6
ومنه تقديم الرحمة على العذاب حيث وقع في القرآن ولهذا ورد إن رحمتي غلبت غضبي
وأما تقديم التعذيب على المغفرة في آية المائدة 7 فللسياق
ومنه قوله تعالى إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم 8 قال ابن الحاجب في أماليه إنما قدم الأزواج لأن المقصود الإخبار أن فيهم أعداء ووقوع ذلك في الأزواج أقعد منه في الأولاد فكان أقعد في المعنى المراد فقدم ولذلك قدمت الأموال في قوله أنما أموالكم وأولادكم فتنة 9 لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى 10 أمرنا مترفيها ففسقوا فيها 11 وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها وكان تقدمها أولى
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر