الجزء ٣ — ص ٢٠٢–٢١١
الجن شركاء لله تعظيما لاسم الله تعالى لأن شأن الله أعظم في النفوس فإذا قدم لله والكلام فيه يستدعي طلب المجعول له ما هو فقيل شركاء وقع في غاية التشنيع لأن النفس منتظرة لهذا المهم المعلق بهذا المعظم نهاية التعظيم فإذا علم أنه علق به هذا المستبشع في النهاية كان أعظم موقعا من العكس لأنه إذا قيل وجعلوا شركاء لم يعطه تشوف النفوس لجواز أن يكون جعلوا شركاء في أموالهم وصدقاتهم أو غير ذلك
الثالث أن الجعل غالبا لا يتعلق بالله ويخبر به إلا وهو جعل مستقبح كاذب إذ لا يستعمل جعل الله رحمة ومشيئة وعلما ونحوه لا سيما بالاستقراء القرآني ك ويجعلون لله البنات 1 ويجعلون لله ما يكرهون 2 إلى غير ذلك
الرابع أن أصل الجعل وإن جاز وإسناده إلى الله فيما إذا كان الأمر لائقا فإن بابه مهول لأن الله تعالى قد علمنا عظيم خطره وألا نقول فيه إلا بالعلم كقوله وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون 3 وإن الظن لا يغني من الحق شيئا 4 إلى غير ذلك مع ما دل عليه الأدب عقلا وكان نفس الجعل مستنكرا إن لم يتبع بمجعول لائق فإذا أتبع بمجعول غير لائق منهم ثم فسر بخاص مستنكر صار قوله وجعلوا لله شركاء الجن في قوة إنكار ذلك ثلاث مرات الأول جسارتهم في أصل الجعل الثاني في كون المجعول شركاء الثالث في أنهم شركاء جن
الخامس أن في تقديم لله إفادة تخصيصهم إياه بالشركة على الوجه الثالث دون جميع ما يعبدون لأنه الإله الحق
السادس نه جيء بكلمة جعلوا لا اعتقدوا ولا قالوا لأنه أدل على إثبات المعتقد لأنه يستعمل في الخلق والإبداع
السابع كلمة شركاء ولم يقل شريكا وفاقا لمزيد ما فتحوا من اعتقادهم
الثامن لم يقل جنا وإنما قال الجن دلالة على أنهم اتخذوا الجن كلها جعلوه من حيث هو صالح لذلك وهو أقبح من التنكير الذي وضعه للمفردات المعدولة
الرابع أن يدل عليه معنى الفعل الظاهر كقوله تعالى انتهوا خيرا لكم 1 أي وائتوا أمرا خيرا لكم فعند سيبويه أن خيرا 2 انتصب بإضمار ائت لأنه لما نهاء علم أنه يأمره بما هو خير فكأنه قال وائتوا خيرا لأن النهي عن الشيء أمر بضده ولأن النهي تكليف وتكليف العدم محال لأنه ليس مقدورا فثبت أن متعلق التكليف أمر وجودي ينافي المنهى عنه وهو الضد
وحمله الكسائي على إضمار كان أي يكن الانتهاء خيرا لكم ويمنعه إضمار كان ولا تضمر في كل موضع ومن جهة المعنى إذ من ترك ما نهى عنه فقد سقط عنه اللوم وعلم أن ترك المنهي عنه خير من فعله فلا فائدة في قوله خيرا
وحمله الفراء على أنه صفة لمصدر محذوف أي انتهوا انتهاء خيرا لكم وقال إن هذا الحذف لم يأت إلا فيما كان أفعل نحو خير لك وأفعل
ورد مذهبه ومذهب الكسائي بقوله تعالى ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم 3 لو حمل على ما قالا لا يكون خيرا لأن من انتهى عن التثليث وكان معطلا لا يكون خيرا له وقول سيبويه وائت خيرا يكون أمرا بالتوحيد الذي هو خير فلله در الخليل وسيبويه ما أطلعهما على المعاني
وقوله فأجمعوا أمركم وشركاءكم 1 إن لم يجعل مفعولا معه أي وادعوا شركاءكم وبإظهار ادعوا قرأ وكذلك هو مثبت في مصحف ابن مسعود
وقوله تعالى فراغ عليهم ضربا باليمين 2 قال ابن الشجري معناه مال عليهم بضربهم ضربا ويجوز نصبه على الحال نحو أتيته مشيا أي ماشيا ثم ادعهن يأتينك سعيا 3 أي ساعيات وقوله باليمين إما اليد أو القوة وجوز ابن الشجري إرادة القسم والباء للتعليل أي لليمين التي حلفها وهي قوله تعالى لأكيدن أصنامكم 4
وزعم النووي في قوله تعالى قل لا تقسموا طاعة معروفة 5 أن التقدير ليكن منكم طاعة معروفة
الخامس أن يدل عليه العقل كقوله تعالى فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت 6 أي فضرب فانفجرت
وقوله فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا 7 قال النحاس التقدير فنصرناه ففتحنا أبواب السماء لأن ما ظهر من الكلام يدل على ما حذف
وقوله يمده من بعده سبعة أبحر 8 أي يكتب بذلك كلمات الله ما نفدت قاله أبو الفتح
وقوله فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم 9
فقوله ثم أحياهم معطوف على فعل محذوف تقديره فماتوا ثم أحياهم ولا يصح
عطف قوله ثم أحياهم على قوله موتوا لأنه أمر وفعل الأمر لا يعطف على الماضي
وقوله كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين 1 أي فاختلفوا فبعث وحذف لدلالة قوله ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه 1 وهي في قراءة عبد الله كذلك 2
وقيل تقديره كان الناس أمة واحدة كفارا فبعث الله النبيين فاختلفوا والأول أوجه
وقوله أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم 3 فالهمزة للإنكار والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف تقديره أكذبتم وعجبتم أن جاءكم
وقوله قال نعم وإنكم لمن المقربين 4 هو معطوف على محذوف سد مسده حرف الإيجاب كأنه قال إيجابا لقولهم إن لنا لأجرا 5 نعم إن لكم أجرا وإنكم لمن المقربين
وقوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر 6 أي فأفطر فعدة خلافا للظاهرية حيث أوجبوا الفطر على المسافر أخذا من الظاهر
وقوله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية 7 أي فحلق ففدية
وقوله فقلنا اضربوه ببعضها 8 قال الزمخشري التقدير فضربوه فحيى
فحذف ذلك لدلالة قوله كذلك يحيي الله الموتى 1
وزعم ابن جنى أن التقدير في قوله تعالى فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد 2 أن التقدير فكيف يكون إذا جئنا
السادس أن يدل عليه ذكره في موضع آخر كقوله وإذ قتلتم نفسا 3 قال الواحدي هو بإضمار اذكر ولهذا لم يأت لإذ بجواب ومثله قوله تعالى وإلى ثمود أخاهم صالحا 4 وليس شيء قبله تراه ناصبا ل صالحا بل علم بذكر النبي والمرسل إليه أن فيه إضمار أرسلنا
وقوله ولسليمان الريح 5 أي وسخرنا
ومثله ونوحا إذ نادى من قبل 6 وذا النون 7
وكذا وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث 8 أي واذكر
قال ويدل على اذكر في هذه الآيات قوله تعالى واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض 9 واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم 10
وما قاله ظاهر إلا أن مفعول اذكر يكون محذوفا أيضا تقديره واذكروا أخا لكم ونحوه إذا كان كذا وذلك ليكون إذ في موضع نصب على الظرف ولو لم يفد ذلك المحذوف لزم وقوع إذ مفعولا به والأصح أنها لا تفارق الظرفية
السابع المشاكلة كحذف الفاعل في بسم الله لأنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله فلو ذكر الفعل وهو لا يستغني عن فاعله كان ذلك مناقضا للمقصود وكان في حذفة مشاكلة اللفظ للمعنى ليكون المبدوء به اسم الله كما تقول في الصلاة الله أكبر ومعناه من كل شيء ولكن لا تقول هذا المقدر ليكون اللفظ في اللسان مطابقا لمقصود الجنان وهو أن يكون في القلب ذكر الله وحده وأيضا فلأن الحذف أعم من الذكر فإن أي فعل ذكرته كان المحذوف أعم منه لأن التسمية تشرع عند كل فعل
الثامن أن يكون بدلا من مصدره كقوله تعالى فضرب الرقاب 1 وقوله فإما منا بعد وإما فداء 2 أي فإما أن تمنوا وإما أن تفادوا
وقد اختلف في نصب السلام في قوله تعالى في سورة هود ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما 3 وفي الذاريات هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما 4 وفي نصبها وجهان
أحدهما أن يكون منصوبا بالقول أي يذكرون قولا سلاما فيكون من قلت حقا وصدقا
الثاني أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره فقالوا سلمنا سلاما أي سلمنا تسليما فيكون قد حكى الجملة بعد القول ثم حذفها واكتفى ببعضها
والحاصل أنه هل هو منصوب بالقول أو بكونه مصدر لفعل محذوف
ومثله قوله تعالى وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا 5
منصوب بقالوا كقولك فقلت حقا أو منصوب بفعل مضمر أي قالوا أنزل خيرا من باب حذف الجملة المحكية وتبقية بعضها
وأما قوله تعالى وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين 1 فمرفوع لأنه لا يمكن نصبه على تقدير قالوا أساطير الأولين لأنهم لم يكونوا يرونه من عند الله حتى يقولوا ذلك ولا هو أيضا من باب قلت حقا وصدقا فلم يبق إلا رفعه $ تنبيه
قد يشتبه الحال في أمر المحذوف وعدمه لعدم تحصيل معنى الفعل كما قالوا في قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى 2 فإنه قد يظن أن الدعاء فيه بمعنى النداء فلا يقدر في الكلام حذف وليس كذلك وإلا لزم الاشتراك إن كانا متفاوتين أو عطف الشيء على نفسه وإنما الدعاء هنا بمعنى التسمية التي تتعدى لمفعولين أي سموه الله أو الرحمن
قد يشتبه في تعيين المحذوف لقيام قرينتين كقوله تعالى بلى قادرين 3 قدره سيبويه ب بلى نجمعها قادرين فقادرين حال وحذف الفعل لدلالة ألن نجمع 4 عليه 5
وقدره الفراء نحسب لدلالة أيحسب الإنسان 4 أي بلى نحسبنا قادرين
وتقدير سيبويه أولى لأن بلى ليس جوابا ل يحسب إنما هو جواب ل أن لن نجمع وقدره بعضهم بلى نقدر قادرين
وقيل منصوب لوقوعه موقع الفعل وهو باطل لأنه ليس من نواصب الاسم وقوعه موقع الفعل $ تنبيه آخر
إن الحذف على ضربين أحدهما ألا يقام شيء مقام المحذوف كما سبق والثاني أن يقام مقامه ما يدل عليه كقوله تعالى فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم 1 ليس الإبلاغ هو الجواب لتقدمه على قولهم فالتقدير فإن تولوا فلا ملام على لأني قد أبلغتكم
وقوله وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك 2 فلا تحزن واصبر
وقوله وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين 3 أي يصيبهم ما أصاب الأولين $ حذف الحرف
قال أبو الفتح في المحتسب أخبرنا أبو علي قال قال أبو بكر بن السراج حذف الحرف ليس يقاس وذلك لأن الحرف نائب عن الفعل بفاعله ألاتراك إذا قلت ما قام زيد فقد نابت ما عن أنفي كما نابت إلا عن أستثنى وكما نابت الهمزة وهل عن أستفهم وكما نابت حروف العطف عن أعطف ونحو ذلك فلو ذهبت
تحذف الحرف لكان ذلك اختصارا واختصار المختصر إجحاف به إلا إذا صح التوجه إليه وقد جاز في بعض الأحوال حذفه لقوة الدلالة عليه انتهى
فمنه الواو تحذف لقصد البلاغة فإن في إثباتها ما يقتضى تغاير المتعاطفين فإذا حذفت أشعر بأن الكل كالواحد كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر 1 تقديره ولا يألونكم خبالا
وقوله تعالى وجوه يومئذ ناعمة 2 أي ووجوه
وخرج عليه الفارسي قوله تعالى ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا 3 الآية وقال تقديره وقلت لا أجد فهو معطوف على قوله أتوك لأن جواب إذا قوله تولوا
ومنعه ابن الشجري في أماليه وعلى هذا فلا موضع له من الإعراب لأنه معطوف على الصلة والصلة لا موضع لها من الإعراب فكذلك ما عطف عليها
وقال الزمخشري هي حال من الكاف في أتوك وقد قبله مضمرة كما في قوله أو جاؤوكم حصرت صدورهم 4 أي إذا ما أتوك قائلا لا أجد تولوا 5 وعلى هذا فله موضع من الإعراب لأنه حال
قال السهيلي في أماليه ليس معنى الآية كما قالوا لأن رفع الحرج عن القوم ليس مشروطا بالبكاء عند التولي وإنما شرطه عدم الجدة ونزلت في السبعة الذين سمى أبو إسحاق ولو كان جواب إذا أتوك في قوله تولوا وأعينهم تفيض 6 لكان من لم تفض عيناه من الدمع هو الذي حرج وأثم وما رفع الله الحرج عنهم إلا لأن الرسول
لم يجد ما يحملهم عليه وإذا عطفت قلت لا أجد على أتوك كان الحرج غير مرفوع عنهم حتى يقال وأعينهم تفيض 1 فجواب إذا في قوله لا أجد وما بعد ذلك خبر ونبأ على هؤلاء السبعة الذين كانوا سبب نزول هذه الآية ففضيلة البكاء مخصوصة بهم ورفع الحرج بشرط عدم الجدة عام فيهم وفي غيرهم
وقال الواحدي في قوله تعالى قالوا اتخذ الله ولدا 2 آية البقرة في مصاحف الشام بغير واو يعني قراءة ابن عامر لأن هذه الآية ملابسة لما قبلها من قوله ومن أظلم ممن منع مساجد الله 3 لأن القائلين اتخذ الله ولدا من جملة المتقدم ذكرهم فيستغنى عن ذكر الواو لالتباس الجملة بما قبلها كما استغنى عنها في نحو قوله والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 4 ولو كان وهم كان حسنا إلا أن التباس إحدى الجملتين بالأخرى وارتباطها بها أغنى عن الواو
ومثله سيقولون ثلاثة رابعهم 5 ولم يقل ورابعهم كما قال وثامنهم 5 ولو حذف الواو منها كما حذف من التي قبلها واستغنى عن الواو بالملابسة التي بينهما كان حسنا ويمكن أن يكون حذف الواو لاستئناف الجملة ولا يعطف على ما تقدم انتهى
وحصل من كلامه أنه عند حذف الواو يجوز أن يلاحظ معنى العطف ويكتفى للربط بينها وبين ما قبلها بالملابسة كما ذكر ويجوز ألا يلاحظ ذلك فتكون الجملة مستأنفة
قال ابن عمرون وحذف الواو في الجمل أسهل منه في المفرد وقد كثر حذفها في الجمل
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر