الجزء ٣ — ص ٧٢–٨١
وأعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين والصلة والحشو من عبارة الكوفيين قال 1 سيبويه عقب قوله تعالى فبما نقضهم 2 إن ما لغو لأنها لم تحدث شيئا
والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب لا من جهة المعنى فإن قوله فبما رحمة من الله لنت لهم 3 معناه ما لنت لهم إلا رحمة وهذا قد جمع نفيا وإثباتا ثم اختصر على هذه الإرادة وجمع فيه بين لفظي الإثبات وأداة النفي التي هي ما
وكذا قوله تعالى إنما الله إله واحد 4 فإنما ها هنا حرف تحقيق وتمحيق إن هنا للتحقيق وما للتمحيق فاختصر والأصل ما الله اثنان فصاعدا وأنه إله واحد
وقد اختلف في وقوع الزائد في القرآن فمنهم من أنكره قال الطرطوسي في العمدة ( 5 ) زعم المبرد وثعلب ألا صلة في القرآن والدهماء من العلماء والفقهاء والمفسرين على إثبات الصلات في القرآن وقد وجد ذلك على وجه لا يسعنا إنكاره فذكر كثيرا
وقال ابن الخباز 6 في التوجيه 7 وعند ابن السراج أنه ليس في كلام العرب زائد لأنه تكلم بغير فائدة وما جاء منه حمله على التوكيد
ومنهم من جوزه وجعل وجوده كالعدم وهو أفسد الطرق
وقد رد على فخر الدين الرازي قوله إن المحققين على أن المهمل لا يقع في كلام الله سبحانه فأما في قوله تعالى فبما رحمة من الله 1 فيمكن أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير فبأي رحمة فجعل الزائد مهملا وليس كذلك لأن الزائد ما أتى به لغرض التقوية والتوكيد والمهمل ما لم تضعه العرب وهو ضد المستعمل وليس المراد من الزيادة حيث ذكرها النحويون إهمال اللفظ ولا كونه لغوا فتحتاج إلى التنكب عن التعبير بها إلى غيرها فإنهم إنما سموا ما زائدة هنا لجواز تعدى العامل قبلها إلى ما بعدها لا لأنها ليس لها معنى
وأما ما قاله في الآية إنها للاستفهام التعجبي فقد انتقد عليه بأن قيل تقديره فبأي رحمة دليل على أنه جعل ما مضافة للرحمة وأسماء الاستفهام التعجبي لا يضاف منها غير أي وإذا لم تصح الإضافة كان ما بعدها بدلا منها والمبدل من اسم الاستفهام يجب معه ذكر همزة الاستفهام وليست الهمزة مذكورة فدل على بطلان هذه الدعوى وسنبين في فصل زيادة الحروف الفائدة في ادخال ما ها هنا فانظر هناك $ تنبيهات
الأول أهل الصناعة يطلقون الزائد على وجوه منها ما يتعلق به هنا وهو ما أقحم تأكيدا نحو فبما رحمة من الله لنت لهم 2 إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة 3 ليس كمثله شيء 4
ومعنى كونه زائدا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد فبوجوده حصل فائدة التأكيد والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة
وسئل بعض العلماء عن التوكيد بالحرف وما معناه إذ إسقاط الحرف لا يخل بالمعنى فقال هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد لا يجدونه بإسقاط الحرف قال ومثال ذلك مثال العارف بوزن الشعر طبعا فإذا تغير البيت بزيادة أو نقص أنكره وقال أجد نفسي على خلاف ما أجده بإقامة الوزن فكذلك هذه الحروف تتغير نفس المطبوع عند نقصانها ويجد نفسه بزيادتها على معنى بخلاف ما يجدها بنقضانه
الثاني حق الزيادة أن تكون في الحرف وفي الأفعال كما سبق وأما الأسماء فنص أكثر النحويين على أنها لا تزاد ووقع في كلام كثير من المفسرين الحكم عليها في بعض المواضع بالزيادة كقول الزمخشري في قوله تعالى يخادعون الله والذين آمنوا 1 إن اسم الجلالة مقحم ولا يتصور مخادعتهم لله تعالى 2
الثالث حقها أن تكون آخرا وحشوا وأما وقوعها أولا فلا لما فيه من التناقض إذ قضية الزيادة إمكان اطراحها وقضية التصدير الاهتمام ومن ثم ضعف قول بعضهم بزيادة لا في قوله تعالى لا أقسم بيوم القيامة 3 وأبعد منه قول آخر إنها بمعنى إلا والظاهر أنها ردا لكلام تقدم في إنكار البعث أي ليس الأمر كما تقولون ثم قال بعده أقسم بيوم القيامة 3 وعليه فيجوز الوقف على لا وفيه بعد
فصل
في حروف الزيادة
الزيادة إما أن تكون لتأكيد النفي كالباء في خبر ليس وما أو للتأكيد الإيجاب كاللام الداخلة على المبتدأ
وحروف الزيادة سبعة إن وأن ولا وما ومن والباء واللام بمعنى أنها تأتي في بعض الموارد زائدة لا أنها لازمة للزيادة ثم ليس المراد حصر الزوائد فيها فقد زادوا الكاف وغيرها بل المراد أن الأكثر في الزيادة أن تكون بها $ زيادة إن
فأما إن الخفيفة فتطرد زيادتها مع ما النافية كقول امرىء القيس 1 % % حلفت لها بالله حلفة فاجر % % لناموا فما إن من حديث ولا صال % $
أي فما حديث فزاد إن للتوكيد قال الفراء إن الخفيفة زائدة فجمعوا بينها وبين ما النافية تأكيدا للنفي فهو بمنزلة تكرارها فهو عند الفراء من التأكيد اللفظي وعند سيبويه من التأكيد المعنوي
وقيل قوله تعالى ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه 2 أنها زائدة وقيل نافية والأصل في الذي ما مكناكم فيه بدليل مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم 3 وكأنه إنما عدل عن ما لئلا تتكرر فيثقل اللفظ
ووهم ابن الحاجب حيث زعم أنها تزاد بعد لما الإيجابية وإنما تلك في أن 2 المفتوحة
$ زيادة أن
وأما أن المفتوحة فتزاد بعد لما الظرفية كقوله تعالى ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم 1 وإنما حكموا بزيادتها لأن لما ظرف زمان ومعناها وجود الشيء لوجود غيره وظروف الزمان غير المتمكنة لا تضاف إلى المفرد وأن المفتوحة تجعل الفعل بعدها في تأويل المفرد فلم تبق لما مضافة إلى الجمل فلذلك حكم بزيادتها
وجعل الأخفش من زيادتها قوله تعالى وما لنا ألا نتوكل على الله 2 وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله 3 وقيل بل هي مصدرية والأصل وما لنا في ألا نفعل كذا فليست زائدة لأنها عملت النصب في المضارع $ زيادة ما
وأما ما فتزاد بعد خمس كلمات من حروف الجر فتزاد بعد من و عن غير كافة لهما عن العمل وتزاد بعد الكاف ورب والباء كافة تارة وغير كافة أخرى
والكافة إما أن تكف عن عمل النصب والرفع وهي المتصلة بإن وأخواتها نحو إنما الله إله واحد 1 كأنما يساقون إلى الموت 5 وجعلوا منها إنما يخشى الله من عباده العلماء 6 ويحتمل أن تكون موصولة بمعنى الذي والعلماء خبر والعائد مستتر في يخشى وأطلقت ما على جماعة العقلاء
كما في قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم 1
وإما أن تكف عن عمل الجر كقوله تعالى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة 3 وقيل بل موصولة أي كالذي هو لهم آلهة
وغير الكافة تقع بعد الجازم نحو وإما ينزغنك 3 أيا ما تدعوا 4 أينما تكونوا 5
وبعد الخافض حرفا كان فبما رحمة من الله فبما نقضهم ميثاقهم 7 عما قليل 8 مما خطيئاتهم 9 أو اسما نحو أيما الأجلين قضيت 10
وتزاد بعد أداة الشرط جازمة كانت نحو أينما تكونوا يدرككم الموت 11 أو غير جازمة نحو حتى إذا ما جاؤوها شهد عليهم سمعهم 12
وبين المتبوع وتابعه نحو مثلا ما بعوضة 13 قال الزجاج ما حرف زائد للتوكيد عند جميع البصريين
ويؤيده سقوطها في قراءة ابن مسعود و بعوضة بدلا وقيل ما أسم نكرة صفة ل مثلا أو بدل و بعوضة عطف بيان
وقيل في قوله فقليلا ما يؤمنون 14 بأنها زائدة لمجرد تقوية الكلام نحو
فبما رحمة 1 وقليلا في معنى النفي أو لإفادة التقليل كما في نحو أكلت أكلا ما وعلى هذا فيكون فقليلا بعد قليل 2 $ زيادة لا
وأما لا فتزاد مع الواو بعد النفي كقوله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة 3 لأن استوى من الأفعال التي تطلب اسمين أي لا تليق بفاعل واحد نحو اختصم فعلم أن لا زائدة وقيل دخلت في السيئة لتحقق أنه لاتساوي الحسنة السيئة ولا السيئة الحسنة
وتزاد بعد أن المصدرية كقوله لئلا يعلم أهل الكتاب 4 أي ليعلم ولولا تقدير الزيادة لانعكس المعنى فزيدت لا لتوكيد النفي قاله ابن جنى
واعترضه ابن ملكون بأنه ليس هناك نفي حتى تكون هي مؤكدة له ورد عليه السكونى بأن هنا ما معناه النفي وهو ما وقع عليه العلم من قوله ألا يقدرون على شيء 3 ويكون هذا من وقوع النفي على العلم والمراد ما وقع عليه العلم كقوله ما علمت أحدا يقول ذلك إلا زيدا فأبدلت من الضمير الذي في يقول ما بعد إلا وإن كان البدل لا يكون إلا في النفي فكما كان النفي هنا واقعا على العلم وحكم لما وقع عليه العلم بحكمه كذلك يكون تأكيدا النفي أيضا على ما وقع علي العلم ويحكم للعلم بحكم النفي فيدخل عل العلم توكيد النفي والمراد تأكيد نفي ما دخل عليه العلم
وإذا كانوا قد زادوا لا في الموجب المعنى لما توجه عليه فعل منفى في المعنى كقوله تعالى ما منعك ألا تسجد 1 المعنى أن تسجد فزاد لا تأكيدا للنفي المعنوي الذي تضمنه منعك فكذلك تزاد لا في العلم الموجب توكيدا للنفي الذي تضمنه الموجه عليه
قال الشلوبين وأما زيادة لا في قوله لئلا يعلم أهل الكتاب 2 فشيء متفق عليه وقد نص عليه سيبويه ولا يمكن أن تحمل الآية إلا على زيادة لا فيها لأن ما قبله من الكلام وما بعده يقتضيه
ويدل عليه قراءة ابن عباس وعاصم والحميدي ليعلم أهل الكتاب وقرأ ابن مسعود وابن جبير لكي يعلم وهاتان القراءتان تفسير لزيادتها وسبب النزول يدل على ذلك ايضا وهو أن المشركين كانوا يقولون إن الأنبياء منا وكفروا مع ذلك بهم فأنزل الله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب 3 الآية
ومنه ما منعك ألا تسجد 4 بدليل الاية الأخرى ما منعك أن تسجد 5 وليس المعنى ما منعك من ترك السجود فإنه ترك فلا يستقيم التوبيخ عليه
وقيل ليست بزائدة من وجهين
أحدهما أن التقدير ما دعاك إلى ألا تسجد لأن الصارف عن الشيء داع إلى تركه فيشتركان في كونهما من أسباب عدم الفعل
الثاني أن التقدير ما منعك من ألا تسجد
وهذا أقرب مما قبله لأن فيه إبقاء المنع على أصله وعدم زيادتها أولى لأن حذف حرف الجر مع أن كثير كثرة لا تصل إلى المجاز والزيادة في درجته
قالوا وفائدة زيادتها تأكيد الإثبات فإن وضع لا نفي ما دخلت عليه فهي معارضة للإثبات ولا يخفى أن حصول الحكم مع المعارض أثبت مما إذا لم يعترضه المعارض أو أسقط معنى ما كان من شأنه أن يسقط
ومنه ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن 1
وقيل وقد تزاد قبل القسم نحو فلا أقسم برب المشارق والمغارب 2 فلا أقسم بمواقع النجوم 3 لا أقسم بيوم القيامة 4 أي أقسم بثبوتها
وضعف في الأخيرة بأنها وقعت صدرا بخلاف ما قبلها لوقوعها بين الفا ومعطوفها
وقيل زيدت توطئة لنفي الجواب أي لا أقسم بيوم القيامة فلا يتركون سدى
ورد بقوله تعالى لا أقسم بهذا البلد 5 الآيات فإن جوابه مثبت وهو لقد خلقنا الإنسان في كبد 5
وقيل غير زائدة
وقيل هي رد لكلام قد تقدم من الكفار فإن القرآن كله كالسورة الواحدة فيجوز أن يكون الأدعاء في سورة والرد عليهم في أخرى فيجوز الوقف على لا هذه
واختلف في قوله تعالى قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به 1
فقيل زائدة ليصح المعنى لأن المحرم الشرك
وقيل نافية أو ناهية
وقيل الكلام تم عند قوله حرم ربكم ثم ابتدأ عليكم ألا تشركوا به
وقوله تعالى وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون 3 فيمن فتح الهمزة 3 فقيل لا زائدة وإلا لكان عذرا للكفار
ورده الزجاج بأنها نافية في قراءة الكسر 4 فيجب ذلك في قراءة الفتح
وقيل نافية وحذف المعطوف أي وأنهم يؤمنون
وقوله تعالى وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون 5
وقيل لا زائدة والمنع ممتنع 6 على أهل قرية قدرنا إهلاكهم لكفرهم أنهم لا يرجعون عن الكفر إلى قيام الساعة
وعلى هذا فحرام خبر مقدم وجوبا لأن المخبر عنه أن وصلتها
وقوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر