الجزء ٣ — ص ٢–١١
البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي
بسم الله الرحمن الرحيم
القسم الحادي عشر
المثنى وإرادة الواحد $
كقوله تعالى يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان 1 وإنما يخرج من أحدهما
ونظيره قوله تعالى ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها 2 وإنما تخرج العلية من الملح 3 وقد غلط في هذا المعنى أبو ذؤيب الهذلي حيث قال يذكر الدرة % % فجاء بها ما شئت من لطمية % % يدوم الفرات فوقها ويموج 4 % $
والفرات لا يدوم فوقها وانما يدوم الاجاج
وقال أبو علي في قوله تعالى على رجل من القريتين عظيم 5 إن ظاهر اللفظ يقتضي أن يكون من مكة والطائف جميعا ولما لم يمكن أن يكون منهما دل المعنى على تقدير رجل من إحدى القريتين
وقوله تعالى وجعل القمر فيهن نورا 6 أي في إحداهن
وقوله تعالى نسيا حوتهما 1 والناسى كان يوشع بدليل قوله لموسى فإني نسيت الحوت ولكن أضيف النسيان لهما جميعا لسكوت موسى عنه
وقوله تعالى فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه 2 والتعجيل يكون في اليوم الثاني وقوله ومن تأخر فلا إثم عليه قيل إنه من هذا أيضا وإن موضع الاثم والتعجيل يجعل المتأخر الذي لم يقصر مثل ما جعل للمقصر
ويحتمل أن يراد لا يقولن أحدهما لصاحبه أنت مقصر فيكون المعنى لا يؤثم أحدهما صاحبه
وقوله تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس 3
وقوله تعالى جعلا له شركاء 4 أي أحدهما على أحد القولين
وقوله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به 5 فالجناح على الزوج لأنه أخذ ما أعطى قال أبو بكر الصيرفي المعنى فإن خيف من ذلك جازت الفدية وليس الشرط أن يجتمعا على عدم الاقامة
وقوله تعالى ألقيا في جهنم 6 قيل هو خطاب للملك وقال المبرد ثناه على ألق والمعنى ألق ألق 7 وكذلك القول في قفا 8 وخالفه أبو إسحاق وقال بل هو مخاطبة للملكين
وقال الفراء في قوله تعالى فبأي آلاء ربكما تكذبان 1 قال يخاطب الإنسان مخاطبه بالتثنية
وجعل منه قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان 2 وقوله تعالى جنتين فقيل جنة واحدة بدليل قوله تعالى آخر الآية ودخل جنته فأفرد بعد ما ثنى
وقوله كلتا الجنتين آتت أكلها فإنه ما ثنى إلا للإشعار بأن لها وجهين وأنك إذا نظرت عن يمينك ويسارك رأيت في كلتا الناحيتين ما يملآ عينيك قرة وصدرك مسرة
وقوله تعالى أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله 7 وإنما المتخذ إلها عيسى دون مريم فهو من باب والنجوم الطوالع 8 قاله أبو الحسن وحكاه عنه ابن جنى في كتاب القد وعليه حمل ابن جنى وغيره قول امرىء القيس % % قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل %
9
ويؤيده قوله بعده % % أصاح ترى برقا أريك ومضيه %
1
وقول الفرزدق % % عشية سال المربدان كلاهما % % سحابة موت بالسيوف الصوارم % % 2
وإنما هو مربد البصرة فقط
وقوله ودار لها بالرقمتين 3
وقوله ببطن المكتين 4 وقول جرير % % لما مررت بالديرين ارقني % % صوت الدجاج وقرع بالنواقيس % $ 5
قالوا أراد دير الوليد 6 فثناه باعتبار ما حوله &
القسم الثاني عشر
$ إطلاق الجمع وإرادة الواحد
كقوله يا أيها الرسل كلوا من الطيبات 7 إلى قوله فذرهم في غمرتهم حتى حين
1 قال أبو بكر الصيرفي فهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده إذ لا نبي معه ولا بعده
ومثله نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا 2 الآية وهذا مما لا شريك فيه والحكمة في التعبير بصيغة الجمع أنه لما كانت تصاريف أقضيته سبحانه وتعالى تجري على أيدي خلقه نزلت أفعالهم منزلة قبول القول بمورد الجمع
وجعل منه ابن فارس قوله تعالى وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون 3 والرسول كان واحد بدليل قوله تعالى ارجع إليهم 4
وفيه نظر من جهة أنه يحتمل مخاطبة رئيسهم فإن العادة جارية لا سيما من الملوك ألا يرسلوا واحدا
ومنه ففررت منكم لما خفتكم 5 وغير ذلك وقد تقدم في وجوه المخاطبات 06
ومنه ينزل الملائكة بالروح من أمره 7 والمراد جبريل
وقوله أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله 8 والمراد محمد صلى الله عليه وسلم
وقوله الذين قال لهم الناس 9 والمراد بهم ابن مسعود الثقفي 10 وإنما
جاز إطلاق لفظ الناس على الواحد لأنه إذا قال الواحد قولا وله أتباع يقولون مثل قوله حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل قال الله تعالى وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها 1 وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة 2 والقائل ذلك رءوسهم وقيل المراد بالناس ركب من عبد القيس دسهم أبو سفيان إلى المسلمين وضمن لهم عليه جعلا قاله ابن عباس وابن إسحاق وغيرهما
القسم الثالث عشر
إطلاق لفظ التثنية والمراد الجمع
كقوله تعالى ثم ارجع البصر كرتين 5 فإنه وإن كان لفظه لفظ التثنية فهو جمع والمعنى كرات لأن البصر لا يحسر إلا بالجمع
وجعل منه بعضهم قوله تعال الطلاق مرتان 6
القسم الرابع عشر
التكرار على وجه التأكيد
وهو مصدر كرر إذا ردد وأعاد هو تفعال بفتح التاء وليس بقياس بخلاف التفعيل
وقال الكوفيون هو مصدر فعل والألف عوض من الياء في التفعيل والأول مذهب سيبويه
وقد غلط من أنكر كونه من أساليب الفصاحة ظنا أنه لا فائدة له وليس كذلك بل هو من محاسنها لاسيما إذا تعلق بعضه ببعض وذلك أن عادة العرب في خطاباتها إذ أبهمت بشيء إرادة لتحقيقه وقرب وقوعه أو قصدت الدعاء عليه كررته توكيدا وكأنها تقيم تكراره مقام المقسم عليه أو الاجتهاد في الدعاء عليه حيث تقصد الدعاء وإنما نزل القرآن بلسانهم وكانت مخاطباته جارية فيما بين بعضهم وبعض وبهذا المسلك تستحكم الحجة عليهم في عجزهم عن المعارضة وعلى ذلك يحتمل ما ورد من تكرار المواعظ والوعد والوعيد لأن الإنسان مجبول من الطبائع المختلفة وكلها داعية إلى الشهوات ولا يقمع ذلك الا تكرار المواعظ والقوارع قال تعالى ولقد يسرنا القرآن للذكر 1 قال في الكشاف 2 أي سهلناه للادكار والاتعاظ بأن نسجناه 3 بالمواعظ الشافية وصرفنا فيه من الوعد والوعيد
ثم تارة يكون التكرار مرتين كقوله فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر 4
وقوله أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى 5
وقوله لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين 6
وقوله كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون 7
وقوله تعالى وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله 1
وقوله فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم 2
وفائدته العظمى 3 التقرير وقد قيل الكلام إذا تكرر تقرر
وقد أخبر الله سبحانه بالسبب الذي لأجله كرر الآقاصيص والأخبار في القرآن 4 فقال ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون 5
وقال وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا 6
وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى خشية تناسي الاول لطول العهد به
فإن أعيد لا لتقرير المعنى السابق لم يكن منه كقوله تعالى قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه 7
فأعاد قوله قل الله أعبد مخلصا له ديني 7 بعد قوله قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين لا لتقرير الأول بل لغرض آخر لأن معنى الأول الأمر بالإخبار أنه مأمور بالعبادة لله والإخلاص له فيها ومعنى الثاني انه يخص الله وحده دون غيره بالعبادة والاخلاص ولذلك قدم 8 المفعول على فعل العبادة في الثاني
وآخر في الأول لأن الكلام أولا في الفعل وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل
وأعلم أنه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الاصل أما إذا وافق الاصل فلا ولهذا لا يتجه سؤالهم لم كرر إياك في قوله إياك نعبد وإياك نستعين 1
فقيل إنما كررت للتأكيد كما تقول بين زبد وبين عمرو مال
وقيل إنما كررت لارتفاع أن يتوهم إذا حذفت أن مفعول نستعين ضمير متصل واقع بعد الفعل فتفوت إذ ذاك الدلالة على المعنى المقصود بتقديم المعمول على عامله
والتحقيق أن السؤال غير متجه لأن هنا عاملين متغايرين كل منهما يقتضي معمولا فإذا ذكر معمول كل واحد منهما بعده فقد جاء الكلام على أصله والحذف خلاف الأصل فلا وجه للسؤال عن سبب ذكر ما الأصل ذكره ولا حاجة إلى تكلف الجواب عنه وقس بذلك نظائره $ فوائد التكرير
وله فوائد
أحدها التأكيد واعلم أن التكرير أبلغ من التأكيد لأنه وقع في تكرار التأسيس وهو أبلغ من التأكيد فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون 2 إن الثانية تأسيس لا تأكيد لأنه جعل الثانية أبلغ في الإنشاء فقال وفي ثم تنبيه على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر