علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٠٣ من ١٩٤

الجزء ٣ — ص ١٢–٢١

وكذا قوله وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين 1

وقوله فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر 2 يحتمل أن يكون منه وأن يكون من المتماثلين

والحاصل أنه هل هو إنذار تأكيد 3 أو إنذاران فإن قلت سوف تعلم ثم سوف تعلم كان أجود منه بغير عطف لتجريه على غالب استعمال التأكيد ولعدم احتماله لتعدد المخبر به

وأطلق بدر الدين بن مالك في شرح الخلاصة 4 أن الجملة التأكيدية قد توصل بعاطف ولم تختص بثم وإن كان ظاهر كلام والده التخصيص وليس كذلك فقد قال تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله 5 فإن المأمور فيهما واحد كما قاله النحاس والزمخشري والإمام فخر الدين والشيخ عز الدين ورجحوا ذلك على احتمال أن تكون التقوى الأولى مصروفة لشيء غير التقوى والثانية مع شأن إرادته

وقولهم إنه تأكيد فمرادهم تأكيد المأمور به بتكرير الإنشاء لا أنه تأكيد لفظي ولو كان تأكيدا لفظيا لما فصل بالعطف ولما فصل بينه وبين غيره ولتنظر نفس 5

فإن قلت اتقوا الثانية معطوفة على ولتنظر

أجيب بأنهم قد اتفقوا على أن وقولوا للناس حسنا 1 معطوف على لا تعبدون إلا الله 1 لا على قوله وبالوالدين إحسانا 1 وهو نظير ما نحن فيه

وقوله تعالى يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين 2 وقوله فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم 3 ويحتمل أن يكون اصطفاءين و ذكرين وهو الأقرب في الذكر لأنه محل طلب فيه تكرار الذكر

وكقوله تعالى حكاية عن موسى كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا 4

وقوله أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار 5 كرر أولئك

وكذلك قوله أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون 6

وكذا قوله فلما أن أراد أن يبطش بالذي 7 إلى قوله من المصلحين 7 كررت أن في أربع مواضيع تأكيدا

وقوله قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين 8

الثاني زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكمل تلقي الكلام بالقبول ومنه قوله

تعالى وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع 1 فإنه كرر فيه النداء لذلك

الثالث إذا طال الكلام وخشى تناسى الأول أعيد ثانيا تطرية له وتجديدا لعهده كقوله تعالى ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم 3

وقوله ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا 3 الآية

وقوله ولما جاءهم كتاب من عند الله ثم قال فلما جاءهم ما عرفوا 4 فهذا تكرار للأول ألا ترى أن لما لا تجيء بالفاء

ومثله لا تحسبن الذين يفرحون 5 ثم قال فلا تحسبنهم 5

وقوله ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم 6 ثم قال ولو شاء الله ما اقتتلوا 6

منه قوله إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين 7

وقوله أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون 8 فقوله إنكم الثاني بناء على الأول إذ كارا به خشية تناسيه

وقوله وهم عن الآخرة هم غافلون 9

وكذلك قوله إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم 1 إلى قوله كذلك نجزي المحسنين 1

بغير إنا وفي غيره من مواضع ذكر إنا كذلك لأنه يبنى على ما سبقه في هذه القصة من قوله إنا كذلك فكأنه طرح فيما اكتفى بذكره أولا عن ذكره ثانيا ولأن التأكيد بالنسبة فاعتبر اللفظ من حيث هو دون توكيده

ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء وهذا أسلوب غريب وقل في القرآن وجوده وأكثر ما يكون عند تقدم مقتضيات الألفاظ كالمبتدأ وحروف الشرطين الواقعين في الماضي والمضارع ويستغنى عنه عند أمر محذور التناسي

وقد يرد منه شيء يكون بناؤه بطريق الإجمال والتفصيل بأن تتقدم التفاصيل والجزئيات في القرآن فإذا خشى عليها التناسي لطول العهد بها بنى على ما سبق بها بالذكر الجملي كقوله تعالى فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم 2 إلى قوله وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما 2 فقوله فبظلم بيان لذكر الجملي على ما سبق في القول من التفصيل وذلك أن الظلم جملى على ما سبق من التفاصيل من النقض والكفر وقتل الانبياء وقولهم قلوبنا غلف 2 والقول على مريم بالبهتان ودعوى قتل المسيح عليه السلام إلى ما تخلل ذلك من أسلوب الاعتراض بها موضعين وهما قوله بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا 3 وقوله وما قتلوه وما صلبوه 2 إلى قوله شهيدا 2 وأنه لما ذكر بالبناء جملى الظلم من قوله فبظلم لأنه يعم على كل ما تقدم وينطوى عليه ذكر حينئد متعلق الجملى من قوله فبما نقضهم ميثاقهم 2 عقب الباء لأن العامل في الأصل حقه أن بلى معموله فقال فبظلم من الذين هادوا حرمنا

هو متعلق بقوله فبظلم 2 وقد اشتمل الظلم على كل ما تقدم قبله كما أنه أيضا اشتمل على كل ما تأخر من المحرمات الآخر التي عددت بعد ما اشتملت على ذكر الشيء بالعموم والخصوص فذكرت الجزئيات الأولى بخصوص كل واحد ثم ذكر العام المنطوي عليها فهذا تعميم بعد تخصيص ثم ذكرت جزئيات آخر بخصوصها فتركيب الأساليب من وجوه كثيرة في الآية وهو التعميم بعد التخصيص ثم التخصيص بعد التعميم ثم البناء بعد الاعتراض

ومنه قوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات 2 إلى قوله عذابا أليما 2 فقوله ولولا رجال مؤمنون 2 إلى قوله بغير علم هو المقتضى الاول المتقدم وقوله لو تزيلوا هو المقتضى الثاني وهو البناء لأنه المذكر بالمقتضى الأول الذي هو لولا خشية تناسيه فهو مبنى على الأول ثم أورد مقتضاها من الجواب بقوله لعذبنا الذين كفروا منهم 2 ورودا واحدا من حيث أخذا معا كأنهما مقتضى منفرد من حيث هما واحد بالنوع وهو الشرط الماضي فقوله لو تزيلوا 2 بناء على قوله ولولا رجال 2 نظر في المضارعة وأما قوله ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم 3 فيجوز أن يكون تكريرا ويجوز أن يكون الكلام عند قوله وأصلحوا ويكون الثاني بيانا لمجمل لا تكريرا

وقد جعل ابن المنير من هذا القسم قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه ثم قال من شرح بالكفر صدرا 5

وقوله ولولا رجال مؤمنون 1 ثم قال لو تزيلوا 1 ونازعه العراق 3 لأن المعاد فيهما أخص من الأول وهذا يجيء في كثير مما ذكرنا ولا بد أن يكون وراء التكرير شيء أخص منه كما بينا

الرابع في مقام التعظيم والتهويل كقوله تعالى الحاقة ما الحاقة 3 القارعة ما القارعة 4 إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر 5

وقوله وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين 6

وقوله فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة 7

وقوله ليستيقن الذين أوتوا الكتاب 8

الخامس في مقام الوعيد والتهديد كقوله تعالى كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون 9 وذكر ثم في المكرر دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول وفيه تنبيه على تكرر ذلك مرة بعد أخرى وإن تعاقبت عليه الأزمنة لا يتطرق إليه تغيير بل هو مستمر دائما

السادس التعجب كقوله تعالى فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر 1 فأعيد تعجبا من تقديره وإصابته الغرض على حد قاتله الله ما أشجعه

السابع لتعدد المتعلق كما في قوله تعالى فبأي آلاء ربكما تكذبان 2 فإنها وأن تعددت فكل واحد منها متعلق بما قبله وإن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الإنس والجن وعدد عليهم نعمه التي خلقها لهم فكلما ذكر فصلا من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم الشكر عليه وهي أنواع مختلفة وصور شتى

فإن قيل فإذا كان المعنى في تكريرها عد النعم واقتضاء الشكر عليها فما معنى قوله يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران 3 وأي نعمة هنا وإنما هو وعيد

قيل إن نعم الله فيما أنذر به وحذر من عقوباته على معاصيه ليحذروها فيرتدعوا عنها نظير أنعمه على ما وعده وبشر من ثوابه على طاعته ليرغبوا فيها ويحرصوا عليها وإنما تتحقق معرفة الشيء بأن تعتبره بضده والوعد والوعيد وإن تقابلا في ذواتهما فإنهما متقاربان في موضع النعم بالتوقيت على ملاك الأمر منها وعليه قول بعض حكماء الشعراء % % والحادثات وإن أصابك بؤسها % % فهو الذي أنباك كيف نعيمها % $

وإنما ذكرنا هذا لتعلم الحكمة في كونها زادت على ثلاثة ولو كان عائدا لشيء واحد لما زاد على ثلاثة لأن التأكيد لا يقع به أكثر من ثلاثة

فإن قيل فإذا كان المراد بكل ما قبله فليس ذلك بإطناب بل هي ألفاظ أريد بها غير ما أريد بالآخر

قلت إن قلنا العبرة بعموم اللفظ فكل واحد أريد به غير ما أريد بالآخر

وقد تكلف لتوجيه العدة التي جاءت عليها هذه الآية مكررة قال الكرماني جاءت آية واحدة في هذه السورة كررت نيفا وثلاثين مرة لأن ست عشرة راجعة إلى الجنان لأن لها ثمانية أبواب وأربعة عشر منها راجعة إلى النعم والنقم فأعظم النقم جهنم ولها سبعة أبواب وجاءت سبعة في مقابلة تلك الأبواب وسبعة عقب كل نعمة ذكرها للثقلين

وقال غيره نبه في سبع منها على ما خلقه الله للعباد من نعم الدنيا المختلفة على عدة أمهات النعم وأفرد سبعا منها للتخويف وإنذارا على عدة أبواب المخوف منه وفصل بين الأول والسبع الثواني بواحدة سوى فيها بين الخلق كلهم فيما كتبه عليهم من الفناء حيث اتصلت بقوله كل من عليها فان 1 فكانت خمس عشرة أتبعت بثمانية في وصف الجنان وأهلها على عدة أبوابها ثم بثمانية أخر في وصف الجنتين اللتين من دون الأوليين لذلك ايضا فاستكملت إحدى وثلاثين

ومن هذا النوع قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين 2 في سورة المراسلات عشر مرات لأنه سبحانه ذكر قصصا مختلفة وأتبع كل قصة بهذا القول فصار كأنه قال عقب كل قصة ويل للمكذبين بهذه القصة وكل قصة مخالفة لصحابتها فأثبت الويل لمن كذب بها

ويحتمل أنه لما كان جزاء الحسنة بعشر أمثالها وجعل للكفار في مقابلة كل مثل من الثواب ويل

ومنها في سورة الشعراء قوله تعالى إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم

1 في ثمانية مواضع لأجل الوعظ فإنه قد يتأثر بالتكرار من لا يتأثر بالمرة الواحدة

وأما قوله إن في ذلك لآية فذلك لظهور آيات الأنبياء عليهم السلام والعجب من تخلف من لا يتأملها مع ظهورها

وأما مناسبة قوله العزيز الرحيم فإنه تعالى نفى الإيمان عن الأكثر فدل بالمفهوم على إيمان الأقل فكانت العزة على من لم يؤمن والرحمة لمن آمن وهما مرتبتان كترتيب الفريقين ويحتمل أن يكون من هذا النوع قوله تعالى كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون 2 الآية لأن علمهم يقع أولا وثانيا على نوعين مختلفين بحسب المقام وهذا أقرب للحقيقة الوضعية وحال المعبر عنه فإن المعاملات الإلهية للطائع والعاصي متغيرة الأنواع الدنيوية البرزخية ثم الحشرية كما أن أحوال الاستقرار بعد الجميع في الغايقة بل كل مقام من هذه أنواع مختلفة وفي ثم دلالة على الترقي إن لم يجعل الزمان مرتبا في الإنذار على التكرار وفي المنذر به على التنويع

ومنه تكرار فذوقوا عذابي ونذر 3 قال الزمخشري 4 كرر ليجدوا عند سماع كل نبإ منها اتعاظا وتنبيها وأن كلا من تلك الانباء مستحق باعتبار يختص به وأن يتنبهوا كيلا يغلبهم السرور والغفلة

ومنه قوله تعالى قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون 5 إلى آخرها

يحكى أن بعض الزنادقة سأل الحسن بن علي رضي الله عنه عن هذه الآية فقال إني أجد في القرآن تكرارا وذكر له ذلك فأجابه الحسن بما حاصله إن الكفار قالوا نعبد إلهك شهرا ونعبك آلهتنا شهرا فجاء النفي متوجها إلى ذلك والمقصود أن هذه ليست من التكرار في شيء بل هي بالحذف والاختصار أليق وذلك لأن قوله لا أعبد ما تعبدون 1 أي لا أعبد في المستقبل ما تعبدون في المستقبل وقوله ولا أنا عابد ما عبدتم أي ولا أنا عابد في الحال ما عبدتم في المستقبل ولا أنتم عابدون في الحال ما أعبد في المستقبل

والحاصل أن القصد نفى عبادته لآلهتهم في الآزمنة الثلاثة الحال والماضي والاستقبال والمذكور في الآية النفي في الحال والاستقبال وحذف الماضي من جهته ومن جهتهم ولا بد من نفيه لكنه حذف لدلالة الأولين عليه

وفيه تقدير آخر وهو أن الجملة الأولى فعلية والثانية أسمية وقولك لا أفعله ولا أنا فاعله قولك أفعله أحسن من قولك لا أفعله ولا أفعله فالجملة الفعلية نفي لإمكانه والاسمية لانصافه كما في قوله تعالى وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم 2 وما أنت بمسمع من في القبور 3 والمعنى أنه تبرأ من فعله ومن الاتصاف به وهو أبلغ في النفي وأما المشركون فلم ينتف عنهم الا بصيغة واحدة وهي قوله ولا أنتم عابدون ما أعبد في الموضعين

وفرق آخر وهو أنه قال في نفيه الجملة الاسمية ولا أنا عابد ما عبدتم وقال في النفي عنهم ولا أنتم عابدون ما أعبد عائد في حقه بين الجملتين وقال لا أعبد ما تعبدون بالمضارع وفي الثاني ولا أنا عابد ما عبدتم بالماضي فإن المضارع يدل على الدوام بخلاف الماضي فأفاد ذلك أن ما عبدتموه ولو مرة ما أنا عابد له البتة ففيه كمال

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر