الجزء ٣ — ص ٤٢–٥١
والثالث أن الاقسام إنما تجب بأن يقسم الرجل بما يعظمه أو بمن يجله وهو فوقه والله تعالى ليس شيء فوقه فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته لأنها تدل على بارىء وصانع واستحسنه ابن خالويه
وقسمه بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله لعمرك ليعرف الناس عظمته عند الله ومكانته لديه قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في كنز اليواقيت والقسم بالشيء لايخرج عن وجهين إما لفضيلة أو لمنعفة فالفضيلة كقوله تعالى وطور سينين وهذا البلد الأمين 1 والمنفعة نحو والتين والزيتون 1
وأقسم سبحانه بثلاثة أشياء
أحداها بذاته كقوله تعالى فورب السماء والأرض 2 فوربك لنسألنهم أجمعين 3
والثاني بفعله نحو والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها 4
والثالث مفعولة نحو والنجم إذا هوى 5 والطور وكتاب مسطور 6
وهو ينقسم باعتبار آخر إلى مظهر ومضمر
فالمظهر كقوله تعالى فورب السماء والأرض 7 ونحوه
والمضمر على قسمين قسم دلت عليه لام القسم كقوله لتبلون في أموالكم وأنفسكم 1 وقسم دل عليه المعنى كقوله تعالى وإن منكم إلا واردها 3 تقديره والله
وقد أقسم تعالى بطوائف الملائكة في أول سورة الصافات 3 والمرسلات 4 والنازعات 5 $ فوائد
الأولى أكثر الأقسام المحذوفة الفعل في القرآن لا تكون إلا بالواو فإذا ذكرت الباء أتى بالفعل كقوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم 6 يحلفون بالله 7 ولا تجيء الباء والفعل محذوف إلا قليلا وعليه حمل بعضهم قوله يا بني لا تشرك بالله
1 وقال الباء باء القسم وليست متعلقه تشرك وكأنه يقول يا بني لا تشرك ثم ابتدأ فقال بالله لا تشرك وحذف لا تشرك لدلالة الكلام عليه وكذلك قوله ادع لنا ربك بما عهد عندك 2 قيل إن قوله بما عهد قسم والاولى أن يقال إنه سؤال لا قسم
وقوله ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته 3 فتقف على لي وتبتدي بحق فتجعله قسما
هذا مع قول النحويين إن الواو فرع الباء لكنه قد يكثر الفرع في الاستعمال ويقل الأصل
الثانية قد علمت أن القسم إنما جيء به لتوكيد المقسم عليه فتارة يزيدون فيه للمبالغة في التوكيد وتارة يحذفون منه للاختصار وللعلم بالمحذوف
فما زادوه لفظ إي بمعنى نعم كقوله تعالى قل إي وربي 4
ومما يحذفونه فعل القسم وحرف الجر ويكون الجواب مذكورا كقوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله 5 أي والله
وقوله لأقطعن أيديكم 6 لنسفعا بالناصية 7 ليسجنن وليكونن من الصاغرين 8
وقد يحذفون الجواب ويبقون القسم للعلم به كقوله تعالى ص والقرآن ذي الذكر
1 على أحد الأقوال أن الجواب حذف لطول الكلام وتقديره لأعذبنهم على كفرهم
وقيل الجواب إن ذلك لحق
ومما حذف فيه المقسم به قوله تعالى قالوا نشهد إنك لرسول الله 2 أي نحلف إنك لرسول الله لأن الشهادة بمعنى اليمين بدليل قوله أيمانهم جنة 3
وأما قوله تعالى فالحق والحق أقول 4 فالأول قسم بمنزلة والحق وجوابه لأملأن وقوله والحق أقول 5 توكيد للقسم
وأما قوله والسماء ذات البروج ثم قال قتل أصحاب الأخدود 6 قالوا وهو جواب القسم وأصله لقد قتل ثم حذف اللام وقد
الثالثة قال الفارسي في الحجة الألفاظ الجارية مجرى القسم ضربان
أحدهما ما تكون جارية كغيرها من الأخبار التي ليست بقسم فلا تجاب بجوابه كقوله تعالى وقد أخذ ميثاقكم إن كنتم مؤمنين 7 وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة 8 فيحلفون له كما يحلفون لكم 9 فهذا ونحوه يجوز أن يكون قسما وأن يكون حالا لخلوه من الجواب
والثاني ما يتعلق بجواب القسم كقوله تعالى وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه
1 وأقسموا بالله جهد أيمانهم 2
الرابعة القسم والشرط يدخل كل منهما على الآخر فإن تقدم القسم ودخل الشرط بينه وبين الجواب كان الجواب للقسم وأغنى عن جواب الشرط وإن عكس فبالعكس وأيهما تصدر كان الاعتماد عليه والجواب له
ومن تقدم القسم قوله تعالى لئن لم تنته لأرجمنك 3 تقديره والله لئن لم تنته فاللام الداخلة على الشرط ليس بلام القسم ولكنها زائدة وتسمى الموطئة للقسم ويعنون بذلك أنها مؤذنة بأن جواب القسم منتظر أي الشرط لا يصلح أن يكون جوابا لأن الجواب لا يكون إلا خبرا
وليس دخولها على الشرط بواجب بدليل حذفها في قوله تعالى وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم 4
والذي يدل على الجواب للقسم لا للشرط دخول اللام فيه وأنه ليس بمجزوم بدليل قوله تعالى لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله 5 ولو كان جواب الشرط لكان مجزوم
وأما قوله تعالى ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون 6 فاللام في ولئن هي الموطئة للقسم واللام في لإلى الله هي لام القسم ولم تدخل نون التوكيد على الفعل للفصل بينه وبين اللام بالجار والمجرور والأصل لئن متم أو قتلتم لتحشرون إلى الله فلما قدم معمول الفعل عليه حذف منه
القسم التاسع عشر
إبراز الكلام في صورة المستحيل على طريق المبالغة ليدل على بقية جمله
كقول العرب لا أكلمك حتى يبيض القار وحتى يشيب الغراب وكقوله تعالى ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط 1 يعنى والجمل لا يلج في السم فهؤلاء لا يدخلون فهو في المعنى متعلق بالحال فالمعنى أنهم لا يدخلون الجنة أصلا وليس للغاية هنا مفهوم ووجه التأكيد فيه كدعوى الشيء ببينه لأنه جعل ولوج الجمل في السم غاية لنفي دخولهم الجنة وتلك غاية لا توجد فلا يزال دخولهم الجنة منتفيا
وغالي بعض الشعراء في وصف جسمه بالنحول فجاء بما يزيد على الآية فقال % % ولو أن ما بي من جوى وصبابة % % على جمل لم يبق في النار خالد % $
وهذا على طريقة الشعراء في اعتبار المبالغة وإلا فمعارضات القرآن لا تجوز كما سبق التنبيه عليه
ومنه قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف 2
فإن المعنى إن كان ما سلف في الزمن السالف يمكن رجوعه فحله ثابت لكن لا يمكن رجوعه أبدا ولا يثبت حله ابدا وهو أبلغ في النهي المجرد
ومنه قوله تعالى قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين 3 أي ولكن ليس له ولد فلا أعبد سواه
وقوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما 1 أي إن كان تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم لغوا فلا يسمعون لغوا إلا ذلك فهو من باب قوله % % ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم % % بهن فلول من قراع الكتائب % $ 2
ومنه قوله لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى 3 فإن الناس استشكلوا وجه الاستثناء مع أنهم لا يذوقون فيها الموت مطلقا ومقتضى استثنائها من النفي أنهم يذوقونها في الجنة وليس كذلك
ووجهة الزمخشري 4 بأنه من التوكيد في الدلالة والموتة الأولى لا يذوقونها أصلا إذ يستحيل عود ما وقع فلا يذوقون فيها الموت أصلا أي إن كانوا يذوقون فلا يكون ذلك إلا الموتة الأولى وإن كان إيقاع الموتة الأولى في الجنة مستحيلا فعرض بالاستثناء إلى استحالة الموت فيها
هذا إن جعلنا الاستثناء متصلا فإن كان منقطعا فالمعنى لكن الموتة الأولى قد ذاقوها
ويحتمل على الاتصال أن يكون المعنى فيها أي في مقدماتها لأن الذي يرى مقامه في الجنة عند الجنة عند موته ينزل منزلة من هو فيها بتأويل الذوق على معنى المستحيل فهذه ثلاثة أوجه
القسم الموفى العشرين
الاستثناء والاستدراك $
ووجه التأكيد فيه أنه ثنى ذكره مرتين مرة في الجملة ومرة في التفصيل
فإذا قلت قام القوم إلا زيدا فكأنه كان في جملتهم ثم خرج منهم كقوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس 1 فإن فيه معنى زائدا على الاستثناء هو تعظيم أمر الكبيرة التي أتى بها إبليس من كونه خرق إجماع الملائكة وفارق جميع الملأ الأعلى بخروجه مما دخلوا فيه من السجود لآدم وهو بمثابة قولك أمر الملك بكذا فأطاع أمره جميع الناس من أمير ووزير إلا فلانا فإن الإخبار عن معصية الملك بهذا الصيغة أبلغ من قولك أمر الملك فعصاه فلان
وفي ضمن ذلك وصف الله سبحانه بالعدل فيما ضربه على أبليس من خزي الدنيا وختم عليه من عذاب الآخرة
ومنه قوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما 2 فإن في الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تهويلا على السامع ليشهد عذر نوح عليه السلام في الدعاء على قومه وحكمة الإخبار عن المدة بهذه الصيغة تعظيم للمدة ليكون أول ما يباشر السمع ذكر الألف واختصار اللفظ فإن لفظ القرآن أخصر من تسعمائة وخمسين عاما ولأن لفظ القرآن يفيد حصر العدد المذكور ولا يحتمل الزيادة عليه ولا النقص
ومنه قوله تعالى فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك 3 فإنه سبحانه لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر استثنى من حكم بخلوده في النار بلفظ مطمع حيث أثبت الاستثناء المطلق وأكده بقوله إن ربك فعال لما يريد أي أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة أكد خلودهم بعد الاستثناء بما يرفع أصل الاستثناء حيث قال عطاء غير مجذوذ
1 أي غير منقطع ليعلم أن عطاءه لهم الجنة غير منقطع وهذه المعاني زائدة على الاستثناء اللغوي
وقيل وجه الاستثناء فيه الخروج من الجنة إلى منزلة أعلى كالرضوان والرؤية ويؤيده قول بعض 2 الصحابة وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا
وصوبه النبي صلى الله عليه وسلم وجعل الزمخشري الاستثناء الأول لخروج أهل النار إلى الزمهرير أو إلى نوع آخر من العذاب بناء على مذهبه من تخليد أهل الكبائر في النار وجعل الاستثناء الثاني دالا على نجاة أهل الكبائر من العذاب فكأنه تصور 3 أن الاستثناء الثاني لما لم يحمل على انقطاع النعيم لقوله تعالى عطاء غير مجذوذ فكذا الاستثناء الأول لا يحمل على انقطاع عذاب الجحيم لتناسب أطراف الكلام
وقال معنى قوله إن ربك فعال لما يريد عقب الاستثناء الأول في مقابلة قوله عطاء غير مجذوذ عقب الثاني أن الله تعالى يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب كما يعطى لأهل الجنة عطاءه الذي لا انقطاع له 4
قيل وما أصدق في سياق الزمخشري في هذا الموضع قول القائل & حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
وذلك لأن ظاهر الاستثناء هو الإخراج عن حكم ما قبله ولا موجب للعدول
عن الظاهر في الاستثناء الأول فحمل على النجاة ولما كان إنجاء المستحق العذاب محل تعجب وإنكار عقبه بقوله إن ربك فعال لما يريد أي من العذاب والإنجاء منه بفضله ولا يتوجه عليه اعتراض أحد يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد
وأما الاستثناء الثاني فلم يكن على ظاهره كان إخراج أهل الجنة المستحقين للثواب وقطع النعيم لا يناسب إنحاء أهل النار المستحقين للعذاب فلذا عقب بقوله عطاء غير مجذوذ 1 بيانا للمقصود
ورعاية هذا الباب أولى من رعاية الباب الذي توهم الزمخشري فإن حاصله يرجع إلى أن الاستثناء الثاني لما لم يكن على ما هو الظاهر في باب الاستثناء ينبغي إلا يكون الاستثناء الأول ايضا على ما هو الظاهر ولا يخفى على المنصف أنه تعسف
وأما قوله تعالى ليس لهم طعام إلا من ضريع 2 فالمعنى لا طعام لهم أصلا لأن الضريع ليس بطعام البهائم فضلا عن الإنس وذلك كقولك ليس لفلان ظل إلا الشمس تريد ذلك نفي الظل عنه على التوكيد والضريع نبت ذو شوك يسمى الشبرق في حال خضرته وطراوته فإذا يبس سمى الضريع والإبل ترعاه طريا لا يابسا
وقريب منه تأكيد المدح بما يشبه الذم بأن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشيء صفة مدح بتقدير دخولها فيها كقوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما 3 التأكيد فيه من وجهين على الاتصال في الاستثناء والانقطاع
القسم الحادي والعشرون
المبالغة
وهي أن يكون للشيء صفة ثابتة فتزيد في التعريف بمقدار شدته أو ضعفه فيدعى
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر