علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٢٨ من ١٩٤

الجزء ٣ — ص ٢٦٢–٢٧١

التاسع

سبق ما يقتضى تقديمه

وهو دلالة السياق كقوله تعالى ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون 1 لما كان إسراحها وهي خماص وإراحتها وهي بطان قدم الإراحة لأن الجمال بها حينئذ أفخر

وقوله وجعلناها وابنها آية للعالمين 2 لأن السياق في ذكر مريم في قوله والتي أحصنت فرجها 2 ولذلك قدم الابن في غير هذا المكان قال تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية 3

وقوله ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما 4 فإنه قدم الحكم مع أن العلم لا بد من سبقه للحكم ولكن لما كان السياق في الحكم قدمه قال تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين 5 ويحتمل أن المراد بالحكم الحكمة وبها فسر الزمخشري قوله تعالى في سورة يوسف ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما 6 وأما تقديم الحكيم على العليم في سورة الانعام 7 فلأنه مقام تشريع الأحكام وأما في أول سورة يوسف فقدم العليم على الحكيم 8 لقوله في آخرها وعلمتني من تأويل الأحاديث

ومنه تقديم المحو على الإثبات في قوله يمحو الله ما يشاء ويثبت 1 فإن قبله لكل أجل كتاب 2 ويمكن أن يقال ما يقع عليه المحو أقل مما يقع عليه غيره ولا سيما على قراءة تشديد يثبت فإنها ناصة على الكثرة والمراد به الاستمرار لا الاستئناف

وقوله ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته 3

ومنه قوله تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا 2 قدم رسلا هنا على من قبلك وفي غير هذه 4 بالعكس لأن السياق هنا في الرسل

ومنه قوله تعالى والله يقبض ويبسط 5 قدم القبض لأن قبله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة 5 وكان هذا بسطا فلا يناسب تلاوة البسط فقدم القبض لهذا وللترغيب في الإنفاق لأن الممتنع منه سببه خوف القلة فبين أن هذا لا ينجيه فإن القبض مقدر ولا بد

العاشر

مراعاة اشتقاق اللفظ

كقوله لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر 6 علمت نفس ما قدمت وأخرت 7

ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر 8

قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم 1

ثلة من الأولين وثلة من الآخرين 2

ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين 3

وأما قوله فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون 4 فقدم نفي التأخير لأنه الأصل في الكلام وإنما ذكر التقدم مع عدم إمكان التقدم نفيا لأطراف الكلام كله

وكقوله إنه هو يبدئ ويعيد 5

وقوله كما بدأكم تعودون 6

لله الأمر من قبل ومن بعد 7

له الحمد في الأولى والآخرة 8

وقوله هو الأول والآخر 9 في الدنيا والآخرة 10

فإن قلت قد جاء فأخذه الله نكال الآخرة والأولى 11 أم للإنسان ما تمنى فلله الآخرة والأولى 12

قلت لمناسبة رءوس الآى

ومثله هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين 1 ولأن الخطاب لهم فقدموا

الحادي عشر

للحث عليه خيفة من التهاون به

كتقديم تنفيذ الوصية على وفاء الدين في قوله من بعد وصية يوصي بها أو دين 2 فإن وفاء الدين سابق على الوصية لكن قدم الوصية لأنهم كانوا يتساهلون بتأخيرها بخلاف الدين

ونظيره يهب لمن يشاء إناثا 3 قدم الإناث حثا على الإحسان إليهم

وقال السهيلي في النتائج 4 إنما قدمت الوصية لوجهين

أحدهما أنها قربة إلى الله تعالى بخلاف الدين الذي تعوذ الرسل منه فبدىء بها للفضل

والثاني أن الوصية للميت والدين لغيره ونفسك قبل نفس غيرك تقول هذا لي وهذا لغيري ولا تقول في فصيح الكلام هذا لغيري وهذا لي

الثاني عشر

لتحقق ما بعده واستغنائه هو عنه في تصوره

كقوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات 5

وقوله ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا 1

وقوله والذين عملوا السيئات ثم تابوا 2

الثالث عشر

الاهتمام عند المخاطب

كقوله فحيوا بأحسن منها أو ردوها 3

ونظيره قوله عليه السلام وأن تقرأ السلام على من عرفته ومن لم تعرفه

$ وقله ولذي القربى واليتامى والمساكين 4 لفضل الصدقة على القريب

وكقوله ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة 5

وقوله ودية مسلمة إلى أهله 5 فقدم الكفارة على الدية وعكس في قتل المعاهد حيث قال وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة 5

قال الماوردي في الحاوي 6 ووجهه أن المسلم يرى تقديم حق الله على نفسه والكافر يرى تقديم نفسه على حق الله قال وقال ابن أبي هريرة 7 إنما خالف بينهما ولم يجعلهما على نسق واحد لئلا يلحق بهما ما بينهما من قتل المؤمن في دار الحرب في قوله فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة 5 فضم إليه الدية إلحاقا بأحد الطرفين فأزال هذا الاحتمال باختلاف اللفظين

وقال الفقيه نجم الدين بن الرفعة 1 يحتمل أن يقال إنه لما كان الكفر يهدر الدماء وهو موجود كان الغاية ببذل الدم عند العصمة لأجل الميثاق أتم لأنه يغمض حكمته فلذلك قدمت الدية فيه وأخرت الكفارة لأن حكمها قد سبق ولما كانت عصمة المسلم ثابتة وقياس الأصول أنه لا تجب الكفارة في قتل الخطأ لأنه لا إثم فيه خصوصا على المسلمين لرفع القلم عن الخطأ كانت العناية بذكر الكفارة فيه أتم لأنها التي تغمض فقدمت

ومن هذا النوع قوله تعالى فأتبع سببا حتى إذا بلغ مغرب الشمس 2 قيل لماذا بدأ بالمغرب قبل المشرق وكان مسكن ذي القرنين من ناحية المشرق قيل لقصد الاهتمام إما لتمرد أهله وكثرة طغيانهم في ذلك الوقت أو غير ذلك مما لم ينته إلينا علمه

ومن هذا أن تأخر المقصود بالمدح والذم أولى من تقدمه كقوله نعم الرجل زيد أحسن من قولك زيد نعم الرجل لأنهم يقدمون الأهم وهم في هذا بذكر المدح والذم أهم

فأما تقديمه في قوله تعالى نعم العبد إنه أواب 3 فإن الممدوح هنا بنعم العبد هو سليمان عليه السلام وقد تقدم ذكره وكذلك أيوب في الآية الآخرى والمخصوص بالمدح في الآيتين ضمير سليمان وأيوب وتقديره نعم العبد هو إنه أواب

الرابع عشر

للتنبيه على أنه مطلق لا مقيد

كقوله تعالى وجعلوا لله شركاء الجن 4 على القول بأن الله في موضع المفعول الثاني ل جعل و شركاء مفعول أول ويكون الجن في كلام ثان مقدر

كأنه قيل فمن جعلوا شركاء قيل الجن وهذا يقتضى وقوع الإنكار على جعلهم لله شركاء على الإطلاق فيدخل مشركة غير الجن ولو أخر فقيل وجعلوا الجن شركاء لله كان الجن مفعولا أولا وشركاء ثانيا فتكون الشركة مقيدة غير مطلقة لأنه جرى على الجن فيكون الإنكار توجه لجعل المشاركة للجن خاصة وليس كذلك وفيه زيادة سبقت

الخامس عشر

للتنبيه على أن السبب مرتب

كقوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم 1 قدم الجباه ثم الجنوب لأن مانع الصدقة في الدنيا كان يصرف وجهه أولا عن السائل ثم ينوه بجانبه ثم يتولى بظهره

السادس عشر

التنقل

وهو أنواع إما من الأقرب إلى الأبعد كقوله يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء 2 قدم ذكر المخاطبين على من قبلهم وقدم الأرض على السماء

وكذلك قوله إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء 3 لقصد الترقي

وقوله قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم 1

وإما بالعكس كقوله في اول الجاثية إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة 2

وإما من الأعلى كقوله شهد الله أنه لا إله إلا هو 3

وقوله ما كنت تعلمها أنت ولا قومك 4

وإما من الأدنى كقوله ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة 5

وقوله ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة 6

وقوله لا تأخذه سنة ولا نوم 7

فإن قلت لم لا اكتفي بنفي الأدنى ليعلم منه نفى الأعلى بطريق الأولى قلت جوابه مما سبق من التقديم بالزمان

وكقوله ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون 8 الآية وبهذا يتبين فساد استدلال المعتزلة على تفضيل الملك على البشر بقوله لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله 9 فإنهم زعموا أن سياقها يقتضي الترقي من الأدنى إلى الأعلى إذ لا يحسن أن يقال لا يستنكف فلان عن خدمتك ولا من دونه بل ولا من فوقه

وجوابه أن هؤلاء لما عبدوا المسيح واعتقدوا فيه الولدية لما فيه من القدرة على الخوارق

والمعجزات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغيره ولكونه خلق من غير تراب والتزهيد في الدنيا وغالب هذه الامور هي للملائكة أتم وهم فيها أقوى فإن كانت هذه الصفات أوجبت عبادته فهو مع هذه الصفات لا يستنكف عن عبادة الله بل ولا من هو أكبر منه في هذه الصفات للترقي من الأدنى إلى الأعلى في المقصود ولم يلزم منه الشرف المطلق والفضيلة على المسيح

السابع عشر

الترقي

كقوله ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها 1 الآية فإنه سبحانه بدأ منها بالأدنى لغرض الترقي لأن منفعة الرابع أهم من منفعة الثالث فهو أشرف منه ومنفعة الثالث أعم من منفعة الثاني ومنفعة الثاني أعم من منفعة الأول فهو أشرف منه

وقد قرن السمع بالعقل ولم يقرن به البصر في قوله ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون 2 وما قرن بالأشرف كان أشرف وحكى ذلك عن علي بن عيسى الربعي

قال الشيخ أبو الفتح القشيري

فإن قيل قد كان الأولى أن يقدم الوصف الأعلى ثم ما دونه حتى ينتهي إلى أضعفها لأنه إذا بدا بسلب الوصف الأعلى ثم بسلب مادونه كان ذلك أبلغ في الذم

لأنه لا يلزم من سلب الأعلى سلب ما دونه كما تقول ليس زيد بسلطان ولا وزير ولا أمير ولا وال والغرض من الآية المبالغة في الذم

قلت ما ذكرته طريق حسنة في علم المعاني والمقصود من الآية طريقة أخرى وهي أنه تعالى أثبت أن الأصنام التي تعبدها الكفار امثال الكفار في أنها مقهورة مربوبة ثم حطها عن درجة المثلية بنفي هذه الصفات الثابتة للكفار عنها وقد علمت أن المماثلة بين الذوات المتنائية إنما تكون باعتبار الصفات الجامعة بينها إذ هي أسباب في ثبوت المماثلة بينها وتقوى المماثلة بقوة أسبابها وتضعف بضعفها فإذا سلب وصف ثابت لإحدى الذاتين عن الأخرى انتفى وجه من المماثلة بينهما ثم إذا سلب وصف من الأول انتفى وجه من المماثلة أقوى من الأول ثم لا يزال يسلب أسباب المماثلة أقواها فأقواها حتى تنتفي المماثلة كلها بهذا التدريج وهذه الطريقة ألطف من سلب أسباب المماثلة أقواها ثم أضعفها فأضعفها

الثامن عشر

مراعاة الإفراد

فإن المفرد سابق على الجمع كقوله تعالى المال والبنون وقوله من مال وبنين 2 ولهذا لما عبر عن المال بالجمع أخر عن البنين في قوله زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة 3

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر