الجزء ٣ — ص ٥٢–٦١
له من الزيادة في تلك الصفة ما يستبعد عند السماع أو 1 يحيل عقله ثبوته
ومن أحسنها قوله تعالى أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض 2 وهي 3 ظلمة البحر وظلمة الموج فوقه وظلمة السحاب فوق الموج
وقوله تعالى وبلغت القلوب الحناجر 4 أي كادت تبلغ لأن القلب إذا زال عن موضعه مات صاحبه
وقيل هو حقيقة وإن الخوف والروع يوجب للخائف أن تنتفخ رئته ولا يبعد أن ينهض بالقلب نحو الحنجرة ذكره الفراء وغيره
أو أنها لما أتصل وجيبها واضطرابها بلغت الحناجر
ورد ابن الانبارى 5 تقديرا كادت فإن كاد لا تضمر
وقوله تعالى وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال 6
وقوله تعالى تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا
ومنه المبالغة في الوصف بطريق التشبيه كقوله تعالى إنها ترمي بشرر كالقصر كأنه جمالة صفر 8
وقد يخرج الكلام مخرج الإخبار عن الآعظم الأكبر للبمالغة وهو مجاز كقوله تعالى وجاء ربك والملك صفا صفا 1 فجعل مجيء جلائل آياته مجيئا له سبحانه على المبالغة
وكقوله سبحانه ووجد الله عنده فوفاه حسابه 2 فجعل نقله بالهلكة من دار العمل إلى دار الجزاء وجدانا للمجازى
ومنه ما جرى مجرى الحقيقة كقوله تعالى يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار 3 فإن اقتران هذه ب يكاد صرفها إلى الحقيقة فانقلب من الامتناع إلى الإمكان
وقد تجيء المبالغة مدمج كقوله تعالى سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار 4 فإن المبالغة في هذه الآية مدمجة في المقابلة وهي بالنسبة إلى المخاطب لا إلى المخاطب معناه أن علم ذلك متعذر عندكم وإلا فهو بالنسبة إليه سبحانه ليس بمبالغة
وأما قوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي 6 الآية فقيل 7 سببها أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له كيف عنفنا بهذا القول وما أوتيتم من العلم إلا قليلا 8 ونحن قد أوتينا التوراة وفيها كلام الله 9 وأحكامه ونور وهدى فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم التوراة قليل من كثير ونزلت هذه الآية
وقيل إنما نزلت ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام 1
قال المفسرون والغرض من ذلك الإعلام بكثرة كلماته وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة
وقال بعض المحققين إن ما تضمنت الآية أن كلمات الله تعالى لم تكن لتنفد ولم تقتض الآية أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور وكما قال الخضر عليه السلام ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر حين غمس منقاره فيها
وعد بعضهم من هذا القبيل ما جاء من المبالغة في القرآن من الإغضاء عن العيوب والصفح عن الذنوب والتغافل عن الزلات والستر على أهل المروءات كقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين 2
وقيل في تفسيره أن تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك وقوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن 3 الآية
تنبيه
1 تحصل مما سبق أن قصد المبالغة يستلزم في الحال الإيجاز إما بالحذف وإما بحجل الشيء نفس الشيء أو يتكرر لفظ يتم بتكرره التهويل والتعظيم ويقوم مقام أوصاف كقوله تعالى الحاقة ما الحاقة 2
وقد نص سيبويه على هذا كله في مواضع شتى من كتابه لافتراقها في أحكام
فائدة
في اختلاف الأقوال في تقدير المبالغة في الكلام
اختلف في المبالغة على أقوال
أحدها إنكار أن تكون من محاسن الكلام لاشتمالها على الاستحالة
والثاني أنها الغاية في الحسن وأعذب الكلام ما بولغ فيه وقد قال النابغة % % لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى % % وأسيافنا يقطرن من نجدة دما % $
والثالث وهو الأصح أنها من محاسن الكلام ولا ينحصر الحسن فيها فإن فضيلة الصدق لا تنكر ولو كانت معيبة لم ترد في كلام الله تعالى ولها طريقان
أحدهما أن يستعمل اللفظ في غير معناه لغة كما في الكناية والتشبيه والاستعارة وغيرها من أنواع المجاز
والثاني أن يشفع ما يفهم المعنى بالمعنى على وجه يتقضى زيادة فتترادف 3 الصفات
بقصد التهويل كما في قوله تعالى في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض 1
القسم الثاني والعشرون
الاعتراض $
وأسماه قدامة 2 التفاتا 3 وهو أن يؤتى في أثناء كلام أو كلامين متصلين معنى بشيء يتم الغرض الأصلي بدونه ولا يفوت بفواته فيكون فاصلا بين الكلام والكلامين لنكتة
وقيل هو إرادة وصف شيئين الأول منهما قصدا والثاني بطريق الانجرار وله تعليق بالأول بضرب من التأكيد
وعند النحاة جملة صغرى تتخلل جملة كبرى على جهة التأكيد
وقال الشيخ عز الدين في أماليه الجملة المعترضة تارة تكون مؤكدة وتارة تكون مشددة لأنها إما ألا تدل على معنى زائد على ما دل عليه الكلام بل دلت عليه فقط فهي مؤكدة وإما أن تدل عليه وعلى معنى زائد فهي مشددة انتهى
وذكر النحاة مما تتميز به الجملة الاعتراضية عن الحالية كونها طلبية كقوله تعالى
ومن يغفر الذنوب إلا الله 1 فإنه معترض بين فاستغفروا لذنوبهم وبين ولم يصروا على ما فعلوا 1
وله أسباب
منها تقرير الكلام كقولك فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل ورأى من الرأي كذا وكان صوابا
ومنه قوله تعالى تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض 2 لقد علمتم اعتراض والمراد تقرير إثبات البراءة من تهمة السرقة
وقوله وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم 3
وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون 4 واعترض بقوله وكذلك يفعلون 4 بين كلامها 5
وقوله وأتوا به متشابها 6
ومنها قصد التنزيه كقوله تعالى ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون 7 فاعتراض سبحانه لغرض التنزيه والتعظيم وفيه الشناعة على من جعل البنات لله
ومنها قصد التبرك وكقوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين 8
ومنها قصد التأكيد كقوله فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم 1
وفيها اعتراضان فإنه اعترض بقوله وإنه لقسم 1 بين القسم وجوابه واعترض بقوله لو تعلمون 1 بين الصفة والموصوف والمراد تعظيم شأن ما أقسم به من مواقع النجوم وتأكيد إجلاله في النفوس لا سيما بقوله لو تعلمون 1
وقوله إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا أولئك لهم جنات عدن 2 وأولئك الخبر وإنا لا نضيع اعتراض
ومنها كون الثاني بيانا للأول كقوله تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين 3 فإنه اعتراض وقع بين قوله فأتوهن 3 وبين قوله نساؤكم حرث لكم 4 وهما متصلان معنى لأن الثاني بيان للأول كأنه قيل فأتوهن من حيث يحصل منه الحرث وفيه اعتراض بأكثر من جملة
ومنها تخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد على أمر علق بهما كقوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك 5 فاعترض بقوله حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين 5 بين ووصينا وبين الموصي به وفائدة ذلك إذكار الولد بما كابدته أمه من المشقة في حمله وفصاله فذكر الحمل والفصال يفيد زيادة التوصية بالأم لتحملها من المشاق والمتاعب في حمل الولد ما لا يتكلفه الوالد ولهذا جاء في الحديث التوصية بالأم ثلاثا وبالأب مرة
ومنها زيادة الرد على الخصم كقوله تعالى وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها 1 الآية فقوله والله مخرج 1 اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وفائدته أن يقرر في أنفس المخاطبين أن تدارؤ بني إسرائيل في قتل تلك الأنفس لم يكن نافعا لهم في إخفائه وكتمانه لأن الله تعالى مظهر لذلك 2 ومخرجه ولو جاء الكلام خاليا من هذا الاعتراض لكان وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها 1 فقلنا اضربوه ببعضها 3
وقوله وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر 4 فاعترض بين إذ وجوابها بقوله والله أعلم بما ينزل 2 فكأنه أراد أن يجيبهم عن دعواهم فجعل الجواب اعتراضا
قوله وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة 5 إلى قوله بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون 5
وقوله قل اللهم فاطر السماوات والأرض 3 إلى قوله وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون اعتراض في اثناء الكلام وهو قوله وإذا ذكر الله وحده اشمأزت الاية وذلك لأن قوله فإذا مس الإنسان ضر سبب عن قوله وإذا ذكر الله وحده اشمأزت على معنى أنه يشمئزون من توحيد الله تعالى ويستبشرون بالشرك الذي هو ذكر الآلهة فإذا مس أحدهم ضر أو أصابته شدة تناقض في دعواه فدعا من أشمأز من ذكره وانقبض من توحيده ولجأ إليه دون الآلهة فهو اعتراض بين السبب والمسبب فقيد القول بما فيه من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بأمره بذلك وبقوله أنت تحكم بين عبادك ثم عقبه من الوعيد العظيم أشد التأكيد وأعظمه وأبلغه
ولذلك كان اتصال قوله وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه 1 للسبب الواقع فيها وخلو الأول منه من الأمر اشتراك جملة مع جملة ومناسبة أوجبت العطف بالواو الموضوعة 2 لمطلق بالجمع كقولهم قام زيد وعمرو وتسبيب السبب مع ما في ظاهر الاية من اشمئزازهم ليس يقتضى التجاءهم إلى الله تعالى وإنما يقتضى إعراضهم عنه من جهة أن سياق الآية يقتضى إثبات التناقض وذلك أنك تقول زيد يؤمن بالله تعالى فإذا مسه الضر لجأ إليه فهذا سبب ظاهر مبنى على اطراد الأمر وتقول زيد كافر بالله فإذا مسه ضر لجأ إليه فتجيء بالفاء هنا كالأول لغرض التزام التناقض أو العكس حيث أنزل الكافر كفره منزلة الإيمان في فصل سبب الالتجاء فأنت تلزمه العكس بأنك إنما تقصد بهذا الكلام الإنكار والتعجب من فعله 2
وقوله وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون 3 بقوله الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السماوات والأرض 3 اعتراض واقع في اثناء كلام متصل وهو قوله وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون 4 والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون 5 وهو على مهيع أسلوب القرآن من ذكر الضد عقب الضد كما قيل
وبضدها تتبين الأشياء
ومنها الإدلاء بالحجة كقوله تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر 6 فاعترض بقوله فاسألوا بين قوله نوحي إليهم وبين قوله بالبينات والزبر 6
وبهذه الآية ابن مالك على أبي علي الفارسي قوله إنه لا يعترض بأكثر من جملة واحدة
ورد بأن جملة الأمر دليل للجواب عند الأكثرين ونفسه عند آخرين فهو مع جملة الشرط كالجملة الواحدة نعم جوزوا في قوله تعالى متكئين على فرش بطائنها من إستبرق 1 أن يكون حالا من قوله ولمن خاف مقام ربه جنتان 3 فلزم الاعتراض بسبع جمل مستقلات إن كان ذواتا أفنان 3 خبر مبتدأ محذوف وإلا فيكون بست جمل
وقال الزمخشري في قوله تعالى ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون أفأمن أهل القرى 4 الآية إن في هذه الآية الكريمة سبع جمل معترضة جملة الشرط واتقوا وفتحنا وكذبوا وأخذناهم بما كانوا يكسبون وزعم أن أفأمن 5 معطوف على فأخذناهم بغتة وكذا نقله ابن مالك عن الزمخشري وتبعه أبو حيان ولم يوجد ذلك في كلام الزمخشري
قال ابن مالك ورد عليه من ظن أن الجملة والكلام مترادفان قال وإنما اعترض بأربع جمل وزعم أن من عند ولو أن إلى والأرض 4 جملة لأن الفائدة إنما تتم بمجموعه
وفي القولين نظر أما على قول ابن مالك فينبغي أن يكون بعدها ثمان جمل أحدها
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر