الجزء ٣ — ص ٦٢–٧١
وهم لا يشعرون وأربعة في حيز لو وهي آمنوا و اتقوا وفتحنا والمركبة مع أن وصلتها مع ثبت مقدرا على الخلاف في أنها فعلية أو أسمية والسادسة ولكن كذبوا والسابعة فأخذناهم والثامنة بما كانوا يكسبون
وأما قول المعترض فلآنه كان من حقه أن يعدها ثلاث جمل أحدها وهم لا يشعرون لأنها حال مرتبطة بعاملها وليست مستقلة برأسها والثانية لو وما في حيزها جملة واحدة فعلية إن قدر ولو ثبت أن أهل القرى آمنوا واتقوا أو أسمية وفعلية إن قدر إيمانهم واتقوا ثابتان والثالثة ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون 1 كله جملة
وينبغي على قواعد البيانيين أن يعدوا الكل جملة واحدة لارتباط بعضها ببعض وعلى رأي النحاة ينبغي أن يكون ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا 1 جملة واحدة لارتباط الشرط بالجزاء لفظا ولكن كذبوا ثانية أو ثالثة فأخذناهم ثالثه أو رابعه و بما كانوا يكسبون متعلق أخذناهم فلا يعد اعتراضا
وقوله وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي 2 فهذه ثلاث جمل معترضة بين وقيل يا أرض ابلعي ماءك وبين وقيل بعدا
وفيه اعتراض في اعتراض فإن وقضي الأمر معترض بين وغيض الماء وبين واستوت
ولا مانع من وقوع الاعتراض في الاعتراض كقوله وإنه لقسم لو تعلمون عظيم 3
ومنه قوله تعالى في سورة العنكبوت ذاكرا عن إبراهيم قوله اعبدوا الله واتقوه 1 ثم اعترض تسلية لقلب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين 1 وذكر آيات إلى أن قال فما كان جواب قومه 2 يعنى قوم إبراهيم فرجع إلى الأول
وجعل الزمخشري قوله تعالى فاستفتهم 2 وفي آخر الصافات معطوفا على فاستفتهم 3 في أول السورة 4 وقال في قول بعضهم في نذيرا للبشر 5 إنه حال من فاعل قم 6 في أول هذه السورة هذا من بدع التفاسير 7 وهذا الذي ذكره في الصافات منه
ومن العجب دعوى بعضهم كسر همزة إن في قوله تعالى إن ذلك لحق تخاصم أهل النار 8 على جواب القسم في قوله تعالى والقرآن ذي الذكر 8 حكاه الرماني
فإن قيل أين خبر إن في قوله تعالى إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم 9 قيل الخبر أولئك ينادون من مكان بعيد 10
$ فوائد
قال ابن عمرون 1 لا يجوز وقوع الاعتراض بين واو العطف وما دخلت عليه وقد أجازه قوم في ثم و أو فتقول زيد قائم ثم والله عمرو
وقوله تعالى إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما 2 اعتراض بين الشرط وجوابه مع أن فيه فاء والجملة مسندة ليكن
قال الطيبي سئل الزمخشري عن قوله تعالى فمن شاء ذكره 3 أهو اعتراض قال لا لأن من شرط الاعتراض أن يكون بالواو ونحوها وأما بالفاء فلا وفهم صاحب فرائد القلائد من هذا اشتراط الواو فقال وقد ذكر الزمخشري إنه كان صديقا نبيا 4 هذه الجملة اعتراض بين البدل وبين المبدل منه أعنى إبراهيم و إذ قال هذا معترض لأنه اعتراض بدون الواو بعيد عن الطبع وعن الاستعمال وليس كما قال فقد يأتي بالواو كما سبق في الأمثلة وبدونها كقوله سبحانه ولهم ما يشتهون 5 وقد اجتمعا في قوله فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم 6
القسم الثاني والعشرون & الاحتراس
وهو أن يكون الكلام محتملا لشيء بعيد فيؤتى بما يدفع ذلك الاحتمال كقوله
تعالى اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء 1 فاحترس سبحانه بقوله من غير سوء عن إمكان أن يدخل في ذلك البهق والبرص
وقوله تعالى أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين 2 فإنه لو اقتصر على وصفهم بالذلة وهو السهولة لتوهم أن ذلك لضعفهم فلما قيل أعزة على الكافرين علم أنها منهم تواضع ولهذا عدي الذل بعلى لتضمنه معنى العطف
وكذلك قوله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم 3
وقوله تعالى لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون 4 فقوله وهم لا يشعرون 4 احتراس بين أن من عدل سليمان وفضله وفضل جنوده أنهم لا يحطمون نملة فما فوقها إلا بالا يشعروا بها
وقد قيل إنما كان تبسم سليمان سرورا بهذه الكلمة منها ولذلك أكد التبسم بالضحك لأنهم يقولون تبسم كتبسم الغضبان لينبه على أن تبسمه تبسم سرور
ومثله قوله تعالى فتصيبكم منهم معرة بغير علم 5 التفات إلى أنهم لا يقصدون ضرر مسلم
وقوله تعالى وقيل بعدا للقوم الظالمين 6 فإنه سبحانه لما أخبر بهلاك من هلك بالطوفان عقبهم بالدعاء عليهم ووصفهم بالظلم ليعلم أن جميعهم كان مستحقا للعذاب
احتراس من ضعف يوهم أن الهلاك بعمومه ربما شمل من لا يستحق العذاب فلما دعا على الهالكين ووصفهم بالظلم علم استحقاقهم لما نزل بهم وحل بساحتهم مع قوله أولا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون 1
وأعجب احتراس وقع في القرآن قوله تعالى مخاطبا لنبيه عليه السلام وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر 2 الآية
وقال حكاية عن موسى وناديناه من جانب الطور الأيمن 3 فلما نفى سبحانه عن سوله أن يكون بالمكان الذي قضى لموسى فيه الأمر عرف المكان بالغربي ولم يقل في هذا الموضع الأيمن كما قال وناديناه من جانب الطور الأيمن أدبا مع النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفي عنه كونه بالجانب الأيمن أو يسلب عنه لفظا مشتقا من اليمن أو مشاركا لمادته ولما أخبر عن موسى عليه السلام ذكر الجانب الأيمن تشريفا لموسى فراعى في المقامين حسن الأدب معهما تعليما للأمة وهو أصل عظيم في الأدب في الخطاب
وقوله إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون 4 فإنه لو اختصر لترك والله يعلم لأن سياق الآية لتكذيبهم في دعاوي الإخلاص في الشهادة لكن حسن ذكره رفع توهم أن التكذيب للمشهود به في نفس الأمر
وقوله حاكيا عن يوسف عليه السلام وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن 5 ولم يذكر الجب مع أن النعمة فيه أعظم لوجهين
أحدهما لئلا يستحيي إخوته والكريم يغضى ولا سيما في وقت الصفاء
والثاني لأن السجن كان باختياره فكان الخروج منه أعظم بخلاف الجب
وقوله تكلم الناس في المهد وكهلا 1 وإنما ذكر الكهولة مع أنه لا إعجاز فيه لأنه كان في العادة أن من يتكلم في المهد أنه لا يعيش ولا يتمادى به العمر فجعل الاحتراس بقوله وكهلا
ومنه قوله فخر عليهم السقف من فوقهم 2 والسقف لا يكون إلا من فوق لأنه سبحانه رفع الاحتمال الذي يتوهم من أن السقف قد يكون من تحت بالنسبة فإن كثيرا من السقوف يكون أرضا لقوم وسقفا لآخرين فرفع تعالى هذا الاحتمال بشيئين وهما وقوله عليهم ولفظة خر لأنها لا تستعمل إلا فيما هبط أو سقط من العلو إلى سفل
وقيل إنما أكد ليعلم أنهم كانوا حالين تحته والعرب تقول خر علينا سقف ووقع علينا حائط فجاء بقوله من فوقهم ليخرج هذا الشك الذي في كلامهم فقال من فوقهم أي عليهم وقع وكانوا تحته فهلكوا وما أفتلوا
وقوله تعالى فأتوا حرثكم أنى شئتم 3 لأنه لما كان يحتمل معنى كيف وأين احترس بقوله حرثكم لأن الحرث لا يكون إلا حيث تنبت البذور وينبت الزرع وهو المحل المخصوص
وقوله ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون 4 وذلك لأن الاشتراك في المصيبة يخفف منها ويسلى عنها فأعلم سبحانه أنه لا ينفعهم ذلك
$ فائدة
عاب قدامة على ذي الرمة قوله % % ألا يا أسلمى يا دار مي على البلى % % ولا زال منهلا بجرعاتك القطر % $ 1
فإنه لم يحترس وهلا قال كما قال طرفة 2
فسقى ديارك غير مفسدها
وأجيب بأنه قدم الدعاء بالسلامة للدار
وقيل لم يرد بقوله ولا زال منهلا اتصال الدوام بالسقيا من غير إقلاع وإنما ذلك بمثابة من يقول ما زال فلان يزورني إذا كان متعاهدا له بالزيارة
القسم الرابع والعشرون
التذييل
مصدر ذيل للمبالغة وهي لغة جعل الشيء ذيلا للآخر واصطلاحا أن يؤتى بعد 2 تمام الكلام بكلام مستقل في معنى الأول تحقيقا لدلالة منطوق الأول أو مفهومه ليكون معه كالدليل ليظهر المعنى عند من لا يفهم ويكمل عند من فهمه
كقوله تعالى ذلك جزيناهم بما كفروا 3 ثم قال عز من قائل وهل نجازي إلا الكفور
1 أي هل يجازى ذلك الجزاء الذي يستحقه الكفور إلا الكفور فإن جعلنا الجزاء عاما كان الثاني مفيدا فائدة زائدة
وقوله وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا 2
وقوله وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون 3
وقوله والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير 4
فقوله ولا ينبئك مثل خبير تذييل لاشتماله على 5
وقوله فاستكبروا وكانوا قوما عالين 6
وقوله فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين 7
وجعل القاضي أبو بكر في كتابه الإعجاز منه قوله تعالى إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين 8
وقوله فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين 9
ويحتمل أن يكون من التعليل
وقوله إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون 10 فقوله
وكذلك 1 تذييل أي فذلك شأن الأمم مع الرسل وقوله ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير 1 جعل التذييل هنا من التفسير
القسم الخامس والعشرون
التتميم
وهو أن يتم الكلام فيلحق به ما يكمله إما مبالغة أو احترازا أو احتياطا وقيل هو أن يأخذ في معنى فيذكره غير مشروح وربما كان السامع لا يتأمله ليعود المتكلم إليه شارحا كقوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا 2 فالتتميم في قوله على حبه جعل الهاء كناية عن الطعام مع اشتهائه
وكذلك قوله وآتى المال على حبه 3
وكقوله تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة 4 فقوله وهو مؤمن تتميم في غاية الحسن
القسم السادس العشرون
الزيادة
والأكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة في كتاب الله ويسمونه التأكيد ومنهم من يسميه بالصلة ومنهم من يسميه المقحم
قال ابن جنى كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى وبابها الحروف والأفعال
كقوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم 1 فبما رحمة من الله 2
وقوله قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قيل كان هاهنا زائدة وإلا لم يكن فيه إعجاز لأن الرجال كلهم كانوا في المهد وانتصب صبيا على الحال
وقال ابن عصفور هي في كلامهم زيدت في وسط الكلام للتأكيد وهي مؤكدة للماضي في قالوا
ومنه زيادة أصبح قال حازم إن كان الأمر الذي ذكر أنه فيه اصبح يكن أمسى فيه فليست زائدة وإلا فهي زائدة كقوله أصبح العسل حلوا
وأجاب الرماني عن قوله فأصبحوا خاسرين 4 فإن العادة أن من به علة تزاد عليه بالليل يرجو الفرج عند الصباح فاستعمل أصبح لأن الخسران جعل لهم في الوقت الذي يرجون فيه الفرج فليست زائدة
وهو معنى قول غيره إنها تأتي للدوام واستمرار الصفة كقوله تعالى فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم 5 وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس 6
وأما قوله تعالى ظل وجهه مسودا وهو كظيم 7 فهو على الأصل لظهور الصفة نهارا والمراد الدوام أيضا أي استقرت له الصفة نهاره 8
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر