الجزء ٣ — ص ٨٢–٩١
يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا 1 على قراءة من نصب يأمركم 2 عطفا على يؤتيه ف لا زائدة مؤكدة لمعنى النفي السابق
وقيل عطف على يقول والمعنى ما كان لبشر أن ينصبه الله للدعاء إلى عبادته وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له ويامركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا
وقيل ليست زائدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة وأهل الكتاب عن عبادة عزيز وعيسى فلما قالوا له أنتخذك ربا قيل لهم ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء $ زيادة من
وأما من فإنها تزاد في الكلام الوارد بعد نفي أو شبهه نحو وما تسقط من ورقة إلا يعلمها 3 ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور 4 ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله 5
وجوز الأخفش زيادتها مطلقا محتجا بنحو قوله تعالى ولقد جاءك من نبإ المرسلين 1 يغفر لكم من ذنوبكم 2 يحلون فيها من أساور من ذهب 3 ويكفر عنكم من سيئاتكم 4
وأما ما في نحو قوله تعالى فبما رحمة من الله لنت لهم 5 وقوله فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم 6 ف ما في هذين الموضعين زائدة إلا أن فيها فائدة جليلة وهي أنه لو قال فبرحمة من الله لنت لهم وبنقضهم لعناهم جوزنا أن اللين واللعن كانا للسببين المذكورين ولغير ذلك فلما أدخل ما في الموضوعين قطعنا بأن اللين لم يكن إلا للرحمة وأن اللعن لم يكن إلا لأجل نقض الميثاق $ زيادة الباء
وأما الباء فتزاد في الفاعل نحو كفى بالله أي كفى الله ونحو أحسن نزيد إلا أنها في التعجب لازمة ويجوز حذفها في فاعل كفى بالله شهيدا وكفى بنا حاسبين 7 وإنما هو كفى الله وكفانا
وقال الزجاج دخلت لتضمن كفى معنى اكتفى وهو حسن
وفي المفعول نحو ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة 8 لأن الفعل يتعدى بنفسه بدليل قوله وألقينا فيها رواسي 9 ونحو وهزي إليك بجذع النخلة 10 ألم يعلم بأن الله يرى 11 فليمدد بسبب إلى السماء 12
ومن يرد فيه بإلحاد بظلم 1 فطفق مسحا بالسوق والأعناق 2 أي يمسح السوق مسحا
وقيل في الأول ضمن تلقوا معنى تفضوا
وقيل المعنى لا تلقوا أنفسكم بسبب أيديكم كما يقال لا تفسد أمرك برأيك
وقيل في قوله تعالى تنبت بالدهن 3 إن الباء زائدة والمراد تنبت الدهن
وفي المبتدأ وهو قليل ومنه عند سيبويه بأيكم المفتون 4
وقال أبو الحسن بأيكم متعلق باستقرار محذوف مخبر عنه بالمفتون ثم اختلف فقيل المفتون مصدر بمعنى الفتنة وقيل الباء ظرفية أي في أيكم الجنون
وفي خبر المبتدأ نحو جزاء سيئة بمثلها 5 وقال أبو الحسن الباء زائدة بدليل قوله في موضع آخر وجزاء سيئة سيئة مثلها 6
وفي خبر ليس كقوله تعالى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى 7 أليس الله بكاف عبده 8
وقال ابن عصفور في المقرب 9 وتزاد في نادر كلام لا يقاس عليه كقوله تعالى بقادر على أن يحيي الموتى 7 انتهى
ومراده الآية التي أولها أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر 1 ولذا صرح به ابن أبي الربيع 2 في القراءتين
ويدل على الزيادة الاية التي في الإسراء أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه 3
وزعم 4 ابن النحاس أنه أراد الآية الآولى أعنى قوله أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى 5 فاعتذر عنه بأنه إنما قال ذلك وإن كان في خبر ليس لأن ليس هنا بدخول الهمزة عليها لم يبق معناها من النفي فصار الكلام تقريرا ويعني بقوله في نادر في القياس لا في الاستعمال $ زيادة اللام
وأما اللام فتزاد معترضة بين الفعل ومفعوله كقوله % % وملكت ما بين العراق ويثرب % % ملكا أجار لمسلم ومعاهد %
وجعل منه المبرد قوله تعالى ردف لكم 6 والأكثرون على أنه ضمن ردف معنى اقترب كقوله اقترب للناس حسابهم 7
واختلف في قوله تعالى يريد الله ليبين لكم ويهديكم 8 فقيل زائدة وقيل للتعليل والمفعول محذوف أي يريد الله التبيين وليبين لكم ويهديكم أي فيجمع لكم بين الأمرين
وقال الزمخشري في قوله تعالى وأمرت لأن أكون أول المسلمين في سورة الزمر لك أن تجعل اللام مزيدة مثلها في أردت لأن أفعل ولا تزاد إلا مع أن خاصة دون الاسم الصريح كأنها زيدت عوضا من ترك الأصل إلى ما يقوم مقامه كما أتت السين في أسطاع يعني بقطع الهمزة عوضا من ترك الأصل الذى هو أطوع والدليل على هذا مجيئة بغير لام في قوله تعالى وأمرت لأن أكون أول المسلمين انتهى
وزيادتها في أردت لأن أفعل لم يذكره أكثر النحويين وإنما تعرضوا لها في إعراب يريد الله ليبين لكم 5
وتزاد لتقوية العامل الضعيف إما لتأخره نحو هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون 6 ونحو إن كنتم للرؤيا تعبرون 7
أو لكونه فرعا في العمل نحو مصدقا لما معهم 8 فعال لما يريد 9 نزاعة للشوى 10
وقيل منه إن هذا عدو لك ولزوجك 11 وقيل بل يتعلق بمستقر محذوف صفة لعدو وهي للاختصاص
وقد اجتمع 12 التأخر والفرعية في نحو وكنا لحكمهم شاهدين 13
وأما قوله تعالى نذيرا للبشر 1 فإن كان نذيرا 2 بمعنى المنذر فهو مثل فعال لما يريد 3 وإن كان بمعنى الإنذار فاللام مثلها في سقيا لزيد
وقد تجيء اللام للتوكيد بعد النفي وتسمى لام الجحود وتقع بعد كان مثل وما كان الله ليعذبهم 4 اللام لتأكيد النفي كالباء الداخلة في خبر ليس ومعنى قولهم إنها للتأكيد إنك إذا قلت ما كنت أضربك بغير لام جاز أن يكون الضرب مما يجوز كونه فإذا قلت ما كنت لأضربك فاللام جعلته بمنزلة ما لا يكون أصلا
وقد تأتي مؤكدة في موضع وتحذف في آخر لاقتضاء المقام ذلك
ومن أمثلته قوله تعالى ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون 5 فإنه سبحانه أكد إثبات الموت الذي لا ريب فيه تأكيدين وأكد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا وكان المتبادر العكس لأن التأكيد إنما يكون حيث الإنكار لكن في النظم وجوه
أحدها أن البعث لما قامت البراهين القطعية عليه صار المنكر له كالمنكر للبدهيات فلم يحتج إلى تأكيد وأما الموت فإنه وإن أقروا به لكن لما لم يعلموا ما بعده نزلوا منزلة من لم يقر به فاحتاج إلى تأكيد ذلك لأنه 6 قد ينزل المنكر كغير المنكر إذا كان معه مالو تأمله ارتدع من الإنكار 7 ولما ظهر على المخاطبين من التمادى في الغفلة والإعراض عن العمل
لما بعده والانهماك في الدنيا وهي من أمارات إنكار الموت فلهذا قال ميتون ولم يقل تموتون وإنما أكد إثبات البعث الذي أنكروه تأكيدا واحدا لظهور أدلته المزيلة للإنكار إذا تأملوا فيها ولهذا قيل تبعثون على الأصل وهو الاستقبال بخلاف تموتون
الثاني أن دخول اللام على ميتون أحق لأنه تعالى يرد على الدهرية القائلين ببقاء النوع الإنساني خلفا عن سلف وقد أخبر تعالى عن البعث في مواضع من القرآن وأكده وكذب منكره كقوله زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن 1 قاله الشيخ تاج الدين بن الفركاح 2
الثالث أنه لما كان العطف يقتضى الاشتراك في الحكم استغنى به عن إعادة لفظ اللام وكأنه قيل لتبعثون واستغنى بها في الثاني لذكرها في الأول
الرابع قال الزمخشري بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان أن يكون الموت نصب عينيه ولا يغفل عن ترقبه فإن مآله إليه فكأنه أكدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى لأن الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعى كأنه مخلد ولم يؤكد جملة البعث إلا ب إن لأنه أبرز بصورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ولا يقبل إنكارا
قلت هذه الأجوبة من جهة المعنى وأما الصناعة فتوجب ما جاءت الاية الشريفة عليه وهو حذف اللام في تبعثون لأن اللام تخلص المضارع للحال فلا يجاء به مع يوم القيامة لأنه مستقبل ولأن تبعثون عامل في الظرف المستقبل
وأما قوله وإن ربك ليحكم بينهم 3 فيمكن تأويلها بتقدير عامل
ونظير هذا آية الواقعة وهي قوله سبحانه لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون 1 وقال سبحانه في الماء لو نشاء جعلناه أجاجا 1 بغير لام والفرق بينهما من أربعة أوجه
أحدها أن صيرورة الماء ملحا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطاما إذ الماء العذب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحا فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد وهذا كما أن الإنسان إذا توعد عبده بالضرب بعصا ونحوه لم يحتج إلى توكيد وإذا توعد بالقتل احتاج إلى تأكيد
والثاني إن جعل الحرث حطاما قلب للمادة والصورة وجعل الماء أجاجا قلب للكيفية فقط وهو أسهل وأيسر
الثالث أن لو 2 لما كانت داخلة على جملتين معلقة ثانيتهما بالأولى تعليق الجزاء بالشرط 3 أتى باللام علما على ذلك ثم حذف الثاني للعلم بها لأن الشيء إذا علم وشهر موقعه وصار مألوفا ومأنوسا به 4 لم يبال بإسقاطه عن اللفظ استغناء بمعرفة السامع 4 ويساوى لشهرته حذفه وإثباته مع ما في حذفه من خفة اللفظ ورشاقته لأن تقدم ذكرها والمسافة قصيرة يغنى عن ذكرها ثانيا
الرابع أن اللام أدخلت في آية المطعوم للدلالة على أنه يقدم على أمر المشروب وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم ولهذا قدمت آية المطعوم على آية المشروب ذكرها والذي قبله الزمخشري
ومن ذلك حذف اللام في قوله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول
1 وإثباتها بعد قوله فأن لله خمسه وللرسول 2 الآية والجواب أنك إذا عطفت على مجرور 3 000
القسم السابع والعشرون
باب الاشتغال
فإن الشيء إذا أضمر ثم فسر كان أفخم مما إذا لم يتقدم إضمار ألا ترى أنك تجد اهتزازا في نحو قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره 4
وفي قوله قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي 5
وفي قوله يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما 6
وفي قوله فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة 7 لا تجد مثله إذا قلت وإن استجارك أحد من المشركين فأجره وقولك لو تملكون خزائن رحمة ربي وقولك يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما وقولك هدى فريقا وأضل فريقا إذ الفعل المفسر في تقدير المذكور مرتين
وكذا قوله تعالى إذا السماء انشقت 8 إذا السماء انفطرت 9 ونظائره فهذه فائدة اشتغال الفعل عن المفعول بضميره 10
القسم الثامن والعشرون
التعليل
بأن يذكر الشيء معللا فإنه أبلغ من ذكره بلا علة لوجهين
أحدهما أن العلة المنصوصة قاضية بعموم المعلول ولهذا اعترفت الظاهرية بالقياس في العلة المنصوصة
الثاني أن النفوس تنبعث إلى نقل الأحكام المعللة بخلاف غيرها وغالب التعليل في القرآن فهو على تقدير جواب سؤال اقتضته الجملة الأولى وهو سؤال عن العلة
ومنه إن النفس لأمارة بالسوء 1 إن زلزلة الساعة شيء عظيم 2 إن صلاتك سكن لهم 3
وتوضيح التعليل أن الفاء السببية لو وضعت مكان إن لحسن
والطرق الدالة على العلة أنواع
الأول التصريح بلفظ الحكم كقوله تعالى حكمة بالغة 4
وقال وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة 5 والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر