علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٢٥ من ١٩٤

الجزء ٣ — ص ٢٣٢–٢٤١

ومنها باب علمت أنك قائم إذا جعلنا الجملة سادة مسد المفعولين فإن الجملة محلة لاسم واحد سد مسد اسمين مفعولين من غير حذف

ومنه باب النائب عن الفاعل في ضرب زيد ف زيد دل على الفاعل بإعطائه حكمه وعلى المفعول بوضعه

ومنها جميع أدوات الاستفهام والشرط فإن كم مالك يغنى عن عشرين أو ثلاثين و من يقم أكرمه 1 يغنى عن زيد وعمرو قال ابن الأثير في الجامع

ومنه الألفاظ اللازمة للعموم مثل أحد وديار قاله ابن الأثير ايضا

ومنه لفظ الجمع فإن الزيدين يغنى عن زيد وزيد وزيد وكذا التثنية أصلها رجل ورجل فحذفوا العطف والمعطوف وأقاموا حرف الجمع والتثنية مقامهما اختصارا وصح ذلك لاتفاق الذاتين في التسمية بلفظ واحد فإن اختلف لفظ الاسمين رجعوا إلى التكرار بالعطف نحو مررت بزيد وبكر

منه باب الضمائر على ما سيأتي بيانه في قاعدة الضمير

ومنه لفظ فعل فإنه يجيء كثيرا كناية عن أفعال متعددة قال تعالى لبئس ما كانوا يفعلون 2 ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به 3

فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا 4 أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله

$ القول في التقديم والتأخير

هو أحد أساليب البلاغة فإنهم أتوا به دلالة على تمكنهم في الفصاحة وملكتهم في الكلام وانقياده لهم وله في القلوب أحسن موقع وأعذب مذاق

وقد اختلف في عدة من المجاز فمنهم من عده منه لأنه تقديم ما رتبته التأخير كالمفعول وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل نقل كل واحد منهما عن رتبته وحقه

والصحيح أنه ليس منه فإن المجاز نقل ما وضع له إلى ما لم يوضع

ويقع الكلام فيه في فصول

الفصل الأول

في أسباب التقديم والتأخير

الأول في أسبابه وهي كثيرة

أحدها أن يكون أصله التقديم ولا مقتضى للعدول عنه كتقديم الفاعل على المفعول والمبتدأ على الخبر وصاحب الحال عليها نحو جاء زيد راكبا

والثاني أن يكون في التأخير إخلال ببيان المعنى كقوله تعالى وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه 1 فإنه لو أخر قوله من آل فرعون فلا يفهم أنه منهم

وجعل السكاكي 2 من الأسباب كون التأخير مانعا مثل الإخلال بالمقصود

كقوله تعالى وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا 1 بتقديم الحال أعنى من قومه على الوصف أعنى الذين كفروا ولو تأخر 2 لتوهم أنه من صفة الدنيا لأنها هاهنا اسم تفضيل من الدنو وليست أسما والدنو يتعدى ب من وحينئذ يشتبه الأمر في القائلين أنهم أهم من قومه أم لا فقدم لاشتمال التأخير على الإخلال ببيان المعنى المقصود وهو كون القائلين من قومه وحين أمن هذا الإخلال بالتأخير قال تعالى في موضع آخر من هذه السورة فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم 3 بتأخير المجرور عن صفة المرفوع

الثالث أن يكون في التأخير إخلال بالتناسب فيقدم 4 لمشاكلة الكلام ولرعاية الفاصلة كقوله واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون 5 بتقديم إياه على تعبدون لمشاكلة رءوس الآي وكقوله فأوجس في نفسه خيفة موسى 6 فإنه لو أخر في نفسه عن موسى فات تناسب الفواصل لأن قبله يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى 6 وبعده إنك أنت الأعلى 6

وكقوله وتغشى وجوههم النار 7 فإن تأخير الفاعل عن المفعول لمناسبته لما بعده

وكقوله إن الله سريع الحساب 7 وهو أشكل بما قبله لأن قبله مقرنين في الأصفاد 8

وجعل منه السكاكي 1 آمنا برب هارون وموسى 2 بتقديم هارون مع أن موسى أحق بالتقديم

الرابع لعظمة والاهتمام به وذلك أن من عادة العرب الفصحاء إذا أخبرت عن مخبر ما وأناطت به حكما وقد يشركه غيره في ذلك الحكم أو فيما أخبر به عنه وقد عطفت أحدهما على الآخر بالواو المقتضية عدم الترتيب فإنهم مع ذلك إنما يبدءون بالأهم والأولى قال سيبويه كأنهم يقدمون الذي شأنه أهم لهم وهم ببيانه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم انتهى

قال تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة 3 فبدأ بالصلاة لأنها أهم

وقال سبحانه وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول 4

وقال تعالى إياك نعبد وإياك نستعين 5 فقدم العبادة للاهتمام بها

ومنه تقدير المحذوف في بسم الله مؤخرا

وأوردوا قرأ باسم ربك 6 وأجيب بوجهين

أحدهما أن تقديم الفعل هناك أهم لأنها أول سورة نزلت

والثاني أن باسم ربك متعلق ب اقرأ 6 الثاني ومعنى الأول أوجد القراءة والقصد التعميم

الخامس أن يكون الخاطر ملتفتا إليه والهمة معقودة به وذلك كقوله تعالى

وجعلوا لله شركاء 1 بتقديم المجرور على المفعول الأول لأن الإنكار متوجه إلى الجعل لله لا إلى مطلق الجعل

السادس أن يكون التقديم لإرادة التبكيت والتعجيب من حال المذكور كتقديم المفعول الثاني على الأول في قوله تعالى وجعلوا لله شركاء الجن 1 والأصل الجن شركاء وقدم لأن المقصود التوبيخ وتقديم الشركاء أبلغ في حصوله

ومنه قوله تعالى في سورة يس وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى 2 وسنذكره

السابع الاختصاص وذلك بتقديم المفعول والخبر والظرف والجار والمجرور ونحوها على الفعل كقوله تعالى إياك نعبد 3 أي نخصك بالعبادة فلا نعبد غيرك

وقوله إن كنتم إياه تعبدون 4 أي إن كنتم تخصونه بالعبادة

والخبر كقوله قال أراغب أنت عن آلهتي 5 وقوله وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله 6

وأما تقديم الظرف ففيه تفصيل فإن كان في الإثبات دل على الاختصاص كقوله تعالى إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم 7 وكذلك له الملك وله الحمد 8 فإن ذلك يفيد اختصاص ذلك بالله تعالى وقوله لإلى الله تحشرون 9

أي لا إلى غيره وقوله لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا 1 أخرت صلة الشهادة في الأول وقدمت في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم

وقوله وأرسلناك للناس رسولا 2 أي لجميع الناس من العجم والعرب على أن التعريف للاستغراق

وإن كان في النفي فإن تقديمه يفيد تفضيل المنفى عنه كما في قوله تعالى لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون 3 أي ليس في خمر الجنة ما في خمرة غيرها من الغول

وأما تأخيره فإنها تفيد النفي فقط كما في قوله لا ريب فيه 4 فكذلك إذا قلنا لاعيب في الدار كان معناه نفي العيب في الدار وإذا قلنا لا في الدار عيب كان معناه أنها تفضل على غيرها بعدم العيب $ تنبيه

ما ذكرناه من أن تقديم المعمول يفيد الاختصاص فهمه الشيخ أبو حيان في كلام الزمخشري وغيره والذي عليه محققو البيانيين أن ذلك غالب لا لازم بدليل قوله تعالى كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل 5 وقوله أفي الله شك 6 إن جعلنا ما بعد الظرف مبتدأ

وقد رد صاحب الفلك 7 الدائر القاعدة بالآية الأولى وكذلك ابن الحاجب والشيخ أبو حيان وخالفوا البيانيين في ذلك وأنت إذا علمت أنهم

ذكروا في ذلك قيد الغلبة سهل الأمر نعم له شرطان

أحدهما ألا يكون المعمول مقدما بالوضع فإن ذلك لا يسمى تقديما حقيقة كأسم الاستفهام وكالمبتدأ عند من يجعله معمولا لخبره

والثاني ألا يكون التقديم لمصلحة التركيب مثل وأما ثمود فهديناهم 1 على قراءة النصب

وقد اجتمع الاختصاص وعدمه في آية واحدة وهي قوله أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف 2 التقديم في الأول قطعا ليس للاختصاص بخلاف الثاني

الفصل الثاني

في انواعه

وهي إما أن يقدم والمعنى عليه أو يقدم وهو في المعنى مؤخر أو بالعكس

النوع الأول

ما قدم والمعنى عليه

ومقتضياته كثيرة قد يسر الله منها خمسا وعشرين ولله در ابن عبدون في قوله % % سقاك الحيا من معان سفاح % % فكم لي بها من معان فصاح %

أحدها $ السبق

وهو أقسام منها السبق بالزمان والإيجاد كقوله تعالى إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي 1 قال ابن عطية المراد بالذين اتبعوه في زمن الفترة

وقوله الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس 2 فإن مذهب أهل السنة تفضيل البشر وإنما قدم الملك لسبقه في الوجود

وقوله يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك 3 فإن الأزواج أسبق بالزمان لأن البنات أفضل منهن لكونهن بضعة منه صلى الله عليه وسلم

وقوله هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين 4

واعلم أنه ينضم إليه مع ذلك التشريف كقوله إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران 5

وقوله ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى 6

صحف إبراهيم وموسى 7

وأما قوله أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى 8 فإنما قدم ذكر موسى لوجهين أحدهما أنه في سياق الاحتجاج عليهم بالترك وكانت صحف موسى منتشرة أكثر انتشارا من صحف إبراهيم وثانيهما مراعاة رءوس الآى

وقد ينضم إليه التحقير كما في قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين 1 تقدم اليهود لأنهم كانوا أسبق من النصارى ولأنهم كانوا أقرب إلى المؤمنين بالمجاورة

وقد لا يلحظ هذا كقوله تعالى وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم 2 وقوله وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى 3

ومن التقديم بالإيجاد تقديم السنة على النوم في قوله لا تأخذه سنة ولا نوم 4 لأن العادة في البشر أن تأخذ العبد السنة قبل النوم فجاءت العبارة على حسب هذه العادة

ذكره السهيلي وذكر معه وجها آخر وهو أنها وردت في معرض التمدح والثناء وافتقاد السنة أبلغ في التنزيه فبدىء بالأفضل لأنه إذا استحالت عليه السنة فأحرى أن يستحيل عليه النوم

ومنه تقديم الظلمة على النور في قوله تعالى وجعل الظلمات والنور 5 فإن الظلمات سابقة على النور في الإحساس وكذلك الظلمة المعنوية سابقة على النور المعنوي قال تعالى والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة 6 فانتفاء العلم ظلمة وهو متقدم بالزمان على نور الإدراكات

ومنه تقديم الليل على النهار وجعلنا الليل والنهار آيتين 7 سيروا فيها ليالي وأياما آمنين 8 بل مكر الليل والنهار 9 حين تمسون وحين تصبحون

1 ولذلك اختارت العرب التاريخ بالليالي دون الأيام وإن كانت الليالي مؤنثة والأيام مذكرة وقاعدتهم تغليب المذكر إلا في التاريخ

فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار 2

قلت استشكل الشيخ أبو محمد بن عبد السلام في قواعده 3 بالإجماع على سبق الليلة على اليوم وأجاب بأن المعنى تدرك القمر في سلطانه وهو الليل أي لا تجيء الشمس في أثناء 24 الليل فقوله بعده ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون 2 أي لا يأتي في بعض سلطان الشمس وهو النهار وبين الجملتين مقابلة

فإن قيل قوله تعالى يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل 5 مشكل على هذا لأن الإيلاج إدخال الشيء في وهذا البحث ينافيه

قلت المشهور في معنى الآية أن الله يزيد في زمن الشتاء مقدارا من النهار ومن 6 النهار في الصيف مقدارا من الليل وتقدير الكلام يولج بعض مقدار الليل في النهار وبعض مقدار النهار في الليل وعلى غير المشهور يجعل الليل في المكان الذي كان فيه النهار ويجعل النهار في المكان الذي كان فيه الليل والتقدير يولج الليل في مكان النهار ويولج النهار في مكان الليل

ومنه تقديم المكان على الزمان في قوله خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر