علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٢٦ من ١٩٤

الجزء ٣ — ص ٢٤٢–٢٥١

1 أي الليل والنهار وقوله وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون 2

وهذه مسألة مهمة قل من تعرض لها أعنى سبق المكان على الزمان وقد صرح بها الإمام أبو جعفر الطبري في أول تاريخه واحتج 3 على ذلك بحديث ابن عباس إن الله خلق التربة يوم السبت وخلق الشمس والقمر وكان ذلك كله ولا ليل ولا نهار إذ كانا إنما هما أسماء لساعات معلومة من قطع الشمس والقمر درج الفلك 4 وإذا كان ذلك صحيحا وأنه لا شمس ولا قمر كان معلوما أنه لا ليل ولا نهار قال وحديث أبي هريرة يعني في صحيح مسلم صريح فيه فإن فيه وخلق الله 4 النور يوم الأربعاء قال ويعني به 5 الشمس إن شاء الله

والحاصل أن تأخر خلق الأيام عن بعض الأشياء المذكورة في الخبر لازم

فإن قلت الحديث كالمصرح بخلافه فإنه قال خلق الله التربة يوم السبت حين خلق البرية وهي أول المخلوقات المذكورة فلا يمكن أن يكون خلق الأيام كلها متأخرا عن ذلك

قلت قد نبه الطبري على جواب ذلك بما حاصله أن الله تعالى سمى أسماء الأيام قبل خلق التربة وخلق الأيام كلها ثم قدر كل يوم مقدارا فخلق التربة في مقدار يوم السبت قبل خلقه يوم السبت وكذا الباقي

وهذا وإن كان خلاف الظاهر لكن أوجبه ما قاله الطبري من أنه يتعين تأخير الأيام لما ذكرناه من الدليل المستفاد من الخبرين

والحاصل أن الزمان قسمان تحقيقي وتقديري والمذكور في الحديث التقديري

ومنه قوله تعالى رب المشرقين ورب المغربين 1 مشارق الأرض ومغاربها 2 ولذلك لما استغنى عن أحدهما ذكر المشرق فقد فقال ورب المشارق 3 إنا زينا السماء الدنيا 3

ومنه قوله تعالى الذي خلق الموت والحياة 4 وقوله وأنه هو أمات وأحيا 5 وكنتم أمواتا فأحياكم 6

ويمكن فيه وجوه آخر

منها أن فيه قهرا للخلق والمقام يقتضيه

ومنها أن حياة الإنسان كلاحياة ومآله إلى الموت ولا حياة إلا بعد الموت

ومنها أن الموت تقدم في الوجود إذ الإنسان قبل نفخ الروح فيه كان ميتا لعدم الروح وهذا إن أريد بالموت عدم الوجود بدليل وكنتم أمواتا فأحياكم وإن أريد به بعد الوجود فالناس منتازعون في الموت هل هو أمر وجودي كالحياة أولا

وقيل بالوقف فقالت الفلاسفة الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يكون حيا

والجمهور على أنه أمر وجودي يضاد الحياة محتجين بقوله الذي خلق الموت والحياة والحديث في الإتيان بالموت في صورة كبش وذبحه

وأجيب عن الآية بان الخلق بمعنى التقدير ولا يجب في المقدر أن يكون وجوديا وعن الثاني بأن ذلك على طريق التمثيل لبيان انقطاع الموت وثبوت الخلود

فإن قلنا عدمي فالتقابل بينه وبين الحياة تقابل العدم والملكة وعلى الصحيح تقابل التضاد وعلى القول بأنه وجودي يجب أن يقال تقديم الموت الذي هو عدم الوجود

لكونه سابقا أو معدوم الحياة الذي هو مفارقة الروح البدني يجوز أن يكون لكونه الغاية التي يساق إليها في دار الدنيا فهي العلة الغائبة بعدم تحقيقها لتحققه 1 فخص العلة العامة كما وقع تأكيده في قوله ثم إنكم بعد ذلك لميتون 2 أو تزهيدا في الدار الفانية وترغيبا فيما بعد الموت

فإن قيل فما وجه تقدم الحياة في قوله قال فيها تحيون وفيها تموتون 3 وقوله ومحياي ومماتي لله رب العالمين 4

قلنا إن كان الخطاب لآدم وحواء فلأن حياتهما في الدنيا سبقت الموت وإن كان للخلق بالخطاب لمن هو حي يعقبه الموت فما التقديم بالترتيب وكذا الآية بعده

فإن قيل فما وجه تقديم الموت على الحياة في الحكاية عن منكر البعث إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا 5

قلت لأجل مناسبة رءوس الآي

فإن قلت فما وجه تقدم التوفي على الرفع في قوله إني متوفيك ورافعك إلي 6 مع أن الرفع سابق

قيل فيه جوابان

أحدهما المراد بالتوفي النوم كقوله تعالى يتوفاكم بالليل 7

وثانيهما أن التاء في متوفيك زائدة أي موفيك عملك

ومنها سبق إنزال كقوله وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان 8 وقوله الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل 9

وأما قوله وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم 1 فإنما قدم القرآن منبها له على فضيلة المنزل إليهم

ومنها سبق وجوب كقوله تعالى اركعوا واسجدوا 2 وقوله تراهم ركعا سجدا 3

فإن قيل فقد قال واسجدي واركعي مع الراكعين

قيل يحتمل أنه كان في شريعتهم السجود قبل الركوع ويحتمل أن يراد بالركوع ركوع الركعة الثانية

وقيل المراد ب اركعي اشكري

وقيل أراد ب اسجدي صلي وحدك وب اركعي صلي في جماعة ولذلك قال مع الراكعين

ومنها سبق تنزيه كقوله تعالى آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه فبدأ بالرسول قبل المؤمنين ثم قال كل آمن بالله وملائكته فبدأ بالإيمان بالله لأنه قد يحصل بدليل العقل والعقل سابق في الوجود على الشرع ثم قال وملائكته مراعاة لإيمان الرسول فإنه يتعلق بالملك الذي هو جبريل أولا ثم بالكتاب الذي نزل به جبريل ثم بمعرفة نفسه أنه رسول وإنما عرف نبوة نفسه بعد معرفته بجبريل عليه السلام وإيمانه فترتب الذكر المنزل عليه بحسب ذلك فظهرت الحكمة والإعجاز فقال كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لأن الملك هو النازل بالكتاب وإن كان الكتاب أقدم من الملك ولكن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم للملك كانت قبل سماعه الكتاب وأما إيماننا نحن بالعقل آمنا بالله أي

بوجوده ولكن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم عرفنا اسمه وجوب النظر المؤدي إلى معرفته فآمنا بالرسول ثم بالكتاب المنزل عليه وبالملك النازل به فلو ترتب اللفظ على حسب إيماننا لبدأ بالرسول قبل الكتاب ولكن إنما ترتب على حسب إيمان الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم الذي هو إمام المؤمنين ذكره السهيلي في آماليه

وقال غيره في هذا الترتيب سر لطيف وذلك لأن النور والكمال والرحمة والخير كله مضاف إلى الله تعالى والوسائط في ذلك الملائكة والمقابل لتلك الرحمة هم الأنبياء والرسل فلا بد أولا من أصل وثانيا من وسائط وثالثا من حصول تلك الرحمة ورابعا من وصولها إلى المقابل لها والأصل المقتضى للخيرات والرحمة هو الله ومن أعظم رحمة رحم بها عباده إنزال كتبه إليهم والموصل لها هم الملائكة والمقابل لها المنزلة عليهم هم الأنبياء فجاء الترتيب على ذلك بحسب الوقائع $ الثاني & بالذات

كقوله تعالى مثنى وثلاث ورباع 1 ونحوه ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم 2 وقوله سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم 3 وكذلك جميع الأعداد كل مرتبة هي متقدمة على ما فوقها بالذات

وأما قوله تعالى إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم 4 فوجه تقديم المثنى أن المعنى حثهم على القيام بالنصيحة لله وترك الهوى مجتمعين متساويين أو منفردين متفكرين ولا شك أن الأهم حالة الاجتماع فبدأ بها

الثالث

بالعلة والسببية

كتقديم العزيز على الحكيم لأنه عز فحكم وتقديم العليم على الحكيم لأن الإتقان ناشىء عن العلم وكذا أكثر ما في القرآن من تقديم وصف العلم على الحكمة قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم 1

ويجوز أن يكون قدم وصف العلم هنا ليتصل بما يناسبه وهو لا علم لنا وفي غيره من نظائره لأنه صفات ذات فيكون من القسم قبله

ومنه قوله إياك نعبد وإياك نستعين 2 قدمت العبادة لأنها سبب حصول الإعانة

وقوله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين 3 فإن التوبة سبب الطهارة

وكذا ويل لكل أفاك أثيم 4 لأن الإفك سبب الإثم

وكذا وما يكذب به إلا كل معتد أثيم 5

وقوله وأنزلنا من السماء ماء طهورا لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا 6 قدم إحياء الأرض لأنه سبب إحياء الأنعام والأناسي وقدم إحياء الأنعام لأنه مما يحيا به الناس بأكل لحومها وشرب ألبانها

وكذا كل علة مع معلولها كقوله واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة 1 قيل قدم الأموال من باب تقديم السبب فإنه إنما شرع النكاح عند قدرته على مؤونته فهو سبب والتزويج سبب للتناسل ولأن المال سبب للتنعيم بالولد وفقده سبب لشقائه

وكذا تقديم البنات على البنين في قوله تعالى زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة 2 وأخر ذكر الذهب والفضة عن النساء والبنين لأنهما أقوى في الشهوة الجبلية من المال فإن الطبع يحث على بذل المال فيحصل النكاح والنساء أقعد من الأولاد في الشهوة الجبلية والبنون أقعد من الأموال والذهب أقعد من الفضة والفضة أقعد من الأنعام إذ هي وسيلة إلى تحصيل النعم فلما صدرت الآية بذكر الحب وكان المحبوب مختلف المراتب اقتضت حكمة الترتيب أن يقدم ما هو الأهم فالأهم في رتبة المحبوبات

وقال الزمخشري في قوله تعالى ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم 3 قدم 4 الشكر على الإيمان لأن العاقل ينظر إلى 5 ما عليه من النعمة العظيمة في خلقه وتعريضة للمنافع فيشكر شكرا مبهما فإذا انتهى به النظر إلى معرفة المنعم آمن به ثم شكر شكرا متصلا 6 فكان الشكر متقدما على الإيمان وكأنه أصل التكليف ومداره انتهى

وجعله غيره من عطف الخاص على العام لأن الإيمان من الشكر وخص بالذكر لشرفه

الرابع

بالرتبة

كتقديم سميع على عليم فإنه يقتضى التخويف والتهديد فبدأ بالسميع لتعلقه بالأصوات وإن من سمع حسك فقد يكون أقرب إليك في العادة ممن يعلم وإن كان علم الله تعلق بما ظهر وما بطن

وكقوله غفور رحيم 1 فإن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة وإنما تأخرت في آية سبأ في قوله الرحيم الغفور لأنها منتظمة في سلك تعداد أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم وهو قوله ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور 2 فالرحمة شملتهم جميعا والمغفرة تخص بعضا والعموم قبل الخصوص بالرتبة

وقوله تعالى هماز مشاء بنميم 2 فإن الهماز هو المغتاب وذلك لا يفتقر إلى شيء بخلاف النميمة

وقوله يأتوك رجالا وعلى كل ضامر 4 فإن الغالب أن الذين يأتون رجالا من مكان قريب والذين يأتون على الضامر من البعيد ويحتمل أن يكون من التقديم بالشرف لأن الأجر في المشي مضاعف

وأما قوله تعالى فإن خفتم فرجالا أو ركبانا 5 مع أن الراكب متمكن من الصلاة أكثر من الماشي فجبرا له في باب الرخصة

ومنه قوله تعالى أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود 1 فقدم الطائفين لقربهم من البيت ثم ثنى بالقائمين وهم العاكفون لأنهم يخصون موضعا بالعكوف والطواف بخلافه فكان أعم منه والأعم قبل الأخص ثم ثلث بالركوع لأن الركوع لا يلزم أن يكون في البيت 2 ولا عنده

ثم في هذه الآية ثلاثة أسئلة

الأول كيف جمع الطائفين والقائمين جمع سلامة والركع جمع تكسير والجواب أن جمع السلامة أقرب إلى لفظ الفعل فطائفون بمنزلة يطوفون ففي لفظة إشعار بصلة التطهير وهو حدوث الطواف وتجدده ولو قال بالطواف لم يفد ذلك لأن لفظ المصدر يخفي ذلك وكذا القول في القائمين وأما الراكعون فلما سبق أنه لا يلزم كونه في البيت ولا عنده فلهذا لم يجمع جمع سلامة إذ لا يحتاج فيه إلى بيان الفعل الباعث على التطهير كما احتيج فيما قبله

الثاني كيف وصف الركع بالسجود ولم يعطف بالواو

والجواب لأن الركع هم السجود والشيء لا يعطف على نفسه لأن السجود يكون عبارة عن المصدر وهو هنا عبارة عن الجمع فلو عطف بالواو لأوهم إرادة المصدر دون اسم الفاعل لأن الراكع إن لم يسجد فليس براكع شرعا ولو عطف بالواو لأوهم أنه مستقل كالذي قبله

الثالث هلا قيل السجد كما قيل الركع وكما جاء في آية أخرى تراهم ركعا سجدا والركوع قبل السجود والجواب أن السجود يطلق على وضع الجبهة بالأرض وعلى الخشوع فلو قال المسجد لم يتناول إلا المعنى الظاهر ومنه تراهم ركعا سجدا

وهو من رؤية العين ورؤية العين لا تتعلق إلا بالظاهر فقصد بذلك الرمز إلى السجود المعنوي والصوري بخلاف الركوع فإنه ظاهر في أعمال الظاهر التي يشترط فيها البيت كما في الطواف والقيام المتقدم دون أعمال القلب فجعل السجود وصفا للركوع وتتميما له لأن الخشوع روح الصلاة وسرها الذي شرعت له

الخامس

بالداعية

كتقدم الأمر بغض الأبصار على حفظ الفروج في قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم 1 لأن البصر داعية إلى الفرج لقوله صلى الله عليه وسلم العينان تزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه

السادس

التعظيم

كقوله ومن يطع الله والرسول 2

وقوله إن الله وملائكته يصلون على النبي 3

شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم 4

إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا 5

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر