الجزء ٣ — ص ١٩٢–٢٠١
والثاني أن أما قد التزم معها حذف فعل الشرط وقامت هي مقامة فلو حذف جوابها لكان ذلك إجحافا وإن ليس كذلك انتهى
والظاهر أنه لا حذف في الآية الكريمة وإما الشرط الثاني وجوابه جواب الأول والمحذوف إنما هو أحد الفاءين
وقال الفارسي في قوله تعالى قل اللهم مالك الملك 1 الآية إنه حذف منه أعزنا ولا تذلنا
وقال في قوله تعالى فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم 2 تقديره فكيف تجدونهم مسرورين أو محزونين ف كيف في موضع نصب بهذا الفعل المضمر وهذا الفعل المضمر قد سد مسد جواب إذا $ حذف جواب القسم
لعلم السامع المراد منه كقوله تعالى والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرا يوم ترجف الراجفة 3 تقديره لتبعثن ولتحاسبن بدليل إنكارهم للبعث في قولهم أئنا لمردودون في الحافرة 4
وقيل القسم وقع على قوله إن في ذلك لعبرة لمن يخشى 5
وكقوله تعالى لن نؤثرك 6 وحذف لدلالة الكلام السابق عليه
واختلف في جواب القسم في ص والقرآن ذي الذكر 1 فقال الزجاج إن ذلك لحق تخاصم أهل النار 2 واستبعده الكسائي
وقال الفراء قد تأخر كثيرا وجرت بينهما قصص مختلفة فلا يستقيم ذلك في العربية
وقيل كم أهلكنا 3 ومعناه لكم أهلكنا وما بينهما اعتراض وحذفت اللام لطول الكلام
وقال الأخفش إن كل إلا كذب الرسل 4 والمعترض بينهما قصة واحدة وعن قتادة بل الذين كفروا في عزة وشقاق مثل ق والقرآن المجيد بل عجبوا 6
وقال صاحب النظم في هذا القول معنى بل توكيد الأمر بعده فصار مثل أن الشديدة تثبت ما بعدها وإن كان لها معنى آخر في نفي خبر متقدم كأنه قال إن الذين كفروا في عزة وشقاق
وقال أبو القاسم الزجاجي إن النحويين قالوا إن بل تقع في جواب القسم كما تقع إن لأن المراد بها توكيد الخبر وذلك في ص والقرآن الآية وفي ق والقرآن الآية وهذا من طريق الاعتبار ويصلح أن يكون بمعنى إن لأنه سائغ في كلامهم أو يكون بل جوابا للقسم لكن لما كانت متضمنة رفع خبر وإتيان خبر بعده كانت أوكد من سائر التوكيدات فحسن وضعها موضع إن
وقيل الجواب محذوف أي والقرآن المجيد ما الأمر كما يقول هؤلاء أو الحق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم
وقال الفراء في قوله تعالى إذا السماء انشقت 1 جوابه محذوف أي فيومئذ يلاقي حسابه
وعن قتاده أن جوابه وأذنت لربها وحقت 1 يعني أن الواو فيها بمعنى السقوط كقوله تعالى فلما أسلما وتله للجبين وناديناه 2 أي ناديناه $ حذف الجملة
هي أقسام قسم هي مسببة عن المذكور وقسم هي سبب له وقسم خارج عنها فالأول كقوله تعالى ليحق الحق ويبطل الباطل 3 فإن اللام الداخلة على الفعل لا بد لها من متعلق يكون سببا عن مدخول اللام فلما لم يوجد لها متعلق في الظاهر وجب تقديره ضرورة فيقدر فعل ما فعل ليحق الحق
والثاني كقوله تعالى فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا 4 فإن الفاء إنما تدخل على شيء مسبب عن شيء ولا مسبب إلا له سبب فإذا وجد المسبب ولا سبب له ظاهرا أوجب أن يقدر ضرورة فيقدر فضربه فانفجر
والثالث كقوله تعالى فنعم الماهدون 5 أي نحن هم أو هم نحن
وقد يكون المحذوف أكثر من جملة كقوله تعالى فأرسلون يوسف 6 الآية فإن التقدير فأرسلون إلى يوسف لأستعبره الرؤيا فأرسلوه إليه لذلك فجاء فقال له
يا يوسف وإنما قلنا إن هذا الكل محذوف لأن قوله أرسلون يدل لا محالة على المرسل إليه فثبت أن إلى يوسف محذوف ثم إنه لما طلب الإرسال إلى يوسف عند العجز الحاصل للمعبرين عن تعبير رؤيا الملك دل ذلك على أن المقصود من طلب الإرسال إليه استعباره الرؤيا التي عجزوا عن تعبيرها ومنه قوله تعالى اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم 1 الآية فأعقب بقوله حكاية عنها قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم تقديره فأخذ الكتاب فألقاه إليهم فرأته بلقيس وقرأته قالت يا أيها الملأ 1
وقوله يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا 2 حذف يطول تقديره فلما ولد يحيى ونشأ وترعرع قلنا يا يحيى خذ الكتاب بقوة 2
ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم موسى لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري 3
وقوله فلما رآه مستقرا عنده 4 إلى قوله نكروا لها عرشها 4
وقوله أفمن شرح الله صدره للإسلام 5 أي كمن قسا قلبه ترك على ظلمه وكفره ودل على المحذوف قوله فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله 5
ومن حذف الجملة قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها 6 قيل المعنى جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا وكذا وإلا فمن أين علم الملائكة أنهم يفسدون وباقي الكلام يدل على المحذوف
وقوله أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه 7 قال
الفارسي المعنى فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة واتقوا الله عطف على قوله وكرهوا إن لم يذكر لدلالة الكلام عليه كقوله تعالى فانفجرت 1 أي فضرب فانفجرت فقوله فكرهتموه كلام مستأنف وإنما دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الجواب لأن قوله أيحب أحدكم كأنهم قالوا في جوابه لا فقال فكرهتموه أي فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة
قال ابن الشجري وهذا التقدير بعيد لأنه قدر المحذوف موصولا وهو ما المصدرية وحذف الموصول وإبقاء صلته ضعيف وإنما التقدير فهذا كرهتموه والجملة المقدرة المحذوفة ابتدائية لا أمرية والمعنى فهذا كرهتموه والغيبة مثله وإنما قدرها أمرية ليعطف عليها الجملة الأمرية في قوله واتقوا الله $ حذف القول
قد كثر في القرآن العظيم حتى إنه في الإضمار بمنزلة الإظهار كقوله تعالى والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى 2 أي يقولون ما نعبدهم إلا للقربة
ومنه ونزلنا عليكم المن والسلوى كلوا 3 أي وقلنا كلوا أو قائلين
وقوله قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا 4 أي قلنا
وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا 5 أي وقلنا خذوا
وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى 1 أي وقلنا اتخذوا
وقوله وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا 2 أي يقولان ربنا وعليه قراءة عبد الله فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم 3 أي فيقال لهم لأن أما لا بد لها في الخبر من فاء فلما أضمر القول أضمر الفاء
وقوله وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون 4 يقال لهم هذا
وقوله والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم 5 أي يقولون سلام
وقوله وتتلقاهم الملائكة 6 أي يقولون لهم ذلك
وقوله والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم 7 أي يقولون ما نعبدهم
وقوله فظلتم تفكهون إنا لمغرمون 8 أي يقولون إنا لمغرمون أي معذبون وتفكهون تندمون
وقوله ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا 9 أي يقولون ربنا
وقوله ماذا قال ربكم قالوا الحق 1 أي قالوا قال الحق $ حذف الفعل
وينقسم إلى عام وخاص $ الخاص
فالخاص نحو أعنى مضمرا وينتصب المفعول به في المدح نحو والصابرين في البأساء والضراء 2 وقوله والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة 3 أي أمدح
واعلم أنه إذا كان المنعوت متعينا لم يجز تقديره ناصب نعته بأعنى نحو الحمد لله الحميد بل المقدر فيه وفي نحوه أذكر أو أمدح فاعرف ذلك والذم نحو قوله تعالى وامرأته حمالة الحطب 4 في قراءة النصب والأخفش ينصب في المدح بأمدح وفي الذم بأذم
وأعلم أن مراد المادح إبانة الممدوح من غيره فلا بد من إبانة إعرابه عن غيره ليدل اللفظ على المعنى المقصود ويجوز فيه النصب بتقدير أمدح والرفع على معنى هو ولا يظهران لئلا يصيرا بمنزلة الخبر
والذي لا مدح فيه فاختزال العامل فيه واجب كاختزاله في والله لأفعلن إذ لو قيل أحلف بالله لكان عدة لا قسما
$ العام
والعام كل منصوب دل عليه الفعل لفظا أو معنى أو تقديرا ويحذف لأسباب
أحدها أن يكون مفسرا كقوله تعالى إذا السماء انشقت 1 وإياي فارهبون 2
ومنه أبشرا منا واحدا نتبعه 3 والسماء رفعها 4 إذا الشمس كورت 5 وإن أحد من المشركين استجارك 6 وإن طائفتان 7 فإنه ارتفع ب اقتتل مقدرا
قالوا ولا يجوز حذف الفعل مع شيء من حروف الشرط العاملة سوى إن لأنها الأصل
وجعل ابن الزملكاني هذا مما هو دائر بين الحذف والذكر فإن الفعل المفسر كالمتسلط على المذكور ولكن لا يتعين إلا بعد تقدم إبهام ولقد يزيده الإضمار إبهاما إذا لم يكن المضمر من جنس الملفوظ به نحو والظالمين أعد لهم عذابا أليما 8
الثاني أن يكون هناك حرف جر نحو بسم الله الرحمن الرحيم 9 فإنه يفيد
أن المراد بسم الله أقرأ أو أقوم أو أقعد عند القراءة وعند الشروع في القيام أو القعود أي فعل كان
واعلم ان النحاة اتفقوا على أن بسم الله بعض جملة واختلفوا
فقال البصريون الجملة اسمية أي ابتدائي بسم الله
وقال الكوفيون الجملة فعلية وتابعهم الزمخشري في تقدير الجملة فعلية ولكن خالفهم في موضعين أحدهما أنهم يقدرون الفعل مقدما وهو يقدره مؤخرا والثاني أنهم يقدرونه فعل البداية وهو يقدره في كل موضع بحسبه فإذا قال الذابح بسم الله كان التقدير بسم الله أذبح وإذا قال القارىء بسم الله فالتقدير بسم الله أقرأ
وما قال أجود مما قالوا 1 لأن مراعاة المناسبة أولى من إهمالها ولأن اسم الله أهم من الفعل فكان أولى بالتقديم ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم باسمك ربي وضعت جنبي فقدم اسم الله على الفعل المتعلق ثم الجار وهو وضعت
الثالث أن يكون جوابا لسؤال وقع كقوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله 2
وقوله ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله 3
وقوله كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم 4 أي بل نتبع
أو جوابا لسؤال مقدر كقراءة يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال 1 ببناء الفعل للمفعول فإن التقدير يسبحه رجال
وفيه فوائد منها الإخبار بالفعل مرتين ومنها جعل الفضلة عمدة
ومنها أن الفاعل فسر بعد اليأس منه كضالة وجدها بعد اليأس ويصح أن يكون يسبح بدل من يذكر 2 على طريقة سبح اسم ربك الأعلى 3 وله فيها خبر مبتدأ هو رجال
مثله قراءة من قرأ زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم 4 قال أبو العباس المعنى زينه شركاؤهم فيرفع الشركاء بفعل مضمر دل عليه زين
ومثله قوله تعالى وجعلوا لله شركاء إن جعلنا قوله لله شركاء مفعولي جعلوا لأن لله في موضع الخبر المنسوخ وشركاء نصب في موضع المبتدأ وعلى هذا فيحتمل وجهين أحدهما أن يكون مفعولا بفعل محذوف دل عليه سؤال مقدر كأنه قيل أجعلوا لله شركاء قيل جعلوا الجن فيفيد الكلام إنكار الشريك مطلقا فدخل اعتقاد الشريك من غير الجن في إنكار دخول اتخاذه من الجن
والثاني ذكره الزمخشري أن الجن بدل من شركاء فيفيد إنكار الشريك مطلقا كما سبق وإن جعل لله صلة كان شركاء الجن مفعولين قدم ثانيهما على أولهما وعلى هذا فلا حذف
فأما على الوجه الأول فقيل وجعلوا لله شركاء الجن 5 ولم يقل وجعلوا
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر