الجزء ٣ — ص ٣٢–٤١
ولم يفعلوا بعد ذلك ما يستحقون به العذاب إذ الدنيا ليس دار الجزاء العام وإنما فيها من الجزاء ما تحصل به الحكمة والمصلحة كما في العقوبات الشرعية فمن أرادوا عداوة أحد من أتباع الأنبياء ليهلكوه فعصمه الله وجعل صورة الهلاك نعمة في حقه ولم يهلك أعداءه بل أخزاهم ونصره فهو أشبه بإبراهيم عليه السلام إذ عصمه الله من كيدهم وأظهره حتى صارت الحرب بينهم وبينه سجالا ثم كانت له العاقبة فهو أشبه بحال محمد صلى الله عليه وسلم فإن محمدا سيد الجميع وهو خليل الله كما أن إبراهيم عليه السلام خليله والخليلان هما أفضل الجميع وفي طريقهما من الرأفة والرحمة ما ليس في طريق غيرهما ولم يذكر الله عن قوم إبراهيم ذنبا غير الشرك وكذلك عن قوم نوح وأما عاد فذكر عنهم التجبر وعمارة الدنيا وقوم صالح ذكر عنهم الاشتغال بالدنيا عن الأنبياء وأهل مدين الظلم في الاموال مع الشرك وقوم لوط استحلال الفاحشة ولم يذكر أنهم أقروا بالتوحيد بخلاف سائر الامم وهذا يدل على أنهم لم يكونوا مشركين وإنما كان دينهم استحلال الفاحشة وتوابع ذلك وكانت عقوبتهم أشد
وهذه الأمور تدل على حكمة الرب وعقوبته لكل قوم بما يناسبهم ولما لم يكن في قوم نوح خير يرجى غرق الجميع والله المستعان
فتأمل هذا الفصل وعظم فوائده وتدبر حكمته فإنه سر عظيم من أسرار القرآن العظيم كقوله تعال أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى 1 فأعاد ذكر الأنهار مع كل صنف وكان يكفي أن يقال فيها أنهار من ماء ومن لبن ومن خمر ومن
عسل لكن لما كانت الأنهار من الماء حقيقة وفيما عدا 1 الماء مجازا للتشبيه فلو اقتصر على ذكرها مع الماء وعطف الباقي عليه لجمع بين الحقيقة والمجاز
فإن قلت فهلا أفرد ذكر الماء وجمع الباقي صيغة واحدة قيل لو فعل ذلك لجمع بين محامل من المجاز مختلفة في صيغة واحدة وهو قريب في المنع من الذي قبله فائدة
في صنيعهم عند استثقال تكرار اللفظ
قد يستثقلون تكرار اللفظ فيعدلون لمعناه كقوله تعالى فمهل الكافرين أمهلهم رويدا 2 فإنه لما أعيد اللفظ غير فعل إلى أفعل فلما ثلث ترك اللفظ أصلا فقال رويدا
وقوله تعالى لقد جئت شيئا نكرا ثم قال أمرا 3
قال الكسائي معناه شيئا منكرا كثير الدهاء من جهة الإنكار من قولهم أمر القوم إذا كثروا
قال الفارسي وأنا أستحسن قوله هذا
وقوله تعالى ارجعوا وراءكم 4 قال الفارسي وراءكم في موضع فعل الأمر أي تأخروا والمعنى ارجعوا تأخروا فهو تأكيد وليست ظرفا لأن الظروف لا يؤكد بها
وإذا تكرر اللفظ بمرادفة جازت الإضافة كقوله تعالى عذاب من رجز أليم
1 والقصد المبالغة أي عذاب مضاعف وبالعطف كقوله تعالى إنما أشكو بثي وحزني إلى الله 2 وقوله فاعفوا واصفحوا 3
القسم الخامس عشر
الزيادة في بنية الكلمة $
واعلم أن اللفظ إذا كان على وزن من الأوزان ثم نقل إلى وزن آخر أعلى منه فلا بد أن يتضمن من المعنى أكثر مما تضمنه أولا لأن الألفاظ أدلة على المعاني فإذا زيدت في الإلفاظ وجب زيادة المعاني ضرورة
ومنه قوله تعالى فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر 4 فهو أبلغ من قادر لدلالته على أنه قادر متمكن القدرة لا يرد شيء عن اقتضاء قدرته ويسمى هذا قوة اللفظ لقوة المعنى
وكقوله تعالى واصطبر فإنه أبلغ من الأمر بالصبر من أصبر
وقوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت 5 لأنه لما كانت السيئة ثقيلة وفيها تكلف زيد في لفظ فعلها
وقوله تعالى وهم يصطرخون فيها 6 فإنه أبلغ من يتصارخون
وقوله تعالى فكبكبوا فيها 7 ولم يقل وكبوا قال الزمخشري 8 والكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى
في جهنم ينكب 4 كبة مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها اللهم أجرنا منها خير مستجار
وقريب من هذا قول الخليل في قول العرب صر الجندب وصرصر البازي كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالة فقالوا صر صريرا فمدوا وتوهموا في صوت البازي تقطيعا فقالوا صرصر
ومنه الزيادة بالتشديد ايضا فإن ستارا وغفارا أبلغ من ساتر وغافر ولهذا قال تعالى فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا 3 ومن هذا رجح بعضهم معنى الرحمن على معنى الرحيم لما فيه من زيادة البناء وهو الألف والنون وقد سبق في السادس
ويقرب منه التضعيف ويقال التكثير وهو أن يؤتى بالصيغة دالة على وقوع الفعل مرة بعد مرة وشرطه أن يكون في الأفعال المتعدية قبل التضعيف وإنما جعله متعديا تضعيفه ولهذا رد على الزمخشري في قوله تعالى وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا 3 حيث جعل نزلنا هنا للتضعيف
وقد جاء التضعيف دالا على الكثرة في اللازم قليلا نحو موت المال
وجاء حيث لا يمكن فيه التكثير كقوله تعالى لولا أنزل عليه آية من ربه 4 لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا 5
فإن قلت فأمتعه قليلا 6 مشكل على هذه القاعدة لأنه إذا كان فعل للتكثير فكيف جاء قليلا نعتا لمصدر متع وهذا وصف كثير بقليل وإنه ممنوع
قلت وصفت بالقلة من حيث صيرورته إلى نفاد ونقص وفناء
واعلم أن زيادة المعنى في هذا القسم مقيد بنقل صيغة الرباعي غير موضوعة لمعنى فإنه لا يراد به ما أريد من نقل الثلاثي إلى مثل تلك الصيغة فقوله تعالى وكلم الله موسى تكليما 1 لا يدل على كثرة صدور الكلام منه لأنه غير منقول عن ثلاث
وكذا قوله ورتل القرآن ترتيلا 2 يدل على كثرة القراءة على هيئة التأني والتدبر
وكذا قوله تعالى وما علمناه الشعر 3 ليس النفي للمبالغة بل نفي أصل الفعل
القسم السادس عشر
التفسير
وتفعله العرب في مواضع التعظيم كقوله تعالى الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم 4 قال البيهقي في شرح الأسماء الحسنى قرأت في تفسير الجنيدي أن قوله لا تأخذه سنة 4 تفسير للقيوم
وقوله تعالى إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا 5
وقوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم 6 فإن هذا تفسير للوعد
وقوله تعال وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم 1 تفسير للوعد وتبيين له لا مفعول ثان فلم يتعد الفعل منها إلا إلى واحد
وقوله تعالى إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب 2 خلقه تفسير للمثل
وقوله تعالى يسومونكم سوء العذاب يذبحون 3 و يذبحون وما بعده تفسير للسوم وهو في القرآن كثير
قال أبو الفتح بن جنى ومتى كانت الجملة تفسيرا لم يحسن الوقف على ما قبلها دونها لأن تفسير الشيء لاحق به ومتمم له وجار مجرى بعض أجزائه كالصلة من الموصول والصفة من الموصوف
وقد يجيء لبيان العلة والسبب كقوله تعالى فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون 4 وليس هذا من قولهم وإلا لما حزن الرسول وإنما يجيء به لبيان السبب في أنه لا يحزنه قولهم
وكذلك قوله ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا 5
ولو جاءت الايتان على حد ما جاء قوله تعالى وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم 6 لكانت أن مفتوحة لكنها جاءت على حد قوله 00007
$ فائدة
قيل الجملة التفسيرية لا موضع لها من الإعراب وقيل يكون لها موضع إذا كان للمفسر موضع ويقرب منها ذكره تفصيلا كما سبق في قوله وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ومثل فصيام ثلاثة أيام في الحج 2
القسم السابع عشر
خروج اللفظ مخرج الغالب
كقوله تعالى وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم 3 فإن الحجر ليس بقيد عند العلماء لكن فائدة التقييد تأكيد الحكم في هذه الصورة مع ثبوته عند عدمها ولهذا قال بعده فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم 3 ولم يقل فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولم يكن في حجوركم فدل على أن الحجر خرج مخرج العادة
واعترض بأن الحرمة إذا كانت بالمجموع فالحل يثبت بانتفاء المجموع والمجموع ينتفي بانتفاء جزئه كما ينتفي بانتفاء كل فرد من المجموع
وأجيب بأنه إذا نفي أحد شطري العلة كان جزء العلة ثابتا فيعمل عملها
فإن قيل لما قال من نسائكم اللاتي دخلتم بهن 3 قال في الآية بعدها
وأحل لكم ما وراء ذلكم 1 علم من مجموع ذلك أن الربيبة لا تحرم إذا لم يدخل بأمها فما فائدة قوله تعالى فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم 2
قيل فائدته ألا يتوهم أن قيد الدخول خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط كما في الحجر المفهوم إذا خرج مخرج الغالب فلا تقييد فيه عند الجمهور خلافا لإمام الحرمين والشيخ عز الدين بن عبد السلام والعراقي حيث قالوا إنه ينبغي أن يكون حجة بلا خلاف إذا لم تغلب لأن الصفة إذا كانت غالبة دلت العادة عليها فاستغنى المتكلم بالعادة عن ذكرها فلما ذكرها مع استغنائه عنها دل ذلك على أنه لم يرد الإخبار بوقوعها للحقيقة بل ليترتب عليها نفي الحكم من المسكوت أما إذا لم تكن غالبة أمكن أن يقال إنما ذكرها ليعرف السامع أن هذه الصفة تعرض لهذه الحقيقة
ومنه قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق 3
وقوله تعالى وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة 4 وجوزوا أن الرهن لا يختص بالسفر لكن ذكر لأن فقد الكاتب يكون فيه غالبا فلما كان السفر مظنة إعواز الكاتب والشاهد الموثوق بهما أمر على سبيل الإرشاد بحفظ مال المسافرين بأخذ الوثيقة الأخرى وهي الرهن
وقوله تعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم 5 والقصر جائز مع أمن السفر لأن ذلك خرج مخرج الغالب لا الشرط وغالب أسفار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم تخل من خوف العدو
ومنهم من جعل الخوف هنا شرطا إن حمل القصر على ترك الركوع والسجود والنزول
عن الدابة والاستقبال ونحوه لا في عدد الركعات لكن ذلك شدة خوف لا خوف وسبب النزول لا يساعده
وكقوله تعالى فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا 1
القسم الثامن عشر
القسم
وهو عند النحويين جملة يؤكد بها الخبر حتى إنهم جعلوا قوله تعالى والله يشهد إن المنافقين لكاذبون 2 قسما وإن كان فيه إخبار إلا أنه لما جاء توكيدا للخبر سمى قسما
ولا يكون إلا باسم معظم كقوله فورب السماء والأرض إنه لحق 3 وقوله قل إي وربي إنه لحق 4
وقوله قل بلى وربي لتبعثن 5
وقوله فوربك لنحشرنهم والشياطين 6
وقوله فوربك لنسألنهم أجمعين 7
وقوله فلا وربك لا يؤمنون 8
وقوله فلا أقسم برب المشارق والمغارب 9
فهذه سبعة مواضع أقسم الله فيها بنفسه والباقي كله أقسم بمخلوقاته
كقوله والتين والزيتون 1
فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم 3
فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس 3
وإنما يحسن في مقام الإنكار
فإن قيل ما معنى القسم منه سبحانه فإنه إن كان لأجل المؤمن فالمؤمن يصدق مجرد الاخبار وإن كان لأجل الكافر فلا يفيده
فالجواب قال الاستاذ أبو القاسم القشيري إن الله ذكر القسم لكمال الحجة وتأكيدها وذلك أن الحكم يفصل باثنين إما بالشهادة وإما بالقسم فذكر تعالى النوعين حتى يبقى لهم حجة
وقوله لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون 4
وعن بعض الأعراب أنه لما سمع قوله تعالى وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق 5 صاح وقال من الذي أغضب الجليل حتى ألجأه إلى اليمين قالها ثلاثا ثم مات
فإن قيل كيف أقسم بمخلوقاته وقد ورد النهي علينا ألا نقسم بمخلوق
قيل فيه ثلاثة أجوبة
أحدها أنه حذف مضاف أي ورب الفجر ورب التين وكذلك الباقي
والثاني أن العرب كانت تعظم هذه الاشياء وتقسم بها فنزل القرآن على ما يعرفون
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر