الجزء ٣ — ص ٢١٢–٢٢١
في الكلام المحمول بعضه على بعض نحو قوله تعالى قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين قال لمن حوله ألا تستمعون قال ربكم ورب آبائكم الأولين قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون قال رب المشرق والمغرب 1 كله محمول بعضه على بعض والواو مزيدة حذفت لاستقلال الجمل بأنفسها بخلاف المفرد ولأنه في المفرد ربما أوقع لبسا في نحو رايت زيدا ورجلا عاقلا ولو 2 جاز حذف الواو احتمل أن يكون رجلا بدلا بخلاف الجملة
وقريب منه قوله تعالى فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون 3 أي وقال
ومنه الفاء في جواب الشرط على رأى وخرج عليه قوله تعالى إن ترك خيرا الوصية 4 أي فالوصية
والفاء في العطف كقوله إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين 5 تقديره فقال أعوذ بالله ذكره ابن الشجري في أماليه
وقوله تعالى وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله 6 حذف حرف العطف من قوله قال ولم يقل فقال كما في قصة 7 نوح لأنه على تقدير سؤال سائل قال ما قال لهم هود فقيل قال يا قوم اعبدوا الله واتقوه
ومنه حذف همزة الاستفهام كقوله تعالى فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي 1 أي أهذا ربي
وقوله وما أصابك من سيئة فمن نفسك 2 أي أفمن نفسك 3
وقوله وتلك نعمة تمنها علي 4 أي أو تلك نعمة
وقوله أئنك لأنت يوسف 5 على قراءة ابن كثير بكسر الهمزة على خلاف في ذلك جميعه
ومنه حذف ألف ما الاستفهامية مع حرف الجر للفرق بين الاستفهامية والخبرية كقوله تعالى فلم تقتلون أنبياء الله 6 فيم أنت من ذكراها 7 عم يتساءلون 8 و مم خلق 9
ومنه حذف الياء في والليل إذا يسر 10 للتخفيف ورعاية الفاصلة
ومنه حذف حرف النداء كقوله ها أنتم هؤلاء 11 أي يا هؤلاء
وقوله يوسف 12 أي يا يوسف
وقوله رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس 13 أي يا رب
ويكثر في المضاف نحو فاطر السماوات 14 ربنا أنزل علينا مائدة 15
وكثر ذلك في نداء الرب سبحانه وحكمة ذلك دلالته على التعظيم والتنزيه لأن النداء يتشرب معنى الأمر لأن إذا قلت يا زيد فمعناه أدعوك يا زيد فحذفت يا من نداء الرب ليزول معنى الأمر ويتمحص التعظيم والإجلال
وقال الصفار يجوز حذف حرف النداء من المنادى إلا إذا كان المنادى نكرة مقبلا عليها إذ لا دليل عليه وإلا إذا كان اسم إشارة
ومنه حذف لو في قوله تعالى ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض 1 تقديره لو كان معه إله لذهب كل إله بما خلق
وقوله وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون 2 معناه لو كان كذلك لارتاب المبطلون
ومنه حذف قد في قوله تعالى أنؤمن لك واتبعك الأرذلون 3 أي وقد اتبعك لأن الماضي لا يقع موقع الحال إلا وقد معه ظاهرة أو مقدرة
ومثلها كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا 4 أي وقد كنتم
وقوله أو جاؤوكم حصرت صدورهم 5 قيل معناه قد حصرت بدلالة قراءة يعقوب حصرة صدورهم وقال الأخفش الحال محذوفة و حصرت صدورهم صفتها أي جاءوكم يوما حصرت دعاء عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم طريقته قاتلهم الله ورده أبو علي بقوله أي قاتلوا قومهم فلا يجوز أن يدعى عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم لكن بقول اللهم ألق بأسهم بينهم
ومنه حذف أن في قوله تعالى ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا 6 المعنى أن يريكم
وحذف لا في قوله تالله تفتأ تذكر 1 أي لا تفتأ لأنها ملازمة للنفي ومعناها لا تبرح
قوله وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم 2 أي لا تميد
وقوله إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك 3 أي لا تبوء
وبهذا يزول الإشكال من الآية وعلى الذين يطيقونه فدية 4 أي لا يطيقونه على قول فائدة في حذف الجار ثم إيصال الفعل إلى المجرور كثر في القرآن حذف الجار ثم إيصال الفعل إلى المجرور $ به كقوله تعالى واختار موسى قومه 5 أي من قومه
ورفع بعضهم درجات 6
ولا تعزموا عقدة النكاح 7 أي على عقدة إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه 8 أي يخوفكم بأوليائه ولذلك قال فلا تخافوهم 8
ويبغونها عوجا 9 أي يبغون لها
والقمر قدرناه 1 أي قدرنا له
سنعيدها سيرتها 2 أي على سيرتها
فصل
فيما حذف في آية وأثبت في أخرى
من الأنواع ما حذف في آية وأثبت في أخرى وهو قسمان
أحدهما أن يكون ما حذف منه محمولا على المذكور كالمطلق في الرقبة 3 في كفارة لظهار مقيدا بالمؤمنة في كفارة القتل 4
وكقوله وجنة عرضها السماوات والأرض 5 قيدت بالتشبيه في موضع آخر 6 ومنه قوله تعالى في سورة البقرة هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة 7 وقوله في سورة النحل هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك 8 فإن هذه تقتضي أن الأولى على حذف مضاف
والقسم الثاني لا يكون مرادا فمنه قوله تعالى في سورة المؤمنين لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون 1 وفي الزخرف لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون 2
وقوله في البقرة أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون 3 وفي سورة الأعراف أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون 4
وحكمته أنه قد اختلف الخبران في سورة البقرة فلذلك دخل العاطف بخلاف الخبرين في الأعراف فإنهما متفقان لأن التسجيل عليهم بالغفلة وتشبيههم بالبهائم واحد فكانت الجملة الثالثة مقررة ما في الأولى فهي من العطف بمعزل
ومنه قوله تعالى في البقرة إن الذين كفروا سواء عليهم 5 وقال في يس وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم 6 مع العاطف وحكمته أن ما في يس وما بعده جملة معطوفة على جملة أخرى فاحتاجت إلى العاطف والجملة هنا ليست معطوفة فهي من العطف بمعزل
ومنه قوله تعالى وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم 7 فأثبت الواو في الأعراف وحذفها في الكهف فقال وإن تدعهم إلى الهدى 8 والفرق بينهما أن الذي في الأعراف خطاب لجمع وأصله تدعونهم حذفت للجزم والتي في الكهف خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وهو واحد وعلامة الجزم فيه سقوط الواو
ومنه في آل عمران جاؤوا بالبينات والزبر والكتاب المنير 9 وفي فاطر
جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير 1 والفرق أن الأولى حذفت الباء ففيها للاختصار استغناء بالتي قبلها وخرجت عن الأصل للتوكيد وتقدير المعنى كما تقول مررت بك وبأخيك وبأبيك إذا اختصرت
ومنه قوله في قصة ثمود ما أنت إلا بشر مثلنا 2 وفي قصة شعيب وما أنت 3 بالواو والفرق أن الأولى جرى على انقطاع الكلام عند النحويين واستئناف ما أنت فاستغنى عن الواو لما تقرر من الابتداء وفي الثانية جرى في العطف وأن يكون قوله وما أنت معطوفا على إنما أنت 4
ومنه قوله تعالى في سورة النحل ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون 5 وفي سورة النمل ولا تكن في ضيق 6 بإثبات النون وحكمته أن القصة لما طالت في سورة النحل ناسب التخفيف بحذف النون بخلافه في سورة النمل فإن الواو استئنافية ولا تعلق لها بما قبلها
وقوله في البقرة فلا تكونن من الممترين 7 وفي آل عمران فلا تكن من الممترين 8 وحكمته أن الخطاب في البقرة لليهود وهم أشد جدالا
ومنه قوله في الأعراف ألست بربكم قالوا بلى شهدنا 9 وفي الأنعام يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا 10
ومنه قوله تعالى في سورة البقرة ويقتلون النبيين بغير الحق 1 وفي سورة آل عمران بغير حق 1 والحكمة فيه أن الجملة في آل عمران خرجت مخرج الشرط وهو عام فناسب أن يكون النفي بصيغة التنكير حتى يكون عاما وفي سورة البقرة جاء عن أناس معهودين وهو قوله تعالى ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق فناسب أن يؤتى بالتعريف لأن الحق الذي كان يستباح به قتل الأنفس عندهم كان معروفا كقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس 3 فالحق هنا الذي تقتل به الأنفس معهود معروف بخلاف ما في سورة آل عمران
ومنه قوله تعالى في هود حاكيا عن شعيب ويا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون 4 وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم أن يقول لقريش ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون 5
ويمكن أن يقال لما كررت مراجعته لقوم ناسب اختصاص قصته بالاستئناف الذي هو أبلغ في الإنذار والوعيد وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فكانت مدة إنذاره لقومه قصيرة فعقب عملهم على مكافأتهم بوعيدهم بالفاء إشارة إلى قرب نزول الوعيد لهم بخلاف شعيب فإنه طالت مدته في قومه فاستأنف لهم ذكر الوعيد
ولعل قوم شعيب سألوه السؤال المتقدم فأجابهم بهذا الجواب والفاء لا تحسن فيه والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل ذلك جوابا للسؤال ولا يحسن معه الحذف
ومنه أنه تعالى قال في خطاب المؤمنين هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم
1 إلى أن قال يغفر لكم ذنوبكم 2 وقال في خطاب الكافرين يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم 3 يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم 4
قال الزمخشري في تفسير سورة إبراهيم 5 ما علمته جاء الخطاب هكذا في القرآن إلا في خطاب الكافرين وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوي بين الفريقين في الميعاد
واعترض الإمام فخر الدين بأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة إلى ذكر هذا الجواب وإن لم يحصل كان هذاالكلام فاسدا
وقال الشيخ أثير الدين أبو حيان في تفسيره 6 ويقال ما فائدة الفرق في الخطاب والمعنى مشترك إذ الكافر إذا آمن والمؤمن إذا تاب مشتركان في الغفران وما تخيلت فيه مغفرة بعض الذنوب من 7 الكافر إذا هو آمن 8 موجود في المؤمن إذا تاب وسيأتي بسط الكلام على ذلك في آخر الكتاب $ الإيجاز
وهو قسم من الحذف ويسمى إيجاز القصر فإن الإيجاز عندهم قسمان وجيز بلفظ ووجيز بحذف
فالوجيز باللفظ أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر 1 المعهود عادة وسبب حسنه أنه يدل على التمكن في الفصاحة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم أوتيت جوامع الكلم
واللفظ لا يخلو إما أن يكون مساويا لمعناه وهو المقدر أو أقل منه وهو المقصور
أما المقدر فكقوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان 1 الاية وقوله قتل الإنسان ما أكفره 2 وهو كثير
وأما المقصور فإما أن يكون نقصان لفظه عن معناه لاحتمال لفظه لمعان كثيرة أولا
الأول كاللفظ المشترك الذي له مجازان أو حقيقة ومجاز إذا أريد معانيه كما في قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي 3 فإن الصلاة من الله مغايرة للصلاة من الملائكة والحق أنه من القدر المشترك وهو الاعتناء والتعظيم
وكذلك قوله تعالى ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات 4 الآية فإن السجود في الكل يجمعه معنى واحد وهو الانقياد
والثاني كقوله خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين 5
وقوله أولئك لهم الأمن وهم مهتدون 6
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر