علوم القرآن · الإتقان · الفصل ٧٤ من ٩٦

النوع الثامن والخمسون — في بدائع القرآن

4960 أفرده بالتصنيف ابن أبي الأصبع فأورد فيه نحو مائة نوع وهي المجاز والاستعارة والتشبيه والكناية والإرداف والتمثيل والإيجاز والإتساع والإشارة والمساواة والبسط والإيغال والتتميم والتكميل والاحتراس والاستقصاء والتذييل والزيادة والترديد والتكرار والتفسير والإيضاح ونفي الشيء بإيجابه والمذهب الكلامي والقول بالموجب والمناقضة والأنتقال والأسجال والتسليم والتمكين والتوشيح والتسهيم ورد العجز على الصدر وتشابه الأطراف ولزوم ما لا يلزم والتخيير والتسجيع والتسريع والإيهام وهو التورية والاستخدام والالتفات والاطراد والانسجام والإدماج والافتنان والاقتدار وائتلاف اللفظ مع اللفظ وائتلاف اللفظ مع المعنى والاستدراك والاستثناء والاقتصاص والإبدال وتأكيد المدح بما يشبه الذم والتفويت والتغاير والتقسيم والتدبيج والتنكيت والتجريد والتعديد والترتيب والترقي والتدلي والتضمين والجناس والجمع والتفريق والجمع والتقسيم والجمع مع التفريق والتقسيم وجمع المؤتلف والمختلف وحسن النسق وعتاب المرء نفسه والعكس والعنوان والفرائد والقسم واللف والنشر والمشاكلة والمزاوجة والمبالغة والمطابقة والمقابلة والمواربة والمراجعة والنزاهة والإبداع والمقارنة وحسن الابتداء وحسن الختام وحسن التخلص والاستطراد

4961 فأما المجاز وما بعده إلى الإيضاح فقد تقدم بعضها في أنواع مفردة وبعضها في نوع الإيجاز والإطناب مع أنواع أخر كالتعريض والاحتباك والاكتفاء والطرد والعكس

4962 وأما نفي الشيء بإيجابه فقد تقدم في النوع الذي قبل هذا

وأما المذهب الكلامي والخمسة بعده فستأتي في نوع الجدل مع أنواع أخر مزيدة

وأما التمكين والثمانية بعده فستأتي في أنواع الفواصل

وأما حسن التخلص والاستطراد فسيأتيان في نوع المناسبات وأما حسن الابتداء وبراعة الختام فسيأتيان في نوعي الفواتح والخواتم

وها أنا أورد الباقي مع زوائد ونفائس لا توجد مجموعة في غير هذا الكتاب

1 - الإيهام

4963 ويدعى التورية أن يذكر لفظ له معنيان إما بالاشتراك أو التواطؤ أو الحقيقة والمجاز أحدهما قريب والآخر بعيد ويقصد البعيد ويورى عنه بالقريب فيتوهمه السامع من أول وهلة

4964 قال الزمخشري لا ترى بابا في البيان أدق ولا ألطف من التورية ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله ورسوله قال ومن أمثلتها الرحمن على العرش استوى فإن الاستواء على معنيين الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب المورى به الذي هو غير مقصود لتنزيهه تعالى عنه والثاني الاستيلاء والملك وهو المعنى البعيد المقصود الذي ورى عنه بالقريب المذكور

انتهى

4965 وهذه التورية تسمى مجردة لأنها لم يذكر فيها شيء من لوازم المورى به ولا المورى عنه

4966 ومنها ما تسمى مرشحة وهي التي ذكر فيها شيء من لوازم هذا أو هذا كقوله تعالى والسماء بنيناها بأيد فإنه يحتمل الجارحة وهو المورى به وقد ذكر من لوازمه على جهة الترشيح البنيان ويحتمل القوة والقدرة وهو البعيد المقصود

4967 قال ابن أبي الأصبع في كتابه ( الإعجاز ) ومنها قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم فالضلال يحتمل الحب وضد الهدى فاستعمل أولاد يعقوب ضد الهدى تورية عن الحب

فاليوم ننجيك ببدنك على تفسيره بالدرع فإن البدن يطلق عليه وعلى الجسد والمراد البعيد وهو الجسد

4968 قال ومن ذلك قوله بعد ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى حيث قال ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم

ولما كان الخطاب لموسى من الجانب الغربي وتوجهت إليه اليهود وتوجهت النصارى إلى المشرق كانت قبلة الإسلام وسطا بين القبلتين قال تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي خيارا وظاهر اللفظ يوهم التوسط مع ما يعضده من توسط قبلة المسلمين صدق على لفظة ( وسط ) ها هنا أن يسمي تعالى به لاحتمالها المعنيين

ولما كان المراد أبعدها وهو الخيار صلحت أن تكون من أمثلة التورية

4969 قلت وهي مرشحة بلازم المورى عنه وهو قوله لتكونوا شهداء على الناس فإنه من لوازم كونهم خيارا أي عدولا والإتيان قبلها من قسم المجردة

ومن ذلك قوله والنجم والشجر يسجدان فإن النجم يطلق على الكوكب ويرشحه له ذكر الشمس والقمر وعلى ما لا ساق له من النبات وهو المعنى البعيد له وهو المقصود في الآية

ونقلت من خط شيخ الإسلام ابن حجر أن التورية في القرآن قوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس فإن ( كافة ) بمعنى ( مانع ) أي تكفهم عن الكفر والمعصية والهاء للمبالغة وهذا معنى بعيد والمعنى القريب المتبادر أن المراد جامعة بمعنى ( جميعا ) لكن منع من حمله على ذلك أن التأكيد يتراخى عن المؤكد فكما لا تقول رأيت جميعا الناس لا تقول رأيت كافة الناس

2 - الاستخدام

4970 هو والتورية أشرف أنواع البديع وهما سيان بل فضله بعضهم عليها ولهم فيه عبارتان

إحداهما أن يؤتى بلفظ له معنيان فأكثر مرادا به أحد معانيه ثم يؤتى بضميره مرادا به المعنى الآخر وهذه طريقة السكاكي وأتباعه

والأخرى أن يؤتي بلفظ مشترك ثم بلفظين يفهم من أحدهما أحد المعنيين ومن الآخر الآخر وهذه طريقة بدر الدين بن جماعة في المصباح ومشى عليها ابن أبي الإصبع ومثل له بقوله تعالى لكل أجل كتاب الآية فلفظ ( كتاب ) يحتمل الأمد المحتوم والكتاب المكتوب فلفظ ( أجل ) يخدم المعنى الأول و ( يمحو ) يخدم الثاني

ومثل غيره بقوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى الآية فالصلاة تحتمل أن يراد بها فعلها وموضعها وقوله حتى تعلموا ما تقولون يخدم الأول و إلا عابري سبيل يخدم الثاني

قيل ولم يقع في القرآن على طريقة السكاكي

4971 قلت وقد استخرجت بفكري آيات على طريقته منها قوله تعالى أتى أمر الله فأمر الله يراد به قيام الساعة والعذاب وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم وقد أريد بلفظه الأخير كما أخرج ابن مردويه من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى أتى أمر الله قال محمد وأعيد الضمير عليه في تستعجلوه مرادا به قيام الساعة والعذاب

4972 ومنها وهي أظهرها قوله تعالى ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين فإن المراد به آدم ثم أعاد عليه الضمير مرادا به ولده

فقال ثم جعلناه نطفة في قرار مكين

4973 ومنها قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ثم قال قد سألها قوم من قبلكم أي أشياء أخر لأن الأولين لم يسألوا عن الأشياء التي سأل عنها الصحابة فنهوا عن سؤالها

3 - الالتفات

4974 نقل الكلام من أسلوب إلى آخر أعني من التكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى آخر منها بعد التعبير بالأول هذا هو المشهور

وقال السكاكي إما ذلك أو التعبير بأحدهما فيما حقه التعبير بغيره

وله فوائد

منها تطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد وهذه فائدته العامة

ويختص كل موضع بنكت ولطائف باختلاف محله كما سنبينه

4975 مثاله من التكلم إلى الخطاب ووجهه حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأعطاه فضل عناية تخصيص بالمواجهة قوله تعالى وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون والأصل ( وإليه أرجع ) فالتفت من التكلم إلى الخطاب ونكتته أنه أخرج الكلام في معرض مناصحته لنفسه وهو يريد نصح قومه تلطفا وإعلاما أنه يريد لهم ما يريد لنفسه

ثم التفت إليهم لكونه في مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله تعالى

كذا جعلوا هذه الآية من الالتفات وفيه نظر لأنه إنما يكون منه إذا قصد الإخبار عن نفسه في كلتا الجملتين وهنا ليس كذلك لجواز أن يريد بقوله ( ترجعون ) المخاطبين لا نفسه

وأجيب بأنه لو كان المراد ذلك لما صح الاستفهام الإنكاري لأن رجوع العبد إلى مولاه ليس بمستلزم أن يعيده غير ذلك الراجع فالمعنى كيف لا أعبد من إليه رجوعي وإنما عدل عن ( وإليه أرجع ) إلى ( وإليه ترجعون ) لأنه داخل فيهم ومع ذلك أفاد فائدة حسنة وهي تنبيههم على أنه مثلهم في وجوب عبادة من إليه الرجوع

4976 ومن أمثلته أيضا قوله تعالى وأمرنا لنسلم لرب العالمين وأن أقيموا الصلاة

4977 ومثاله من التكلم إلى الغيبة ووجهه أن يفهم السامع أن هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب وأنه ليس في كلامه ممن يتلون ويتوجه ويبدى في الغيبة خلاف ما يبديه في الحضور قوله تعالى إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ) والأصل ( لنغفر لك )

إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك والأصل ( لنا )

أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك والأصل ( منا ) إني رسول الله إليكم جميعا إلى قوله فآمنوا بالله ورسوله

والأصل ( وبي ) وعدل عنه لنكتتين إحداهما دفع التهمة عن نفسه بالعصبية لها

والأخرى تنبيههم على استحقاقه الاتباع بما اتصف به من الصفات المذكورة والخصائص المتلوة

4978 ومثاله من الخطاب إلى التكلم لم يقع في القرآن ومثل له بعضهم بقوله فاقض ما أنت قاض ثم قال إنا آمنا بربنا

وهذا المثال لا يصح لأن شرط الالتفات أن يكون المراد به واحدا

4979 ومثاله من الخطاب إلى الغيبة حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم والأصل ( بكم ) ونكتة العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم التعجب من كفرهم وفعلهم إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة

4980 وقيل لأن الخطاب أولا كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم بدليل هو الذي يسيركم في البر والبحر فلو كان ( وجرين بكم ) للزم الذم للجميع فالتفت عن الأول للإشارة إلى اختصاصه بهؤلاء الذين شأنهم ما ذكره عنهم في آخر الآية عدولا من الخطاب العام إلى الخاص

4981 قلت ورأيت عن بعض السلف في توجهه عكس ذلك وهو أن الخطاب أوله خاص وآخره عام فأخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في قوله حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم قال ذكر الحديث عنهم ثم حدث عن غيرهم ولم يقل ( وجرين بكم ) لأنه قصد أن يجمعهم وغيرهم وجرين بهؤلاء وغيرهم من الخلق

هذه عبارته فلله در السلف ما كان أوقفهم على المعاني اللطيفة التي يدأب المتأخرون فيها زمانا طويلا ويفنون فيها أعمارهم ثم غايتهم أن يحرموا حول الحمى ومما ذكر في توجيهه أيضا أنهم وقت الركوب حضروا لأنهم خافوا الهلاك وغلبة الرياح فخاطبهم خطاب الحاضرين ثم لما جرت الرياح بما تشتهى السفن وأمنوا الهلاك لم يبق حضورهم كما كان على عادة الإنسان أنه إذا أمن غالب قلبه عن ربه فلما غابوا ذكرهم الله بصيغة الغيبة وهذه إشارة صوفية

4982 ومن أمثلته أيضا وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم والأصل ( عليكم ) ثم قال وأنتم فيها خالدون فكرر الالتفات

4983 ومثاله من الغيبة إلى التكلم والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه وأوحى في كل سماء أمرها وزينا سبحان الذي أسرى بعبده إلى قوله باركنا حوله لنريه من آياتنا ثم التفت ثانيا إلى الغيبة فقال إنه هو السميع البصير

وعلى قراءة الحسن ( ليريه ) بالغيبة يكون التفاتا ثانيا من ( باركنا ) وفي ( آياتنا ) التفات ثالث وفي ( إنه ) التفات رابع قال الزمخشري وفائدته في هذه الآيات وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة وأنه لا يدخل تحت قدرة أحد

4984 ومثاله من الغيبة إلى الخطاب وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا

ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك

4985 ومن محاسنه ما وقع في سورة الفاتحة فإن العبد إذا ذكر الله تعالى وحده ثم ذكر صفاته التي كل صفة منها تبعث على شدة الإقبال وآخرها مالك يوم الدين المفيد أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء يجد من نفسه حاملا لا يقدر على دفعه على خطاب من هذه صفاته بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات

وقيل إنما اختير لفظ الغيبة للحمد وللعبادة الخطاب للإشارة إلى أن الحمد دون العبادة في الرتبة لأنك تحمد نظيرك ولا تعبده فاستعمل لفظ ( الحمد ) مع الغيبة ولفظ ( العبادة ) مع الخطاب لينسب إلى العظيم حال المخاطبة والمواجهة ما هو أعلى رتبه وذلك على طريقة التأدب

وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال الذين أنعمت عليهم مصرحا بذكر المنعم وإسناد الإنعام إليه لفظا ولم يقل ( صراط المنعم عليهم ) فلما صار إلى ذكر الغضب روى عنه لفظه فلم ينسبه إليه لفظا وجاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب فلم يقل ( غير الذين غضبت عليهم ) تفاديا عن نسبة الغضب إليه في اللفظ حال المواجهة

وقيل لأنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه الصفات العظيمة من كونه ربا للعالمين ورحمانا ورحيما ومالكا ليوم الدين تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بأن يكون معبودا دون غيره مستعانا به فخوطب بذلك لتميزه بالصفات المذكورة تعظيما لشأنه حتى كأنه قيل ( إياك يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة لا غيرك )

4986 قيل ومن لطائفه التنبيه على أن مبتدأ الخلق الغيبة منهم عنه سبحانه وتعالى وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته وقيام حجاب العظمة عليهم فإذا عرفوه بما هو له وتوسلوا للقرب بالثناء عليه وأقروا بالمحامد له وتعبدوا له بما يليق بهم تأهلوا لمخاطباته ومناجاته فقالوا إياك نعبد وإياك نستعين

تنبيهات

4987 الأول شرط الالتفات أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه وإلا يلزم عليه أن يكون في ( أنت صديقي ) التفات

4988 الثاني شرطه أيضا أن يكون في جملتين صرح به صاحب الكشاف وغيره وإلا يلزم عليه أن يكون ( نوعا غريبا )

4989 الثالث ذكر التنوخي في ( الأقصى القريب ) وابن الأثير وغيرهما نوعا غريبا من الالتفات وهو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه كقوله غير المغضوب عليهم بعد ( أنعمت ) فإن المعنى ( غير الذين غضبت عليهم ) وتوقف فيه صاحب عروس الأفراح

4990 الرابع قال ابن أبي الاصبع جاء في القرآن من الالتفات قسم غريب جدا لم أظفر في الشعر بمثاله وهو أن يقدم المتكلم في كلامه مذكورين مرتيين ثم يخبر عن الأول منهما وينصرف عن الإخبار عنه إلى الإخبار عن الثاني ثم يعود إلى الإخبار عن الأول كقوله إن الإنسان لربه لكنود وإنه على ذلك لشهيد انصرف عن الإخبار عن الإنسان إلى الإخبار عن ربه تعالى ثم قال منصرفا عن الإخبار عن ربه تعالى إلى الإخبار عن الإنسان وإنه لحب الخير لشديد قال وهذا يحسن أن يسمى التفات الضمائر

4991 الخامس يقرب من الالتفات نقل الكلام من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع لخطاب الآخر ذكره التنوخي وابن الأثير وهو ستة أقسام أيضا

4992 مثاله من الواحد إلى الاثنين قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض

4993 وإلى الجمع يا أيها النبي إذا طلقتم النساء

4994 ومن الاثنين إلى الواحد فمن ربكما يا موسى فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى

4995 وإلى الجمع وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة

4996 ومن الجمع إلى الواحد وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين

4997 وإلى الاثنين يا معشر الجن والإنس إن استطعتم إلى قوله فبأي آلاء ربكما تكذبان

4998 السادس ويقرب منه أيضا الانتقال من الماضي أو المضارع أو الأمر إلى آخر

4999 مثاله من الماضي إلى المضارع أرسل الرياح فتثير خر من السماء فتخطفه الطير إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله

5000 وإلى الأمر قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا

5001 ومن المضارع إلى الماضي ويوم ينفخ في الصور ففزع ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم

5002 وإلى الأمر قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء

5003 ومن الأمر إلى الماضي واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا

5004 وإلى المضارع وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون

4 - الاطراد

5005 هو أن يذكر المتكلم أسماء آباء الممدوح مرتبة على حكم ترتيبها في الولادة

قال ابن أبي الأصبع ومنه في القرآن قوله تعالى حكاية عن يوسف واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب قال وإنما لم يأت به على الترتيب المألوف فإن العادة الابتداء بالأب ثم الجد ثم الجد الأعلى لأنه لم يرد هنا مجرد ذكر الآباء وإنما ذكرهم ليذكر ملتهم التي اتبعها فبدأ بصاحب الملة ثم بمن أخذها عنه أولا فأولا على الترتيب ومثله قول أولاد يعقوب نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق

5 - الانسجام

5006 هو أن يكون الكلام لخلوه من العقادة منحدرا كتحدر الماء المنسجم ويكاد لسهولة تركيبه وعذوبة ألفاظه أن يسيل رقة والقرآن كله كذلك

قال أهل البديع وإذا قوى الانسجام في النثر جاءت قراءته موزونة بلا قصد لقوة انسجامه ومن ذلك ما وقع في القرآن موزونا

5007 فمنه من بحر الطويل فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر

5008 ومن المديد واصنع الفلك بأعيننا

5009 ومن البسيط فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم

5010 ومن الوافر ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين

5011 ومن الكامل والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم

5012 ومن الهزج فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا

5013 ومن الرجز ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا

5014 ومن الرمل وجفان كالجواب وقدور راسيات

5015 ومن السريع أو كالذي مر على قرية

5016 ومن المنسرح إنا خلقنا الإنسان من نطفة

5017 ومن الخفيف لا يكادون يفقهون حديثا

5018 ومن المضارع يوم التناد يوم تولون مدبرين

5019 ومن المقتضب في قلوبهم مرض

5020 ومن المجتث نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم

5021 ومن المتقارب وأملي لهم إن كيدي متين

6 - الإدماج

5022 قال ابن الإصبع هو أن يدمج المتكلم غرضا في غرض أو بديعا في بديع بحيث لا يظهر في الكلام إلا أحد الغرضين أو أحد البديعين كقوله تعالى له الحمد في الأولى والآخرة أدمجت المبالغة في المطابقة لأن انفراده بالحمد في الآخرة وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه مبالغة في الوصف بالإنفراد بالحمد وهو وإن خرج مخرج المبالغة في الظاهر فالأمر فيه حقيقة في الباطن فإنه رب الحمد والمنفرد به في الدارين

انتهى

5023 قلت والأولى أن يقال في هذه الآية إنها من إدماج غرض في غرض فإن الغرض منها تفرده تعالى بوصف الحمد وأدمج فيه الإشارة إلى البعث والجزاء

7 - الافتان

5024 هو الإتيان في كلام بفنين مختلفين كالجمع بين الفخر والتعزية في قوله تعالى كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فإنه تعالى عزى جميع المخلوقات من الإنس والجن والملائكة وسائر أصناف ما هو قابل للحياة وتمدح بالبقاء بعد فناء الموجودات في عشر لفظات مع وصفه ذاته بعد انفراده بالبقاء بالجلال والإكرام سبحانه وتعالى

5025 ونه ثم ننجي الذين اتقوا الآية جمع فيها بين هناء وعزاء

8 - الاقتدار

5026 هو أن يبرز المتكلم المعنى الواحد في عدة صور اقتدارا منه على نظم الكلام وتركيبه وعلى صياغة قوالب المعاني والأغراض فتارة يأتي به في لفظ الاستعارة وتارة في صورة الإرداف وحينا في مخرج الإيجاز ومرة في قالب الحقيقة قال ابن أبي الإصبع وعلى هذا أتت جميع قصص القرآن فإنك ترى القصة الواحدة التي لا تختلف معانيها تأتي في صور مختلفة وقوالب من الألفاظ متعددة حتى لا تكاد تشتبه في موضعين منه ولا بد أن تجد الفرق بين صورها ظاهرا

9 - ائتلاف اللفظ مع اللفظ وائتلافه مع المعنى

5027 الأول أن تكون الألفاظ يلائم بعضها بعضا بأن يقرن الغريب بمثله والمتداول بمثله رعاية لحسن الجوار والمناسبة

5028 والثاني أن تكون ألفاظ الكلام ملائمة للمعنى المراد فإن كان فخما كانت ألفاظه فخمة أو جزلا فجزلة أو غريبا فغريبة أو متداولا فمتداولة أو متوسطا بين الغرابة والاستعمال فكذلك

5029 فالأول كقوله تعالى تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أتى بأغرب ألفاظ القسم وهي التاء فإنها أقل استعمالا وأبعد من أفهام العامة بالنسبة إلى الباء والواو وبأغرب صيغ الأفعال التي ترفع الأسماء وتنصب الأخبار فإن ( تزال ) أقرب إلى الأفهام وأكثر استعمالا منها وبأغرب ألفاظ الهلاك وهو الحرض فاقتضى حسن الوضع في النظم أن تجاوز كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة توخيا لحسن الجوار ورغبة في ائتلاف المعاني بالألفاظ ولتتعادل الألفاظ في الوضع وتتناسب في النظم ولما أراد غير ذلك قال وأقسموا بالله جهد أيمانهم فأتى بجميع الألفاظ متداولة لا غرابة فيها

5030 ومن الثاني قوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار لما كان الركون إلى الظالم وهو الميل إليه والاعتماد عليه دون مشاركته في الظلم وجب أن يكون العقاب عليه دون العقاب على الظلم فأتى بلفظ ( المس ) الذي هو دون الإحراق والاصطلاء

وقوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت أتى بلفظ ( الاكتساب ) المشعر بالكلفة والمبالغة في جانب السيئة لثقلها

وكذا قوله فكبكبوا فيها فهو أبلغ من ( كبوا ) للإشارة إلى أنهم يكبون كبا عنيفا فظيعا

وهم يصطرخون فإنه أبلغ من ( يصرخون ) للإشارة إلى أنهم يصرخون صراخا منكرا خارجا عن الحد المعتاد

أخذ عزيز مقتدر فإنه أبلغ من ( قادر ) للإشارة إلى زيادة التمكن في القدرة وأنه لا راد له ولا معقب

ومثل ذلك واصطبر فإنه أبلغ من ( اصبر ) و ( الرحمن ) فإنه أبلغ من ( الرحيم ) فإنه يشعر باللطف والرفق كما أن الرحمن مشعر بالفخامة والعظمة

ومنه الفرق بين سقى وأسقى فإن ( سقى ) لما لا كلفة معه في السقيا ولهذا أورده تعالى في شراب الجنة فقال وسقاهم ربهم شرابا طهورا و ( أسقى ) لما فيه كلفة ولهذا أورده في شراب الدنيا فقال وأسقيناكم ماء فراتا لأسقيناهم ماء غدقا لأن السقيا في الدنيا لا تخلو من الكلفة أبدا

10 - الاستدراك والاستثناء

5031 شرط كونهما من البديع أن يتضمنا ضربا من المحاسن زائدا على ما يدل عليه المعنى اللغوي

مثال الاستدراك قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا فإنه لو اقتصر على قوله ( لم تؤمنوا ) لكان منفرا لهم لأنهم ظنوا الإقرار بالشهادتين من غير اعتقاد إيمانا فأوجبت البلاغة ذكر الاستدراك ليعلم أن الإيمان موافقة القلب اللسان وإن انفرد اللسان بذلك يسمى إسلاما ولا يسمى إيمانا

وزاد ذلك إيضاحا بقوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم فلما تضمن الاستدراك إيضاح ما عليه ظاهر الكلام من الإشكال عد من المحاسن

5032 ومثال الاستثناء فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فإن الإخبار عن هذه المدة بهذه الصيغة يمهد عذر نوح في دعائه على قومه بدعوة أهلكتهم عن آخرهم إذ لو قيل ( فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما ) لم يكن فيه من التهويل ما في الأول لأن لفظ ( الألف ) في الأول أول ما يطرق السمع فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعدما تقدمه وقع يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف

11 - الاقتصاص

5033 ذكره ابن فارس وهو أن يكون كل كلام في سورة مقتصا من كلام في سورة أخرى أو في تلك السورة كقوله تعالى وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين والآخرة دار ثواب لا عمل فيها فهذا مقتص من قوله ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى

5034 ومنه ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين مأخوذ من قوله أولئك في العذاب محضرون

5035 وقوله ويوم يقوم الأشهاد مقتص من أربع آيات لأن الأشهاد أربعة الملائكة في قوله وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد والأنبياء في قوله فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا وأمة محمد في قوله لتكونوا شهداء على الناس والأعضاء في قوله يوم تشهد عليهم ألسنتهم الآية

5036 وقوله يوم التناد قرئ مخففا ومشددا فالأول مأخوذ من قوله ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار والثاني من قوله يوم يفر المرء من أخيه

12 - الإبدال

5037 هو إقامة بعض الحروف مقام بعض وجعل منه ابن فارس فانفلق أي انفرق ولهذا قال فكان كل فرق فالراء واللام متعاقبتان

وعن الخليل في قوله تعالى فجاسوا خلال الديار إنه أريد ( فحاسوا ) فجاءت الجيم مقام الحاء وقد قرئ بالحاء أيضا وجعل منه الفارسي إني أحببت حب الخير أي الخيل وجعل منه أبو عبيدة إلا مكاء وتصدية أي تصددة

13 - تأكيد المدح بما يشبه الذم

5038 قال ابن أبي الإصبع هو في غاية العزة في القرآن قال ولم أجد منه إلا آية واحدة وهي قوله قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله فإن الاستثناء بعد الاستفهام الخارج مخرج التوبيخ على ما عابوا به المؤمنين من الإيمان يوهم أن ما يأتي بعده مما يوجب أن ينقم على فاعله مما يذم به فلما أتى بعد الاستثناء ما يوجب مدح فاعله كان الكلام متضمنا تأكيد المدح بما يشبه الذم

5039 قلت ونظيرها قوله وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله وقوله الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله فإن ظاهر الاستثناء أن ما بعده حق يقتضي الإخراج فلما كان صفة مدح يقتضي الإكرام لا الإخراج كان تأكيدا للمدح بما يشبه الذم

وجعل منه التنوخي في الأقصى القريب لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما استثنى ( سلاما سلاما ) الذي هو ضد اللغو والتأثيم فكان ذلك مؤكدا لانتفاء اللغو والتأثيم

انتهى

14 - التفويت

5040 هو إتيان المتكلم بمعان شتى من المدح والوصف وغير ذلك من الفنون كل فن في جملة منفصلة عن أختها مع تساوي الجمل في الزنة وتكون في الجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة

5041 فمن الطويلة الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين

5042 ومن المتوسطة تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي

5043 قال ابن أبي الاصبع ولم يأت المركب من القصيرة في القرآن

15 - التقسيم

5044 هو استيفاء أقسام الشيء الموجودة لا الممكنة عقلا نحو هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا إذ ليس في رؤية البرق إلا الخوف من الصواعق والطمع في الأمطار ولا ثالث لهذين القسمين

5045 وقوله فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فإن العالم لا يخلو من هذه الأقسام الثلاثة إما عاص ظالم لنفسه وإما سابق مبادر للخيرات وإما متوسط بينهما مقتصد فيها

ونظيرها وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون

وكذا قوله تعالى له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك استوفى أقسام الزمان ولا رابع لهما

وقوله والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع استوفى أقسام الخلق في المشي

وقوله الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم استوفى جميع هيآت الذاكر

وقوله يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما استوفى جميع أحوال المتزوجين ولا خامس لها

16 - التدبيج

5045 هو أن يذكر المتكلم ألوانا يقصد التورية بها والكناية قال ابن أبي الإصبع كقوله تعالى ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود قال المراد بذلك والله أعلم الكناية عن المشتبه والواضح من الطرق لأن الجادة البيضاء هي الطريق التي كثر السلوك عليها جدا وهي أوضح الطرق وأبينها ودونها الحمراء ودون الحمراء السوداء كأنها في الخفاء والالتباس ضد البيضاء في الظهور والوضوح

ولما كانت هذه الألوان الثلاثة في الظهور للعين طرفين وواسطة فالطرف الأعلى في الظهور البياض والطرف الأدنى في الخفاء السواد والأحمر بينهما على وضع الألوان في التركيب وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه الألوان الثلاثة والهداية بكل علم نصب للهداية منقسمة هذه القسمة أتت الآية الكريمة منقسمة كذلك فحصل فيها التدبيج وصحة التقسيم

17 - التنكيت

5046 هو أن يقصد المتكلم إلى شيء بالذكر دون غيره مما يسد مسده لأجل نكتة في المذكور ترجح مجيئه على سواه كقوله تعالى وأنه هو رب الشعرى خص الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم وهو تعالى رب كل شيء لأن العرب كان ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة عبد الشعرى ودعا خلقا إلى عبادتها فأنزل الله تعالى وأنه هو رب الشعرى التي ادعيت فيها الربوبية

18 - التجريد

5047 هو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر مثله مبالغة في كمالها نحو ( لي من فلان صديق حميم ) جرد من الرجل الصديق آخر مثله متصف بصفة الصداقة

ونحو مررت بالرجل الكريم والنسمة المباركة جردوا من الرجل الكريم آخر مثله متصفا بصفة البركة وعطفوه عليه كأنه غيره وهو هو

5048 ومن أمثلته في القرآن لهم فيها دار الخلد ليس المعنى أن الجنة فيها دار خلد وغير دار خلد بل هي نفسها دار الخلد فكأنه جرد من الدار دارا

ذكره في ( المحتسب ) وجعل منه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي على أن المراد بالميت النطفة

قال الزمخشري وقرأ عبيد بن عمير فكانت وردة كالدهان بالرفع بمعنى حصلت منها وردة قال وهو من التجريد وقرئ أيضا / < يرثني وارث من آل يعقوب > / قال ابن جنى هذا هو التجريد وذلك أنه يريد ( وهب لي من لدنك وليا يرثني منه وارث من آل يعقوب ) وهو الوارث نفسه فكأنه جرد منه وارثا

19 - التعديد

5049 هو إيقاع الألفاظ المفردة على سياق واحد وأكثر ما يوجد في الصفات كقوله هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر

وقوله التائبون العابدون الحامدون الآية

وقوله مسلمات مؤمنات الآية

20 - الترتيب

5050 هو أن يورد أوصاف الموصوف على ترتيبها في الخلقة الطبيعية ولا يدخل فيها وصفا زائدا ومثله عبد الباقي اليمني بقوله هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا وبقوله فكذبوه فعقروها الآية

21 - الترقي والتدلي

5051 تقدما في نوع التقديم والتأخير

22 - التضمين

5052 يطلق على أشياء

أحدهما إيقاع لفظ موقع غيره لتضمنه معناه وهو نوع من المجاز تقدم ( الكلام ) فيه

الثاني حصول معنى فيه من غير ذكر له باسم هو عبارة عنه وهذا نوع من الإيجاز تقدم أيضا

الثالث تعلق ما بعد الفاصلة بها وهذا مذكور في نوع الفواصل

الرابع إدراج كلام الغير في أثناء الكلام لقصد تأكيد المعنى أو ترتيب النظم وهذا هو النوع البديعي

قال ابن أبي الإصبع ولم أظفر في القرآن بشيء منه إلا في موضعين تضمنا فصلين من التوراة والأنجيل قوله وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الآية وقوله محمد رسول الله الآية

ومثله ابن النقيب وغيره بإيداع حكايات المخلوقين في القرآن كقوله تعالى حكاية عن الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها وعن المنافقين أنؤمن كما آمن السفهاء وقالت اليهود و وقالت النصارى قال وكذلك ما أودع فيه من اللغات الأعجمية

23 - الجناس

5053 هو تشابه اللفظين في اللفظ قال في كنز البراعة وفائدته الميل إلى الإصغاء إليه فإن مناسبة الألفاظ تحدث ميلا وإصغاء إليها ولأن اللفظ المشترك إذا حمل على معنى ثم جاء والمراد به آخر كان للنفس تشوق إليه

5054 وأنواع الجناس كثيرة منها التام بأن يتفقا في أنواع الحروف وأعدادها وهيآتها كقوله تعالى ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة وقيل ولم يقع منه في القرآن سواه واستنبط شيخ الإسلام ابن حجر موضعا آخر وهو يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار

يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار

وأنكر بعضهم كون الآية الأولى من الجناس وقال الساعة في الموضعين بمعنى واحد

والتجنيس أن يتفق اللفظ ويختلف المعنى ولا يكون أحدهما حقيقة والآخر مجازا بل يكونان حقيقتين وزمان القيامة وإن طال لكنه عند الله في حكم الساعة الواحدة فإطلاق الساعة على القيام مجاز وعلى الآخرة حقيقة وبذلك يخرج الكلام عن التجنيس كما لو قلت ( ركبت حمارا ولقيت حمارا ) تعني بليدا

5055 ومنها المصحف ويسمى جناس الخط بأن تختلف الحروف في النقط كقوله والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين

5056 ومنها المحرف بأن يقع الاختلاف في الحركات كقوله ولقد أرسلنا فيهم منذرين فانظر كيف كان عاقبة المنذرين

وقد اجتمع التصحيف والتحريف في قوله وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا

5057 ومنها الناقص بأن يختلف في عدد الحروف سواء كان الحرف المزيد أولا أو وسطا أو آخرا كقوله والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق ثم كلي من كل الثمرات

5058 ومنها المذيل بأن يزيد أحدهما أكثر من حرف في الآخر أو الأول وسمى بعضهم الثاني بالمتوج كقوله وانظر إلى إلهك ولكنا كنا مرسلين من آمن به إن ربهم بهم مذبذبين بين ذلك

5059 ومنها المضارع وهو أن يختلفا بحرف مقارب في المخرج سواء كان في الأول أو الوسط أو الآخر كقوله تعالى وهم ينهون عنه وينأون عنه

5060 ومنها اللاحق بأن يختلفا بحرف غير مقارب فيه كذلك كقوله ويل لكل همزة لمزة وإنه على ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون وإذا جاءهم أمر من الأمن

5061 ومنها المرفق وهو ما تركب من كلمة وبعض أخرى كقوله جرف هار فانهار

5062 ومنها اللفظي بأن يختلفا بحرف مناسب للآخر مناسبة لفظية كالضاد والظاء كقوله وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة

5063 ومنها تجنيس القلب بأن يختلفا في ترتيب الحروف نحو فرقت بين بني إسرائيل

5064 ومنها تجنيس الإشتقاق بأن يجتمعا في أصل الإشتقاق ويسمى المقتضب نحو فروح وريحان فأقم وجهك للدين القيم وجهت وجهي

5065 ومنها تجنيس الإطلاق بأن يجتمعا في المشابهة فقط كقوله وجنى الجنتين قال إني لعملكم من القالين ليريه كيف يواري وإن يردك بخير فلا راد اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض إلى قوله فذو دعاء عريض

تنبيه

5066 لكون الجناس من المحاسن اللفظية لا المعنوية ترك عند قوة المعنى كقوله تعالى وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين قيل ما الحكمة في كونه لم يقل ( وما أنت بمصدق ) فإنه يؤدي معناه مع رعاية التجنيس

وأجيب بأن في ( مؤمن لنا ) من المعنى ما ليس في ( مصدق ) لأن معنى قولك ( فلان مصدق لي ) قال لي صدقت وأما ( مؤمن ) فمعناه مع التصديق إعطاء الأمن ومقصودهم التصديق وزيادة وهو طلب الأمن فلذلك عبر به

5067 وقد زل بعض الأدباء فقال في قوله أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين لو قال ( وتدعون ) لكان فيه مراعاة للتجنيس

وأجاب الإمام فخر الدين بأن فصاحة القرآن ليست لرعاية هذه التكليفات بل لأجل قوة المعاني وجزالة الألفاظ

وأجاب غيره بأن مراعاة المعاني أولى من مراعاة الألفاظ ولو قال ( أتدعون ) و ( تدعون ) لوقع الإلتباس على القارئ فيجعلها بمعنى واحد تصحيفا

وهذا الجواب غير ناضج

وأجاب ابن الزملكاني بأن التجنيس تحسين وإنما يستعمل في مقام الوعد والإحسان لا في مقام التهويل

وأجاب الخويي بأن ( تدع ) أخص من ( تذر ) لأنه بمعنى ترك الشيء مع إعتنائه بشهادة الإشتقاق نحو الإيداع فإنه عبارة عن ترك الوديعة مع الإعتناء بحالها

ولهذا يختار لها من هو مؤتمن عليها

5068 ومن ذلك الدعة بمعنى الراحة وأما ( تذر ) فمعناه الترك مطلقا أو الترك مع الإعراض والرفض الكلي

قال الراغب يقال فلان يذر الشيء أي يقذفه لقلة الإعتداد به ومنه الوذرة قطعة من اللحم لقلة الإعتداد به ولا شك أن السياق إنما يناسب هذا دون الأول فأريد هنا تبشيع حالهم في الإعراض عن ربهم وأنهم بلغوا الغاية في الإعراض

إنتهى

24 - الجمع

5069 هو أن يجمع بين شيئين أو أشياء متعددة في حكم كقوله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا جمع المال والبنون في الزينة

وكذلك قوله الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان

25 - الجمع والتفريق

5070 هو أن تدخل شيئين في معنى وتفرق بين جهتي الإدخال وجعل منه الطيبي قوله الله يتوفى الأنفس حين موتها الآية جمع النفسين في حكم المتوفي ثم فرق بين جهتي التوفي بالحكم بالإمساك والإرسال أي الله يتوفى الأنفس التي تقبض والتي لم تقبض فيمسك الأولى ويرسل الأخرى

26 - الجمع والتقسيم

5071 وهو مع متعدد تحت حكم ثم تقسيمه كقوله تعالى ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات

27 - الجمع مع التفريق والتقسيم

5072 كقوله تعالى يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه الآيات

فالجمع في قوله لا تكلم نفس إلا بإذنه لأنها متعددة معنى إذ النكرة في سياق النفي تعم والتفريق في قوله فمنهم شقي وسعيد والتقسيم في قوله فأما الذين شقوا وأما الذين سعدوا

28 - جمع المؤتلف والمختلف

5073 هو أن يريد التسوية بين ممدوحين فيأتي بمعان مؤتلفة في مدحهما ويروم بعد ذلك ترجيح أحدهما على الآخر بزيادة فضل لا ينقص الآخر فيأتي لأجل ذلك بمعان تخالف معنى التسوية كقوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان الآية سوى في الحكم والعلم وزاد فضل سليمان بالفهم

29 - حسن النسق

5074 هو أن يأتي المتكلم بكلمات متتاليات معطوفات متلاحمات تلاحما سليما مستحسنا بحيث إذا أفردت كل جملة منه قامت بنفسها واستقل معناها بلفظها ومنه قوله تعالى وقيل يا أرض ابلعي ماءك الآية فإن جمله معطوف بعضها على بعضها بواو النسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة من الإبتداء بالإسم الذي هو إنحسار الماء عن الأرض المتوقف عليه غاية مطلوب أهل السفينة من الإطلاق من سجنها ثم إنقطاع مادة السماء المتوقف عليه تمام ذلك من دفع أذاه بعد الخروج ومنه اختلاف ما كان بالأرض ثم الإخبار بذهاب الماء بعد إنقطاع المادتين الذي هو متأخر عنه قطعا ثم بقضاء الأمر الذي هو هلاك من قدر هلاكه ونجاة من سبق نجاته وأخر عما قبله لأن علم ذلك لأهل السفينة بعد خروجهم منها وخروجهم موقوف على ما تقدم

ثم أخبر باستواء السفينة وإستقرارها المفيد ذهاب الخوف وحصول الأمن من الإضطراب ثم ختم بالدعاء على الظالمين لإفادة أن الغرق وإن عم الأرض فلم يشمل إلا من إستحق العذاب لظلمه

30 - عتاب المرء نفسه

5075 منه ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني الأيات

وقوله أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله الآيات

31 - العكس

5076 هو أن يؤتى بكلام يقدم فيه جزء ويؤخر آخر ثم يقدم المؤخر ويؤخر المقدم كقوله تعالى ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي هن لباس لكم وأنتم لباس لهن لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن

وقد سئل عن الحكمة في عكس هذا اللفظ

فأجاب ابن المنير بأن فائدته الإشارة إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة

وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب الحق أن كل واحد من فعل المؤمنة والكافر منفي عن الحل أما فعل المؤمنة فيحرم لأنها مخاطبة وأما فعل الكافر فنفي عنه الحل باعتبار أن هذا الوطء مشتمل على المفسدة فليس الكفار مورد الخطاب بل الأئمة ومن قام مقامهم مخاطبون بمنع ذلك لأن الشرح أمر بإخلاء الوجود من المفاسد فاتضح أن المؤمنة نفى عنها الحل باعتبار والكافر نفي عنه الحل باعتبار

قال ابن أبي الإصبع ومن غريب أسلوب هذا النوع قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن فإن نظم الآية الثانية عكس نظم الأولى لتقديم العمل في الأولى على الإيمان وتأخيره في الثانية عن الإسلام

5077 ومنه نوع يسمى القلب والمقلوب المستوى وما لا يستحيل بالإنعكاس وهو أن تقرأ الكلمة من آخرها إلى أولها كما تقرأ من أولها إلى آخرها كقوله تعالى كل في فلك وربك فكبر ولا ثالث لهما في القرآن

32 - العنوان

5078 قال ابن أبي الإصبع هو أن يأخذ المتكلم في غرض فيأتي لقصد تكميله وتأكيده بأسئلة في ألفاظ تكون عنوانا لأخبار متقدمة وقصص سالفة ومنه نوع عظيم جدا وهو عنوان العلوم بأن يذكر في الكلام ألفاظا تكون مفاتيح لعلوم ومداخل لها

5079 فمن الأول قوله تعالى واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها الآية فإنه عنوان قصة بلعام

5080 ومن الثاني قوله تعالى انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب الآية فيها عنوان علم الهندسة فإن الشكل المثلث أول الأشكال وإذا نصب في الشمس على أي ضلع من أضلاعه لا يكون له ظل لتحديد رؤوس زواياه فأمر الله تعالى أهل جهنم بالإنطلاق إلى ظل هذا الشكل تهكما بهم

وقوله وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض الآيات فيها عنوان علم الكلام وعلم الجدل وعلم الهيئة

33 - الفرائد

5081 هو مختص بالفصاحة دون البلاغة لأنه الإتيان بلفظة تتنزل منزلة الفريدة من العقد وهي الجوهرة التي لا نظير لها تدل على عظم فصاحة هذا الكلام وقوة عارضته وجزالة منطقة وأصالة عربيته بحيث لو أسقطت من الكلام عزت على الفصحاء ( غرابتها )

5082 ومنه لفظ ( حصحص ) في قوله الآن حصحص الحق

( والرفث ) في قوله أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم

5083 ولفظة ( فزع ) في قوله حتى إذا فزع عن قلوبهم

5084 وخائنة الأعين في قوله يعلم خائنة الأعين

5085 وألفاظ قوله فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا وقوله فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين

34 - القسم

5086 هو أن يريد المتكلم الحلف على شيء فيحلف بما يكون فيه فخر له أو تعظيم لشأنه أو تنويه لقدره أو ذم لغيره أو جاريا مجرى الغزل والترقق أو خارجا مخرج الموعظة والزهد كقوله فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون أقسم سبحانه وتعالى بقسم يوجب الفخر لتضمنه التمدح بأعظم قدرة وأجل عظمة

لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون أقسم سبحانه وتعالى بحياة نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيما لشأنه وتنويها بقدرة وسيأتي في نوع الأقسام أشياء تتعلق بذلك

35 - اللف والنشر

5087 هو أن يذكر شيئان أو أشياء إما تفصيلا بالنص على كل واحد أو إجمالا بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد ثم يذكر أشياء على عدد ذلك كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم ويفوض إلى عقل السامع رد كل واحد إلى ما يليق به

فالإجمالي كقوله تعالى وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى أي وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا اليهود وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا النصارى وإنما سوغ الإجمال في اللف ثبوت العناد بين اليهود والنصارى فلا يمكن أن يقول أحد الفريقين بدخول الفريق الآخر الجنة فوثق بالعقل في أنه يرد كل قول إلى فريقه لأمن اللبس وقائل ذلك يهود المدينة ونصارى نجران

5088 قلت وقد يكون الإجمال في النشر لا في اللف بأن يؤتى بمتعدد ثم بلفظ يشتمل على متعدد يصلح لهما كقوله تعالى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر على قول أبي عبيدة إن الخيط الأسود أريد به الفجر الكاذب لا الليل وقد بينته في أسرار التنزيل

5089 والتفصيلي قسمان

أحدهما أن يكون على ترتيب اللف كقوله تعالى جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ) فالسكون راجع إلى الليل والإبتغاء راجع إلى النهار

وقوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا فاللوم راجع إلى البخل ومحسورا راجع إلى الإسراف لأن معناه منقطعا لا شيء عندك

وقوله ألم يجدك يتيما الآيات فإن قوله فأما اليتيم فلا تقهر راجع إلى قوله ألم يجدك يتيما فآوى و وأما السائل فلا تنهر راجع إلى قوله ووجدك ضالا فإن المراد السائل عن العلم كما فسره مجاهد وغيره و وأما بنعمة ربك فحدث راجع إلى قوله ووجدك عائلا فأغنى رأيت هذا المثال في شرح الوسيط للنووي المسمى بالتنقيح

5090 والثاني أن يكون على عكس ترتيبه كقوله يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم

وجعل منه جماعة قوله تعالى حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب قالوا ( متى نصر الله ) قول الذين آمنوا ( ألا إن نصر الله قريب ) قول الرسول

وذكر الزمخشري قسما آخر كقوله تعالى ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله قال هذا من باب اللف وتقديره ( ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار ) إلا أنه فصل بين ( منامكم ) ( وابتغاؤكم ) بالليل والنهار لأنهما زمانان والزمان الواقع فيه كشيء واحد مع إقامة اللف على الإتحاد

36 - المشاكلة

5091 ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته تحقيقا أو تقديرا

5092 فالأول كقوله تعالى تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ومكروا ومكر الله فإن إطلاق النفس والمكر في جانب البارئ تعالى إنما هو لمشاكلة ما معه

وكذا قوله وجزاء سيئة سيئة مثلها لأن الجزاء حق لا يوصف بأنه سيئة فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه اليوم ننساكم كما نسيتم فيسخرون منهم سخر الله منهم إنما نحن مستهزؤون الله يستهزئ بهم

5093 ومثال التقديري قوله تعالى صبغة الله أي تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفوس والأصل فيه أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون إنه تطهير لهم فعبر عن الإيمان ب ( صبغة الله ) للمشاكلة بهذه القرينة

37 - المزاوجة

5094 أن يزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء أو ما جرى مجراهما كقوله

( إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى % أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر )

ومنه في القرآن آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين

38 - المبالغة

5095 أن يذكر المتكلم وصفا فيزيد فيه حتى يكون أبلغ في المعنى الذي قصده

وهي ضربان مبالغة بالوصف بأن يخرج إلى حد الإستحالة ومنه يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ومبالغة بالصيغة وصيغ المبالغة ( فعلان ) كالرحمن و ( فعيل ) كالرحيم و ( فعال ) كالتواب والغفار والقهار و ( فعول ) كغفور وشكور وودود و ( فعل ) كحذر وأشر وفرح و ( فعال ) بالتخفيف كعجاب وبالتشديد ككبار و ( فعل ) كلبد وكبر و ( فعلى ) كالعليا والحسنى وشورى والسوءى

فائدة

5096 الأكثر على أن ( فعلان ) أبلغ من ( فعيل ) ومن ثم قيل ( الرحمن ) أبلغ من ( الرحيم ) ونصره السهيلي بأنه ورد على صيغة التثنية والتثنية تضعيف فكأن البناء تضاعفت فيه الصفة

وذهب ابن الأنباري إلى أن ( الرحيم ) أبلغ من ( الرحمن ) ورجحه ابن عسكر بتقديم ( الرحمن ) عليه وبأنه جاء على صيغة الجمع كعبيد وهو أبلغ من صيغة التثنية

وذهب قطرب إلى أنهما سواء

فائدة

5097 ذكر البرهان الرشيدي أن صفات الله التي على صيغة المبالغة كلها مجاز لأنها موضوعة للمبالغة ولا مبالغة فيها لأن المبالغة أن تثبت للشيء أكثر مما له وصفاته تعالى متناهية في الكمال لا يمكن المبالغة فيها

وأيضا فالمبالغة تكون في صفات تقبل الزيادة والنقصان وصفات الله منزهة عن ذلك واستحسنه الشيخ تقي الدين السبكي

5098 وقال الزركشي في البرهان التحقيق أن صيغ المبالغة قسمان

أحدهما ما تحصل المبالغة فيه بحسب زيادة الفعل

والثاني بحسب تعدد المفعولات ولا شك أن تعددها لا يوجب للفعل زيادة إذ الفعل الواحد قد يقع على جماعة متعددين وعلى هذا القسم تنزل صفاته تعالى ويرتفع الإشكال ولهذا قاله بعضهم في ( حكيم ) معنى المبالغة فيه تكرار حكمه بالنسبة إلى الشرائع

5099 وقال في الكشاف المبالغة في ( التواب ) للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عبادة أو لأنه بيلغ في قبول التوبة نزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه

وقد أورد بعض الفضلاء سؤالا على قوله والله على كل شيء قدير وهو أن ( قديرا ) من صيغ المبالغة فيستلزم الزيادة على معنى ( قادر ) والزيادة على معنى ( قادر ) محال إذ الإيجاد من واحد لا يمكن فيه التفاضل باعتبار كل فرد فرد

وأجيب بأن المبالغة لما تعذر حملها على كل فرد وجب صرفها إلى مجموع الأفراد التي دل السياق عليها فهي بالنسبة إلى كثرة المتعلق لا الوصف

39 - المطابقة

5100 وتسمى الطباق الجمع بين متضادين في الجملة وهو قسمان حقيقي ومجازي والثاني يسمى التكافؤ وكل منهما إما لفظي أو معنوي

وإما طباق إيجاب أو سلب

5101 ومن أمثلة ذلك فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم وتحسبهم أيقاظا وهم رقود

5102 ومن أمثلة المجازي أو من كان ميتا فأحييناه أي ضالا فهديناه

5103 ومن أمثلة طباق السلب تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك فلا تخشوا الناس واخشون

5104 ومن أمثلة المعنوي إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون معناه ( ربنا يعلم إنا لصادقون )

جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء قال أبو علي الفارسي لما كان البناء رفعا للمبني قوبل بالفراش الذي هو على خلاف البناء

5105 ومنه نوع يسمى الطباق الخفي كقوله مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا لأن الغرق من صفات الماء فكأنه جمع بين الماء والنار قال ابن منقذ وهي أخفى مطابقة في القرآن

5106 وقال ابن المعتز من أملح الطباق وأخفاه قوله تعالى ولكم في القصاص حياة لأن معنى القصاص القتل فصار القتل سبب الحياة

5107 ومنه نوع يسمى ترصيع الكلام وهو إقتران الشيء بما يجتمع معه في قدر مشترك كقوله إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى أتى بالجوع مع العرى وبابه أن يكون مع الظمأ وبالضحى مع الظمأ وبابه أن يكون مع العري لكن الجوع والعري إشتركا في الخلو فالجوع خلو الباطن من الطعام والعري خلو الظاهر من اللباس والظمأ والضحى إشتركا في الإحتراق فالظمأ إحتراق الباطن من العطش والضحى إحتراق الظاهر من حر الشمس

5108 ومنه نوع يسمى المقابلة وهي أن يذكر لفظان فأكثر ثم أضدادها على الترتيب قال ابن أبي الإصبع والفرق بين الطباق والمقابلة من وجهين

أحدهما أن الطباق لا يكون إلا من ضدين فقط والمقابلة لا تكون إلا بما زاد من الأربعة إلى العشرة

والثاني أن الطباق لا يكون إلا بالأضداد والمقابلة بالأضداد وبغيرها

5110 قال السكاكي ومن خواص المقابلة أنه إذا شرط في الأول أمر شرط في الثاني ضده كقوله تعالى فأما من أعطى واتقى الآيتين قابل بين الإعطاء والبخل والإتقاء والإستغناء والتصديق والتكذيب واليسرى والعسرى ولما جعل التيسير في الأول مشتركا بين الإعطاء والإتقاء والتصديق جعل ضده وهو التعسير مشتركا بين أضدادها

وقال بعضهم المقابلة إما لواحد بواحد وذلك قليل جدا كقوله لا تأخذه سنة ولا نوم

أو إثنين بإثنين كقوله فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا

أو ثلاثة بثلاثة كقوله يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث واشكروا لي ولا تكفرون

وأربعة بأربعة كقوله تعالى فأما من أعطى الآيتين

وخمسة بخمسة كقوله إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما الآيات قابل بين ( بعوضة فما فوقها ) وبين ( فأما الذين آمنوا ) و ( وأما الذين كفروا ) وبين ( يضل ) و ( يهدي ) وبين ( ينقضون ) و ( ميثاقه ) وبين ( يقطعون ) و ( أن يوصل )

أو ستة بستة كقوله زين للناس حب الشهوات الآية ثم قال قل أؤنبئكم الآية قابل ( الجنات ) والأنهار والخلد والأزواج والتطهير والرضوان بإزاء النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث

وقسم آخر المقابلة إلى ثلاثة أنواع نظيري ونقيضي وخلافي

مثال الأول مقابلة السنة بالنوم في الآية الأولى فإنهما جميعا من باب الرقاد المقابل باليقظة في آية وتحسبهم أيقاظا وهم رقود وهذا مثال الثاني فإنهما نقيضان

ومثال الثالث مقابلة الشر بالرشد في قوله وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا فإنهما خلافان لا نقيضان فإن نقيض الشر الخير والرشد الغي

40 - المواربة

5112 براء مهملة وباء موحدة أن يقول المتكلم قولا يتضمن ما ينكر عليه فإذا حصل الإنكار استحضر بحذقه وجها من الوجوه يتخلص به إما بتحريف كلمة أو تصحيفها أو زيادة أو نقص

قال ابن أبي الإصبع ومنه قوله تعالى حكاية عن أكبر أولاد يعقوب ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق فإنه قرئ ( إن ابنك سرق ولم يسرق ) فأتى بالكلام على الصحة بإبدال ضمة من فتحة وتشديد الراء وكسرتها

41 - المراجعة

5113 قال ابن أبي الإصبع هي أن يحكي المتكلم مراجعة في القول جرت بينه وبين محاور له بأوجز عبارة وأعدل سبك وأعذب ألفاظ ومنه قوله تعالى قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين جمعت هذه القطعة وهي بعض آية ثلاث مراجعات فيها معاني الكلام من الخبر والإستخبار والأمر والنهي والوعد والوعيد بالمنطوق والمفهوم

5114 قلت أحسن من هذا أن يقال جمعت الخبر والطلب والإثبات والنفي والتأكيد والحذف والبشارة والنذارة والوعد والوعيد

42 - النزاهة

5115 هي خلوص ألفاظ الهجاء من الفحش حتى يكون كما قال أبو عمرو بن العلاء وقد سئل عن أحسن الهجاء هو الذي إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يقبح عليها

ومنه قوله تعالى وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ثم قال أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون فإن ألفاظ ذم هؤلاء المخبر عنهم بهذا الخبر أتت منزهة عما يقبح في الهجاء من الفحش

وسائر هجاء القرآن كذلك

43 - الإبداع

5116 بالباء الموحدة أن يشتمل الكلام على عدة ضروب من البديع

قال ابن أبي الإصبع ولم أر في الكلام مثل قوله تعالى يا أرض ابلعي ماءك فإن فيها عشرين ضربا من البديع وهي سبع عشرة لفظة وذلك المناسبة التامة في ( ابلعي ) ( وأقلعي )

والإستعارة فيهما

والطباق بين الأرض والسماء

والمجاز في قوله تعالى ويا سماء فإن الحقيقة يا مطر السماء

والإشارة في ( وغيض الماء ) فإنه عبر به عن معان كثيرة لأن الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج منها من عيون الماء فينقص الحاصل على وجه الأرض من الماء

والإرداف في ( واستوت )

والتمثيل في ( وقضي الأمر )

والتعليل فإن ( غيض الماء ) علة الاستواء

وصحة التقسيم فإنه استوعب فيه أقسام الماء حالة نقصه إذ ليس إلا إحتباس ماء السماء والماء النابع من الأرض وغيض الماء الذي على ظهرها

والإحتراس في الدعاء لئلا يتوهم أن الغرق لعمومه شمل من لا يستحق الهلاك فإن عدله تعالى يمنع أن يدعو على غير مستحق

وحسن النسق وائتلاف اللفظ مع المعنى

والإيجاز فإنه تعالى قص القصة مستوعبة بأخصر عبارة

والتسهيم لأن أول الآية يدل على آخرها

والتهذيب لأن مفرداتها موصوفة بصفات الحسن كل لفظة سهلة مخارج الحروف عليها رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة وعقادة التركيب

وحسن البيان من جهة أن السامع لا يتوقف في فهم معنى الكلام ولا يشكل عليه شيء منه

والتمكين لأن الفاصلة مستقرة في محلها مطمئنة في مكانها غير قلقة ولا مستدعاة

والإنسجام ( وهو تحدر الكلام بسهوله وعذوبة وسبك مع جزالة لفظ كما ينسجم الماء القليل من الهواء )

هذا ما ذكر ابن أبي الإصبع

قلت فيها أيضا الاعتراض

السابقالتالي

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن · المصادر