الجزء ٢ — ص ٥٠٩–٥١٦
أنه لو جرد عن الألف واللام لم يصرف لزيادة الألف والنون في آخره مع العلمية أو الصفة
وأورد الزمخشري بأنه لايمنع فعلان صفة من الصرف إلا إذا كان مؤنثه فعلى كغضبان وغضبي وما لم يكن مؤنثه فعلى ينصرف كندمان وندمانة وتبعه ابن عساكر بأن رحمن وإن لم يكن له مؤنث على فعلى فليس له مؤنث فعلانة لانه اسم مختص بالله تعالى فلا مؤنث له من لفظه فإذا عدم ذلك رجع فيه إلى القياس وكل ألف ونون زائدتان فهما محمولتان على منع الصرف
قال الجويني وهذا فيه ضعف في الظاهر وإن كان حسنا في الحقيقة لآنه إذا لم يشبه غضبان ولم يشبه ندمان من جهة التأنيث فلماذا ترك صرفه مع أن الأصل الصرف بل كان ينبغي أن يقال ليس هو كغضبان فلا يكون غير منصرف ولا يصح ان يقال ليس هو كندمان فلا يكون منصرفا لأن الصرف ليس بالشبه إنما هو بالآصل وعدم الصرف بالشبه ولم يوجد
قلت والتقدير الذي نقلناه عن ابن عساكر يدفع هذا عن الزمخشري نعم أنكر ابن مالك على ابن الحاجب تمثيله ب الرحمن لزيادة الألف والنون في منع الصرف وقال لم يمثل به غيره ولا ينبغي التمثيل به فإنه اسم علم بالغلبة لله مختص به وما كان كذلك لم يجرد من آل ولم يسمع مجردا إلا في النداء قليلا مثل يا رحمن الدنيا ورحيم الاخرة
قال وقد أنكر على الشاطبي
* تبارك رحمانا رحيما وموئلا *
لآنه اراد الاسم المستعمل بالعلبة
ولم يحضر الزمخشري هذا الجواب فذكر انه من تعنتهم في كفرهم كما سبق & ما جاء على فعيل
وأما فعيل فعند النحاة أنه من صيغ المبالغة والتكرار كرحيم وسميع وقدير وخبير وحفيظ وحكيم وحليم وعليم فإنه محول عن فاعل بالنسبة وهو إنما يكون كذلك للفاعل لا للمفغول به بدليل قولهم قتيل وجريح والقتل لايتفاوت
وقد يجيء في معنى الجمع كقوله تعالى وحسن أولئك رفيقا وقوله والملائكة بعد ذلك ظهير وقوله وحسن أولئك رفيقا وقوله والملائكة بعد ذلك ظهير وقوله خلصوا نجيا وغير ذلك ومن المشكل وما كان ربك نسيا فإن النفي متوجه على الخبر وهو صيغة مبالغة ولايلزم من نفي المبالغة نفي اصل الفعل فلا يلزم نفي اصل النسيان وهو كالسؤال الاتي في بظلام للعبيد
ويجاب عنه بما سياتي من الاجوبه ويختص هذا بجواب آخر وهو مناسبة رءوس الآي قبله
وأما فعال فنحو غفار ومنان وتواب ووهاب فعال لما يريد علام الغيوب ونحو لكل صبار شكور ونحو نزاعة للشوى
ومن المشكل قوله تعالى وما ربك بظلام للعبيد وتقريره أنه لايلزم من نفي الظلم بصيغة المبالغة نفي اصل الظلم والواقع نفيه قال الله تعالى إن الله لا يظلم الناس شيئا إن الله لا يظلم مثقال ذرة وقد اجيب عنه باثني عشر جوابا
أحدهما أن ظلاما وإن كان يراد به الكثرة لكنه جاء في مقابله العبيد وهو جمع كثرة إذا قوبل بهم الظلم كان كثيرا
ويرشح هذا الجواب أنه سبحانه وتعالى قال في موضع آخر علام الغيوب فقابل صيغة فعال بالجمع وقال في موضع آخر عالم الغيب فقابل صيغة فاعل الدالة على أصل الفعل بالواحد
وهذا قريب من الجواب عن قوله تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون حيث احتج به المعتزله على تفضيل الملائكة على الانبياء
وجوابه أنه قابل عيسى بمفرده بمجموع الملائكة وليس النزاع في تفضيل الجمع على الواحد
الثاني أنه نفي الظلم الكثير فينتفي القليل ضرورة لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة ظلمه في حق من يجوز عليه النفع كان الظلم القليل في المنفعة أكثر
الثالث أنه على النسب واختاره ابن مالك وحكاه في شرح الكافية عن المحققين أي ذا ظلم كقوله وليس بنبال أي بذي نبل أي لاينسب إلى الظلم فيكون من بزاز وعطار
الرابع أن فعالا قد جاء غير مراد به الكثرة كقوله طرفه % % ولست بحلال التلاع مخافة % % ولكن متى يسترفد القوم أرفد % % لايريد أنه يحل التلاع قليلا لآن ذلك يدفعه قوله يسترفد القوم ارفد هذا بدل على نفي الحال في كل حال لان تمام المدح لايصل بإيراد الكثرة
الخامس أن أقل القليل لو ورد منه سبحانه وقد جل عنه لكان كثيرا لاستغنائه عنه كما يقال زله العالم كبيرة
ذكره الحريري في الدرة قال وإليه أشار المخزومي في قوله % % كفوفه الظفر تخفى من حقارتها % % ومثلها في سواد العين مشهور % %
السادس أن نفي المجموع يصدق بنفي واحد ويصدق بنفي كل واحد ويعين الثاني في الآية للدليل الخارجي وهو قوله إن الله لا يظلم مثقال ذرة
السابع أنه اراد ليس بظالم ليس بظالم ليس بظالم فجعل في مقابله ذلك وما ربك بظلام
الثامن أنه جواب لمن قال ظلام والتكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم يكن له مفهوم كما إذا خرج مخرج الغالب
التاسع أنه قال بظلام لآنه قد يظن أن من يعذب غيره عذاب شديدا ظلام قبل الفحص عن جرم الذنب
العاشر أنه لما كان صفات الله تعالى صيغة المبالغة فيها وغير المبالغة سواء في الإثبات جرى النفي على ذلك
الحادي عشر أنه قصد التعريض بأن ثمة ظلاما للعبيد من ولاة الجور
وأما فعال بالتخفيف والتشديد نحو عجاب وكبار قال تعالى إن هذا لشيء عجاب وقال ومكروا مكرا كبارا قال المعري في اللامع العزيزي فعيل إذا اريد به المبالغة نقل به إلى فعال وإذا اريد به الزيادة شدوا فقال فعال ذلك من عجيب وعجاب وعجاب وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي
إن هذا لشيء عجاب بالتشديد وقالوا طويل وطوال ويقال نسب قريب وقراب وهو ابلغ قال الحارث بن ظالم % % وكنت إذا رأيت بني لؤي % % عرفت الود والنسب القرابا % & ما جاء على فعول
وأما فعول كغفور وشكور وودود فمنه قوله تعالى إن الإنسان لظلوم كفار
وقوله تعالى في نوح إنه كان عبدا شكورا
وقد أطربني قوله تعالى وقليل من عبادي الشكور فقلت الحمد لله الذي ما قال الشاكر
فإن قيل قوله تعالى إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا كيف غاير بين الصفتين وجعل المبالغة من جانب الكفران
قلت هذا سأله الصاحب بن عباد للقاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي فأجاب بأن نعم الله على عباده كثيرة وكل شكر يأتي في مقابلتها قليل وكل كفر يأتي في مقابلتها عظيم فجاء شكور بلفظ فاعل وجاء كفور فعول على وجه المبالغة فتهلل وجه الصاحب & ما جاء على فعل
وأما فعل فقوله تعالى وإنا لجميع حاذرون
وقوله تعالى كذاب أشر قرن فعلا بفعال & ما جاء على فعل
وأما فعل فيكون صفة كقوله تعالى أهلكت مالا لبدا اللبد الكثير وقوله تعالى إنها لإحدى الكبر
ويكون مصدر كهدى وتقى ويكون معدولا عن أفعل من كذا كقوله تعالى وأخر متشابهات وقوله تعالى فعدة من أيام أخر كما قال أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى & ما جاء على فعلى
وأما فعلى فيكون اسما كالشورى والرجعي قال الله تعالى إن إلى ربك الرجعى وقال تعالى وكلمة الله هي العليا
ويكون صفة كالحسنى في تأنيث الاحسن والسوءى في تأنيث الأسوأ قال تعالى ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله
قال الفارسي يحتمل السوءى تأويلين
أحدهما أن يكون تأنيث الآسوأ والمعنى كان عاقبتهم خلة السوءى فتكون
السوءى على هذا خارجة من الصلة فتنصب على الموضع وموضع أن نصب فإنه مفعول له أي كان عاقبتهم الخصلة السوءى لتكذيبهم
الثاني أن يكون السوءى مصدرا مثل الرجعي وعلى هذا فهي داخلة في الصلة ومنتصبه بأساءوا كقوله تعلى وتبتل إليه تبتيلا ويكون أن كذبوا نصبا لآنه خبر كان
ويجوز في إعراب السوأى وجه ثالث وهو أن يكون في موضع رفع صفة العاقبة وتقديرها ثم كان عاقبتهم المذمومة التكذيب
والفعلى في هذا الباب وإن كانت في الاصل صفة بدليل قوله تعالى وهم بالعدوة القصوى وقوله تعالى فأراه الآية الكبرى فجرت صفة على موصوفها فإنها في كثير من الأمور تجري مجرى الأسماء كالأبطح والأجرع والأدهم
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر