علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٠٤ من ١٩٤

الجزء ٣ — ص ٢٢–٣١

براءته ودوامها مما عبدوه ولو مرة بخلاف قوله لا أعبد ما تعبدون فإن النفي من جنس الاثبات وكلاهما مضارع يظهران جملة ومنفردا

ومنه تكرير الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات من سورة البقرة 1 لن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس اليهود لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم وأهل النفاق أشد إنكارا له لأنه كان أول نسخ نزل وكفارة قريش قالوا ندم محمد على فراق ديننا فيرجع إليه كما رجع إلى قبلتناوكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبلتهما وآثر عليها قبلة اليهود وقال الله تعالى حين أمره بالصلاة إلى الكعبة لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم 2 والاستثناء منقطع أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال سبحانه الحق من ربك فلا تكونن من الممترين 3 أي الذين أشركوا فلا تمتر في ذلك وقال تعالى وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون 4 أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء

ومنه قوله تعالى فتول عنهم حتى حين وأبصرهم فسوف يبصرون 5

وقال صاحب الينبوع 6 لم يبلغني عن المفسرين فيه شيء

وقال المفسرون في غريب القرآن هما في المعنى كالآيتين المتقدمتين فكرر للتأكيد وتشديد الوعيد

ويحتمل أن يكون الحين في الأوليين 1 يوم بدر و الحين في هاتين 2 يوم فتح مكة

ومن فوائد قوله تعال في الأوليين وأبصرهم وفي هاتين فأبصر أن الأولى بنزول العذاب بهم يوم بدر قتلا وأسرا وهزيمة ورعبا فما تضمنت التشفي بهم قيل له أبصرهم وأما يوم الفتح فإنه اقترن بالظهور عليهم الإنعام بتأمينهم والهداية إلى إيمانهم فلم يكن وفقا للتشفي بهم بل كان في استسلامهم وإسلامهم لعينه قرة ولقلبه مسرة فقيل له أبصر

ويحتمل على هذا إن شاء الله أن يكون من فوائد قوله تعالى في هذه فسوف يبصرون أي يبصرون منك عليهم بالأمان ومننا عليهم بالإيمان

ومنه قوله تعالى لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن 3

وللتكرار هنا فائدتان

إحداهما أن التحريم قد يكون في الطرفين ولكن يكون المانع من إحداهما كما لو ارتدت الزوجية قبل الدخول يحرم النكاح من الطرفين والمانع من جهتهما فذكر الله سبحانه الثانية ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين كذلك المانع منهما

والثانية أن الأولى دلت على ثبوت التحريم في الماضي ولهذا أتى فيها بالاسم الدال على الثبوت والثانية في المستقبل ولهذا أتى فيها بالفعل المستقبل

ومنه تكرار الإضراب

واعلم أن بل إذا ذكرت بعد كلام موجب فمعناها الإضراب

وهو أما أن يقع في كلام الخلق ومعناه إبطال ما سبق على طريق الغلط من المتكلم أو أن الثاني أولى

وإما أن يقع في كلام الله تعالى وهو ضربان

أحدهما أن يكون ما فيها من الرد راجعا إلى العباد كقوله تعالى قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر 1

والثاني أن يكون إبطالا ولكنه على أنه قد انقضى وقته وأن الذي بعده أولى بالذكر كقوله تعالى بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب 2

وزعم ابن مالك في شرح الكافية أن بل حيث وقعت في القرآن النرآن فإنها للاستئناف لغرض آخر لإبطال وهو مردود بما سبق وبقوله وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون 3 فأضرب بها عن قولهم وأبطل 2 كذبهم

وقوله بل أنتم قوم عادون 4 أضرب بها عن حقيقة إتيانهم الذكور وترك الازواج

ومنه قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله 5

فالأول للمطلقين والثاني للشهود نحو وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن 1 أولها للأزواج وآخرها للأولياء 0

ومنه تكرار الأمثال كقوله تعالى وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات 2

وكذلك ضرب مثل المنافقين أول البقرة 3 ثناه الله تعالى

قال الزمخشري والثاني أبلغ 4 من الأول لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته قال ولذلك أخر وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ

ومنه تكرار القصص في القرآن كقصة إبليس في السجود لآدم وقصة موسى وغيره من الأنبياء قال بعضهم ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه قال ابن العربي 5 في القواصم ذكر الله قصة نوح في خمسة وعشرين آية وقصة موسى في سبعين آية انتهى

وإنما كررها لفائدة خلت عنه في الموضع الآخر وهي أمور

أحدها أنه إذا كرر القصة زاد فيها شيئا ألا ترى أنه ذكر الحية 1 في عصا موسى عليه السلام وذكرها في موضع آخر ثعبانا ففائدته أن ليس كل حية ثعبانا 2 وهذه عادة البلغاء أن يكرر أحدهم في آخر خطبته أو قصيدته كلمة لصفة زائدة

الثانية أن الرجل كان يسمع القصة من القرآن ثم يعود إلى أهله ثم يهاجر بعده آخرون يحكمون عنه ما نزل بعد صدور الاولين وكان أكثر من آمن به مهاجريا فلولا تكرر القصة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى آخرين وكذلك سائر القصص فأراد الله سبحانه وتعالى اشتراك الجميع فيها فيكون فيه إفادة القوم وزيادة تأكيد وتبصرة 3 لاخرين وهم الحاضرون وعبر عن هذا ابن الجوزي وغيره

الثالثة تسليته لقلب النبي صلى الله عليه وسلم مما اتفق للأنبياء مثله مع أممهم 4 قال تعالى وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك 5

الرابعة أن إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة لا يخفى ما فيه من الفصاحة

الخامسة أن الدواعي لا تتوفر على نقلها كتوفرها على نقل الاحكام فلهذا كررت القصص دون الأحكام

السادسة أن الله تعالى أنزل هذا القرآن وعجز القوم عن الإتيان بمثل آية لصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم بين وأوضح الأمر في عجزهم بأن كرر ذكر القصة في مواضع إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله بأي نظم جاءوا بأي عبارة عبروا قال ابن فارس 1 وهذا هو الصحيح

السابعة أنه لما سخر العرب بالقرآن قال فأتوا بسورة من مثله 3 وقال في موضع آخر فأتوا بعشر سور 3 فلو ذكر قصة آدم مثلا في موضع واحد واكتفى بها لقال العربي بما قال الله تعالى فأتوا بسورة من مثله إيتونا أنتم بسورة من مثله فأنزلها سبحانه في تعداد السور دفعا لحجتهم من كل وجه

الثامنة أن القصة الواحدة من هذه القصص كقصة موسى مع فرعون وإن ظن أنها لا تغاير الأخرى فقد يوجد في ألفاظها زيادة ونقصان وتقديم وتأخير وتلك حال المعاني الواقعة بحسب تلك الألفاظ فأن كل واحدة لا بد وأن تخالف نظيرتها من نوع معنى زائد فيه لا يوقف عليه إلا منها دون غيرها فكأن الله تعالى فرق ذكر ما دار بينهما وجعله أجزاء ثم قسم تلك الاجزاء على تارات 4 التكرار لتوجد متفرقة فيها ولو جمعت تلك القصص في موضع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه من الكتب المتقدمة من انفراد كل قصة منها بموضع كما وقع في القرآن بالنسبة ليوسف عليه السلام خاصة فاجتمعت في هذه الخاصية من نظم القرآن عدة معان عجيبة

منها أن التكرار 5 فيها مع سائر الألفاظ لم يوقع في اللفظ هجنة ولا أحدث مللا فباين بذلك كلام المخلوقين

ومنها أنه ألبسها زيادة ونقصانا وتقديما وتأخيرا ليخرج بذلك الكلام أن

تكون ألفاظه واحدة بأعيانها فيكون شيئا معادا فنزهه عن ذلك بهذه التغييرات

ومنها أن المعاني التي اشتملت عليها القصة الواحدة من هذه القصص صارت متفرقة في تارات التكرير فيجد البليغ لما فيها من التغيير ميلا إلى سماعها لما جبلت عليه النفوس من حب التنقل في الأشياء المتجددة التي لكل منها حصة من الالتذاذ به مستأنفة

ومنها ظهور الأمر العجيب في أخراج صور متباينة في النظم بمعنى واحد وقد كان المشركون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يعجبون من اتساع الأمر في تكرير هذه القصص والأنباء مع تغاير أنواع النظم وبيان وجوه التأليف فعرفهم الله سبحانه أن الأمر بما يتعجبون منه مردود إلى قدرة من لا يلحقه نهاية ولا يقع على كلامه عدد لقوله تعالى قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا 1 وكقوله ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده 2 الآية

وقال القفال 3 في تفسيره ذكر الله في أقاصيص بني اسرئيل وجوها من المقاصد أحدها الدلالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عنها من غير تعلم وذلك لا يمكن إلا بالوحي

الثاني تعديد النعم على بني إسرائيل وما من الله على أسلافهم من الكرامة والفضل كالنجاة من آل فرعون وفرق البحر لهم وما أنزل عليه في التيه من المن والسلوى وتفجر الحجر وتظليل الغمام

الثالث إخبار الله نبيه بتقديم كفرهم وخلافهم وشقاوتهم وتعنتهم على الأنبياء فكأنه تعالى يقول إذا كانت هذه معاملتهم مع نبيهم الذي أعزهم الله به وأنقذهم من العذاب بسببه فغير بدع ما يعامله أخلافهم محمد صلى الله عليه وسلم

الرابع تحذير أهل الكتاب الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من نزول العذاب بهم كما نزل بأسلافهم

وهنا سؤالان

أحدهما ما الحكمة في عدم تكرر قصة يوسف عليه السلام وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد دون غيرها من القصص

والجواب من وجوه

الأول فيها من تشبيب النسوة به وتضمن الإخبار عن حال امرأة ونسوة افتتن بأبدع الناس جمالا وأرفعهم مثالا فناسب عدم تكرارها لما فيها من الإعضاء والستر عن ذلك وقد صحح الحاكم في مستدركه حديثا مرفوعا النهي عن تعليم النساء سورة يوسف

الثاني أنها اختصت بحصول الفرج بعد الشدة بخلاف غيرها من القصص فإن مآلها إلى الوبال كقصة إبليس وقوم نوح وقوم هود وقوم صالح وغيرهم فلما اختصت هذه القصة في سائر القصص بذلك اتفقت الدواعي على نقلها لخروجها عن سمت القصص

الثالث قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني إنما كرر الله قصص الأنبياء وساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة إلى عجز العرب كأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم

أن كان من تلقاء نفسي تصديره على الفصاحة فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في قصص سائر الأنبياء

السؤال الثاني أنه سبحانه وتعالى ذكر قصة قوم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى في سورة الأعراف وهود والشعراء ولم يذكر معهم قصة إبراهيم وإنما ذكرها في سورة الأنبياء ومريم والعنكبوت والصافات

والسر في ذلك أن تلك السور الأول ذكر الله فيها نصر رسله بإهلاك قومهم ونجاء الرسل وأتباعهم وهذه السور لم يقتصر فيها على ذكر من أهلك من الأمم بل كان المقصود ذكر الأنبياء وإن لم يذكر قومهم ولهذا سميت سورة الأنبياء فذكر فيها إكرامه للأنبياء وبدأ بقصة إبراهيم إذ كان المقصود ذكر كرامته الأنبياء قبل محمد وإبراهيم أكرمهم على الله وهو خير البرية وهو أب أكثرهم وليس هو أب نوح ولوط لكن لوط من أتباعه وأيوب من ذريته بدليل قوله تعالى في سورة الأنعام ومن ذريته داود وسليمان وأيوب 1

وأما سورة العنكبوت فإنه سبحانه وتعالى ذكر فيها امتحانه للمؤمنين نصره لهم وحاجتهم إلى الجهاد وذكر فيها حسن العاقبة لمن صبر وعاقبة من كذب الرسل فذكر قصة إبراهيم لأنها من النمط الأول

وكذلك في سورة الصافات قال فيها ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين 2 وهذا يقتضي أنها عاقبة رديئة إما بكونهم غلبوا وذلوا وإما بكونهم أهلكوا ولهذا ذكر قصة إلياس دون غيرها ولم يذكر إهلاك قومه بل قال فكذبوه فإنهم لمحضرون 3

وقد روى أن الله رفع إلياس وهذا يقتضي عذابهم في الآخرة فإن إلياس لم يقم بينهم وإلياس المعروف بعد موسى من بني إسرائيل وبعد موسى لم يهلك المكذبين بعذاب الاستئصال وبعد نوح لم يهلك جميع النوع وقد بعث الله في كل أمة نذيرا والله سبحانه لم يذكر عن قوم إبراهيم أنهم أهلكوا كما ذكر ذلك عن غيرهم بل ذكر أنهم ألقوه في النار فجعلها بردا وسلاما وفي هذا ظهور برهانه وآياته حيث أذلهم ونصره فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين 1 وهذا من جنس المجاهد الذي يعرض عدوه والقصص الأول من جنس المجاهد الذي 2 قتل عدوه وإبراهيم بعد هذا لم يقم بينهم بل هاجر وتركهم وأولئك الرسل لم يزالوا مقيمين بين أظهرهم حتى هلكوا ولم يوجد في حق إبراهيم سبب الهلاك وهو إقامته فيهم وانتظار العذاب النازل وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم مع قومه لم يقم فيهم بل خرج عنهم حتى أظهره الله عليهم بعد ذلك ومحمد وإبراهيم أفصل الرسل فإنهم إذا علموا حصل المقصود وقد يتوب منهم من تاب كما جرى لقوم يونس فهذا والله أعلم هو السر في أنه سبحانه لم يذكر قصة إبراهيم مع هؤلاء لأنها ليست من جنس واقعتهم

فإن قيل فما وجه الخصوصية بمحمد وإبراهيم بذلك

فالجواب أما حالة إبراهيم فكانت إلى الرحمة أميل فلم يسع في هلاك قومه لا بالدعاء ولا بالمقام ودوام إقامة الحجة عليهم وقد قال الله تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم 3 وكان كل قوم يطلبون هلاك نبيهم فعوقبوا وقوم إبراهيم وإن أوصلوه إلى العذاب لكن جعله الله عليه بردا وسلاما

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر