علوم القرآن · الإتقان · الفصل ٧٣ من ٩٦

النوع السابع والخمسون — في الخبر والإنشاء

4823 اعلم أن الحذاق من النحاة وغيرهم وأهل البيان قاطبة على انحصار الكلام فيهما وأنه ليس له قسم ثالث

4824 وادعى قوم أن أقسام الكلام عشرة نداء ومسألة وأمر وتشفع وتعجب وقسم وشرط ووضع وشك واستفهام

4825 وقيل تسعة بإسقاط الاستفهام لدخوله في المسألة

4826 وقيل ثمانية بإسقاط التشفع لدخوله فيها

4827 وقيل سبعة بإسقاط الشك لأنه من قسم الخبر

4828 وقال الأخفش هي ستة خبر واستخبار ولأمر ونهي ونداء وتمن

4829 وقال بعضهم خمسة خبر وأمر وتصريح وطلب ونداء

4830 وقال قوم أربعة خبر واستخبار وطلب ونداء

4831 وقال كثيرون ثلاثة خبر وطلب وإنشاء قالوا لأن الكلام إما أن يحتمل التصديق والتكذيب أو لا الأول الخبر والثاني إن اقترن معناه بلفظه فهو الإنشاء وإن لم يقترن بل تأخر عنه فهو الطلب

والمحققون على دخول الطلب في الإنشاء وأن معنى ( اضرب ) مثلا وهو طلب الضرب مقترن بلفظه وأما الضرب الذي يوجد بعد ذلك فهو متعلق الطلب لا نفسه

4832 وقد اختلف الناس في حد الخبر فقيل لا يحد لعسره وقيل لأنه ضروري لأن الإنسان يفرق بين الإنشاء والخبر ضرورة ورجحه الإمام في المحصول

4833 والأكثر على حده قال القاضي أبو بكر والمعتزلة الخبر الكلام الذي يدخله الصدق والكذب فأورد عليه خبر الله تعالى فإنه لا يكون إلا صادقا فأجاب القاضي بأنه يصح دخوله لغة

4834 وقيل الذي يدخله التصديق والتكذيب وهو سالم من الإيراد المذكور

4835 وقال أبو الحسن البصري كلام يفيد بنفسه نسبة فأورد عليه نحو ( قم ) فإنه يدخل في الحد لأن القيام منسوب والطلب منسوب

4836 وقيل الكلام المفيد بنفسه إضافة أمر من الأمور إلى أمر من الأمور نفيا أو إثباتا

4837 وقيل القول المقتضي بصريحه نسبة معلوم إلى معلوم بالنفي والإثبات

4838 وقال المتأخرين الإنشاء ما يحصل مدلوله في الخارج بالكلام والخبر خلافه

4839 وقال بعض من جعل الأقسام ثلاثة الكلام إن أفاد بالوضع طلبا فلا يخلو إما أن يكون بطلب ذكر الماهية أو تحصيلها أو الكف عنها والأول الاستفهام والثاني الأمر والثالث النهي

وإن لم يفد طلبا بالوضع فإن لم يحتمل الصدق والكذب سمى تنبيها وإنشاء لأنك نبهت به على مقصودك وأنشأته أي ابتكرته من غير أن يكون موجودا في الخارج سواء أفاد طلبا باللازم كالمتمني والترجي والنداء والقسم أم لا كأنت طالق

وإن احتملهما من حيث هو فهو الخبر

فصل

4840 القصد بالخبر إفادة المخاطب وقد يرد بمعنى الأمر نحو والوالدات يرضعن والمطلقات يتربصن

4841 وبمعنى النهي نحو لا يمسه إلا المطهرون

4842 وبمعنى الدعاء نحو وإياك نستعين أي أعنا ومنه تبت يدا أبي لهب وتب فإنه دعاء عليه

وكذا قاتلهم الله

وكذا غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا

4843 وجعل منه قوم حصرت صدورهم قالوا هو دعاء عليهم بضيق صدورهم عن قتال أحد

4844 ونازع ابن العربي في قولهم إن الخبر يرد بمعنى الأمر أو النهي قال في قوله تعالى فلا رفث ليس نفيا لوجود الرفث بل نفي لمشروعيته فإن الرفث يوجد من بعض الناس وأخبار الله تعالى لا يجوز أن تقع بخلاف مخبره وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا كقوله والمطلقات يتربصن ومعناه مشروعا لا محسوسا فإنا نجد مطلقات لا يتربصن فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي

وكذا لا يمسه إلا المطهرون أي لا يمسه أحد منهم شرعا فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع

قال وهذه الدفينة التي فاتت العلماء فقالوا إن الخبر يكون بمعنى النهي وما وجد ذلك قط ولا يصح أن يوجد فإنهما مختلفان حقيقة ويتباينان وضعا

انتهى

فرع

4845 من أقسامه على الأصح التعجب

4846 قال ابن فارس وهو تفصيل شيء على أضرابه

4847 وقال ابن الصائغ استعظام صفة خرج بها المتعجب منه عن نظائره

4848 وقال الزمخشري معنى التعجب تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا يكون إلا من شيء خارج عن نظائره وأشكاله

4849 وقال الرماني المطلوب في التعجب الإبهام لأن من شأن الناس أن يتعجبوا مما لا يعرف سببه فكلما استبهم السبب كان التعجب أحسن

قال وأصل التعجب إنما هو للمعنى الخفي سببه والصيغة الدالة عليه تسمى تعجبا مجازا

قال ومن أجل الإبهام لم تعمل ( نعم ) إلا في الجنس من أجل التفخيم ليقع التفسير على نحو التفخيم بالإضمار قبل الذكر

4850 ثم قد وضعوا للتعجب صيغا من لفظه وهي ( ما أفعل ) و ( أفعل به ) وصيغا من غير لفظه نحو ( كبر ) كقوله كبرت كلمة تخرج من أفواههم كبر مقتا عند الله كيف تكفرون بالله

قاعدة

4851 قال المحققون إذا ورد التعجب من الله صرف إلى المخاطب كقوله فما أصبرهم على النار أي هؤلاء يجب أن يتعجب منهم وإنما لا يوصف تعالى بالتعجب لأنه استعظام يصحبه الجهل وهو تعالى منزه عن ذلك ولهذا تعبر جماعة بالتعجيب بدله أي أنه تعجيب من الله للمخاطبين

ونظير هذا مجيء الدعاء والترجي منه تعالى إنما هو بالنظر إلى ما تفهمه العرب أي هؤلاء مما يجب أن يقال لهم عندكم هذا ولذلك قال سيبويه في قوله تعالى لعله يتذكر أو يخشى المعنى اذهبا على رجائكما وطمعكما وفي قوله ويل للمطففين ويل يومئذ للمكذبين لا نقول هذا دعاء لأن الكلام بذلك قبيح ولكن العرب إنما تكلموا بكلامهم وجاء القرآن على لغتهم وعلى ما يعنون فكأنه قيل لهم ويل للمطففين أي هؤلاء مما وجب هذا القول لهم لأن هذا الكلام إنما يقال لصاحب الشرور والهلكة فقيل هؤلاء ممن دخل في الهلكة

1 - فرع

4852 من أقسام الخبر الوعد والوعيد نحو سنريهم آياتنا في الآفاق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب وفي كلام ابن قتيبة ما يوهم أنه إنشاء

2 - فرع

4853 من أقسام الخبر النفي بل هو شطر الكلام كله والفرق بينه وبين الجحد أن النافي إن كان صادقا سمي كلامه نفيا ولا يسمى جحدا وإن كان كاذبا سمي جحدا ونفيا أيضا فكل جحد نفي وليس كل نفي جحدا ذكره أبو جعفر النحاس وابن الشجري وغيرهما

4854 مثال النفي ما كان محمد أبا أحد من رجالكم

4855 ومثال الجحد نفي فرعون وقومه آيات موسى قال تعالى فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم

4856 وأدوات النفي لا ولات وليس وما وإن ولم ولما وقد تقدمت معانيها وما افترقت فيه نوع الأدوات

4857 ونورد هنا فائدة زائدة قال الخويي أصل أدوات النفي لا وما لأن النفي إما في الماضي وإما في المستقبل والاستقبال أكثر من الماضي أبدا ولا أخف من ما فوضعوا الأخف للأكثر

4858 ثم إن النفي في الماضي إما أن يكون نفيا واحدا مستمرا أو نفيا فيه أحكام متعددة وكذلك النفي في المستقبل فصار النفي على أربعة أقسام واختاروا له أربع كلمات ما ولم ولن ولا وأما إن ولما فليسا بأصلين فما ولا في الماضي والمستقبل متقابلان ولم كأنه مأخوذ من لا وما لأن لم نفي للاستقبال لفظا والمضي معنى فأخذ اللام من ( لا ) التي هي لنفي المستقبل والميم من ( ما ) التي هي لنفي الماضي وجمع بينهما إشارة إلى أن في ( لم ) إشارة إلى المستقبل والماضي وقدم اللام على الميم إشارة إلى أن ( لا ) هي أصل النفي ولهذا ينفي بها في أثناء الكلام فيقال لم يفعل زيد ولا عمرو وأما ( لما ) فتركيب بعد تركيب كأنه قال لم وما لتوكيد معنى النفي في الماضي

وتفيد الاستقبال أيضا ولهذا تفيد ( لما ) الاستمرار

تنبيهات

الأول

4859 زعم بعضهم أن شرط صحة النفي عن الشيء صحة اتصاف المنفي عنه بذلك الشيء وهو مردود بقوله تعالى وما ربك بغافل عما يعملون وما كان ربك نسيا لا تأخذه سنة ولا نوم ونظائره والصواب أن انتفاء الشيء عن الشيء قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلا وقد يكون لكونه لا يقع منه مع إمكانه

الثاني

4860 نفي الذات الموصوفة قد يكون نفيا للصفة دون الذات وقد يكون نفيا للذات أيضا

من الأول وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام أي بل هم جسد يأكلونه ومن الثاني لا يسألون الناس إلحافا أي لا سؤال لهم أصلا فلا يحصل منهم إلحاف

ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع أي لا شفيع لهم أصلا فما تنفعهم شفاعة الشافعين أي لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم بدليل فما لنا من شافعين

ويسمى هذا النوع عند أهل البديع نفي الشيء بإيجابه

وعبارة ابن رشيق في تفسيره أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه بأن ينفي ما هو من سببه كوصفه وهو المنفي في الباطن

وعبارة غيره أن ينفى الشيء مقيدا والمراد نفيه مطلقا مبالغة في النفي وتأكيدا له ومنه ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإن ( الإله مع الله ) لا يكون إلا عن غير برهان

ويقتلون النبيين بغير حق فإن قتلهم لا يكون إلا بغير حق

رفع السماوات بغير عمد ترونها فإنها لا عمد لها أصلا

الثالث

4861 قد ينفى الشيء رأسا لعدم كمال وصفه أو انتفاء ثمرته كقوله في صفة أهل النار ثم لا يموت فيها ولا يحيى فنفى عنه الموت لأنه ليس بموت صريح ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة

وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون فإن المعتزلة احتجوا بها على نفي الرؤية فإن النظر في قوله تعالى إلى ربها ناظرة لا يستلزم الإبصار

ورد بأن المعنى أنها تنظر إليه بإقبالها عليه وليست تبصر شيئا

ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون فإنه وصفهم أولا بالعلم على سبيل التوكيد القسمي ثم نفاه آخرا عنهم لعدم جريهم على موجب العلم

قاله السكاكي

الرابع

4862 قالوا المجاز يصح نفيه بخلاف الحقيقة وأشكل على ذلك وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى فإن المنفي فيه هو الحقيقة

وأجيب بأن المراد بالرمي هنا المترتب عليه وهو وصوله إلى الكفار فالوارد عليه النفي هنا مجاز لا حقيقة والتقدير وما رميت خلقا إذ رميت كسبا أو ما رميت انتهاء إذ رميت ابتداء

الخامس

4863 نفي الاستطاعة قد يراد به نفي القدرة والإمكان وقد يراد نفي الامتناع وقد يراد به الوقوع بمشقة وكلفة

من الأول فلا يستطيعون توصية فلا يستطيعون ردها فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا

ومن الثاني هل يستطيع ربك على القراءتين أي هل يفعل أو هل تجيبنا إلى أن تسأل فقد علموا أنه قادر على الإنزال وأن عيسى قادر على السؤال

ومن الثالث إنك لن تستطيع معي صبرا

قاعدة

4864 نفي العام يدل على نفي الخاص وثبوته لا يدل على ثبوته وثبوت الخاص يدل على ثبوت العام ونفيه لا يدل على نفيه ولا شك أن زيادة المفهوم من اللفظ توجب الالتذاذ به فلذلك كان نفي العام أحسن من نفي الخاص وإثبات الخاص أحسن من إثبات العام فالأول كقوله فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم لم يقل ( بضوئهم ) بعد قوله أضاءت لأن النور أعم من الضوء إذ يقال على القليل والكثير وإنما يقال الضوء على النور الكثير ولذلك قال هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ففي الضوء دلالة على النور فهو أخص منه فعدمه يوجب عدم الضوء بخلاف العكس والقصد إزالة النور عنهم أصلا ولذا قال عقبه وتركهم في ظلمات

4865 ومنه ليس بي ضلالة ولم يقل ( ضلال ) كما قالوا إنا لنراك في ضلال لأنها أعم منه فكان أبلغ في نفي الضلال وعبر عن هذا بأن نفي الواحد يلزم منه نفي الجنس البتة وبأن نفي الأدنى يلزم منه نفي الأعلى

والثاني كقوله وجنة عرضها السماوات والأرض ولم يقل ( طولها ) لأن العرض أخص إذ كل ما له عرض فله طول ولا ينعكس

ونظير هذه القاعدة أن نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل

وقد أشكل على هذا آيتان قوله تعالى وما ربك بظلام للعبيد وقوله وما كان ربك نسيا

4866 وأجيب عن الآية الأولى بأجوبة

أحدها أن ( ظلاما ) وإن كان للكثرة لكنه جيء به في مقابلة ( العبيد ) الذي هو جمع كثرة ويرشحه أنه تعالى قال علام الغيوب فقابل صيغة ( فعال ) بالجمع وقال في آية أخرى عالم الغيب فقابل صيغة ( فاعل ) الدالة على أصل الفعل بالواحد

الثاني أنه نفى الظلم الكثير لينتفي القليل ضرورة لأن الذي يظلم إنما يظلم لانتفاعه بالظلم فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه فلأن يترك القليل أولى

الثالث أنه على النسبة أي بذي ظلم حكاه ابن مالك عن المحققين

الرابع أنه أتى بمعنى ( فاعل ) لا كثرة فيه

الخامس أن أقل القليل لو ورد منه تعالى لكان كثيرا كما يقال زلة العالم كبيرة

السادس أنه أراد ليس بظالم ليس بظالم تأكيدا للنفي فعبر عن ذلك ب ( ليس بظلام )

السابع أنه ورد جوابا لمن قال ( ظلام ) والتكرار إذا ورد جوابا لكلام خاص لم يكن له مفهوم

الثامن أن صيغة المبالغة وغيرها في صفات الله سواء في الإثبات فجرى النفي على ذلك

التاسع أنه قصد التعريض بأن ثم ظلاما للعبيد من ولاة الجور

ويجاب عن الثانية بهذه الأجوبة وبعاشر وهو مناسبة رءوس الآي

فائدة

4867 قال صاحب الياقوتة قال ثعلب والمبرد العرب إذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام أخبارا نحو وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام والمعنى إنما جعلناهم جسدا يأكلون الطعام وإذا كان الجحد في أول الكلام كان جحدا حقيقيا نحو ( ما زيد بخارج ) وإذا كان في أول الكلام جحدان كان أحدهما زائدا وعليه فيما إن مكناكم فيه في أحد الأقوال

فصل

4868 من أقسام الإنشاء الاستفهام وهو طلب الفهم وهو بمعنى الاستخبار

4869 وقيل الاستخبار ما سبق أولا ولم يفهم حق الفهم فإذا سألت عنه ثانيا كان استفهاما

حكاه ابن فارس في فقه اللغة

4870 وأدواته الهمزة وهل وما ومن وأي وكم وكيف وأين وأنى ومتى وأيان ومرت في الأدوات

4871 وقال ابن مالك في المصباح وما عدا الهمزة نائب عنها ولكونه طلب ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن لزم ألا يكون حقيقة إلا إذا صدر من شاك مصدق بإمكان الإعلام فإن غير الشاك إذا استفهم يلزم منه تحصيل الحاصل وإذا لم يصدق بإمكان الإعلام انتفت عنه فائدة الاستفهام

4872 وقال بعض الأئمة وما جاء في القرآن على لفظ الاستفهام فإنما يقع في خطاب الله على معنى أن المخاطب عنده علم ذلك الإثبات أو النفي حاصل

وقد تستعمل صيغة الاستفهام في غيره مجازا وألف في ذلك العلامة شمس الدين ابن الصائغ كتابا سماه ( روض الأفهام في أقسام الاستفهام ) قال فيه قد توسعت العرب فأخرجت الاستفهام عن حقيقته لمعان أو أشربته تلك المعاني ولا يختص التجوز في ذلك بالهمزة خلافا للصفار

4873 الأول الإنكار والمعنى فيه على النفي وما بعده منفي ولذلك تصحبه ( إلا ) كقوله فهل يهلك إلا القوم الفاسقون وهل نجازي إلا الكفور

وعطف عليه المنفي في قوله فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين أي لا يهدي ومنه أنؤمن لك واتبعك الأرذلون أنؤمن لبشرين مثلنا أي لا نؤمن أم له البنات ولكم البنون ألكم الذكر وله الأنثى أي لا يكون هذا أشهدوا خلقهم أي ما شهدوا ذلك

وكثيرا ما يصحبه التكذيب وهو في الماضي بمعنى ( لم يكن ) وفي المستقبل بمعنى ( لايكون ) نحو أفأصفاكم ربكم بالبنين الآية أي لم يفعل ذلك أنلزمكموها وأنتم لها كارهون أي لا يكون هذا الإلزام

4874 الثاني التوبيخ وجعله بعضهم من قبيل الانكار إلا أن الأول إنكار إبطال وهذا إنكار توبيخ والمعنى على أن ما بعده واقع جدير بأن ينفي فالنفي هنا غير قصدي والإثبات قصدي عكس ما تقدم

ويعبر عن ذلك بالتقريع أيضا نحو أفعصيت أمري أتعبدون ما تنحتون أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين

وأكثر ما يقع التوبيخ في أمر ثابت ووبخ على فعله كما ذكر ويقع على ترك فعل كان ينبغي أن يقع كقوله أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها

4875 الثالث وهو حمل المخاطب على الإقرار والاعتراف بأمر قد استقر عنده قال ابن جني ولا يستعمل ذلك بهل كما يستعمل بغيرها من أدوات الاستفهام وقال الكندي ذهب كثير من العلماء في قوله هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم إلى أن ( هل ) تشارك الهمزة في معنى التقرير والتوبيخ إلا أني رأيت أبا علي أبى ذلك وهو معذور لأن ذلك من قبيل الإنكار

4876 ونقل أبو حيان عن سيبويه أن استفهام التقرير لا يكون بهل إنما يستعمل فيه الهمزة ثم نقل عن بعضهم أن ( هل ) تأتي تقريرا كما في قوله تعالى هل في ذلك قسم لذي حجر

4877 والكلام مع التقرير موجب ولذلك يعطف عليه صريح الموجب ويعطف على صريح الموجب فالأول كقوله تعالى ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل والثاني نحو أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما على ما قرره الجرجاني من جعلها مثل وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا

وحقيقة استفهام التقرير أنه استفهام إنكار والإنكار نفي وقد دخل على النفي ونفي النفي إثبات ومن أمثلته أليس الله بكاف عبده ألست بربكم وجعل منه الزمخشري ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير

4878 الرابع التعجب أو التعجيب نحو كيف تكفرون بالله ما لي لا أرى الهدهد

وقد اجتمع هذا القسم وسابقاه في قوله أتأمرون الناس بالبر

قال الزمخشري الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم

ويحتمل التعجب والاستفهام الحقيقي ما ولاهم عن قبلتهم

4879 الخامس العتاب كقوله ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله قال ابن مسعود ما كان بين إسلامهم وبين أن عوتبوا بهذه الآية إلا أربع سنين أخرجه الحاكم ومن ألطفه ما عاتب الله به خير خلقه بقوله عفا الله عنك لم أذنت لهم ولم يتأدب الزمخشري بأدب الله في هذه الآية على عادته في سوء الأدب

4880 السادس التذكير وفيه نوع اختصار كقوله ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه

4881 السابع الافتخار نحو أليس لي ملك مصر

4882 الثامن التفخيم نحو ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة

4883 التاسع التهويل والتخويف نحو الحاقة ما الحاقة القارعة ما القارعة

4884 العاشر عكسه وهو التسهيل والتخفيف نحو وماذا عليهم لو آمنوا

4885 الحادي عشر التهديد والوعيد نحو ألم نهلك الأولين

4886 الثاني عشر التكثير نحو وكم من قرية أهلكناها

4887 الثالث عشر التسوية وهو الاستفهام الداخل على جملة يصح حلول المصدر محلها نحو سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم

4888 الرابع عشر الأمر نحو أأسلمتم أي أسلموا فهل أنتم منتهون أي انتهوا أتصبرون أي اصبروا

4889 الخامس عشر التنبيه وهو من أقسام الأمر نحو ألم تر إلى ربك كيف مد الظل أي انظر ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ذكره صاحب الكشاف عن سيبوبه ولذلك رفع الفعل في جوابه وجعل منه قوله فأين تذهبون للتنبيه على الضلال وكذا ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه

4890 السادس عشر الترغيب نحو من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا هل أدلكم على تجارة تنجيكم

4891 السابع عشر النهي نحو أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه بدليل فلا تخشوا الناس واخشون ما غرك بربك الكريم أي لا تغتر

4892 الثامن عشر الدعاء وهو كالنهي إلا أنه من الأدنى إلى الأعلى نحو أتهلكنا بما فعل السفهاء أي لا تهلكنا

4893 التاسع عشر الاسترشاد نحو أتجعل فيها من يفسد فيها

4894 العشرون التمني نحو فهل لنا من شفعاء

4895 الحادي والعشرون الاستبطاء نحو متى نصر الله

4896 الثاني والعشرون العرض نحو ألا تحبون أن يغفر الله لكم

4897 الثالث والعشرون التحضيض نحو ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم

4898 الرابع والعشرون التجاهل نحو أأنزل عليه الذكر من بيننا

4899 الخامس والعشرون التعظيم نحو من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه

4900 السادس والعشرون التحقير نحو أهذا الذي يذكر آلهتكم أهذا الذي بعث الله رسولا ويحتمله وما قبله قراءة من فرعون

4901 السابع والعشرون الاكتفاء نحو أليس في جهنم مثوى للمتكبرين

4902 الثامن والعشرون الاستبعاد نحو وأنى له الذكرى

4903 التاسع والعشرون الإيناس نحو وما تلك بيمينك يا موسى

4904 الثلاثون التهكم والاستهزاء نحو أصلاتك تأمرك ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون

4905 الحادي والثلاثون التأكيد لما سبق من معنى أداة الاستفهام قبله كقوله أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار قال الموفق عبد اللطيف البغدادي أي من حق عليه كلمة العذاب فإنك لا تنقذه فمن للشرط والفاء جواب الشرط والهمزة في أفأنت دخلت معادة مؤكدة لطول الكلام وهذا نوع من أنواعها

وقال الزمخشري الهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد

4906 الثاني والثلاثون الإخبار نحو أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا هل أتى على الإنسان

تنبيهات

الأول

4907 هل يقال إن معنى الاستفهام في هذه الأشياء موجود وانضم إليه معنى آخر أو تجرد عن الاستفهام بالكلية قال في عروس الأفراح محل نظر قال والذي يظهر الأول

قال ويساعده قول التنوخي في ( الأقصى القريب ) إن ( لعل ) تكون للاستفهام مع بقاء الترجي قال ومما يرجحه أن الاستبطاء في قولك كم أدعوك معناه أن الدعاء وصل إلى حد لا أعلم عدده فأنا أطلب أن أعلم عدده والعادة تقضي بأن الشخص إنما يستفهم عن عدد ما صدر منه إذا كثر فلم يعلمه وفي طلب فهم عدده ما يشعر بالاستبطاء

4908 وأما التعجب فالاستفهام معه مستمر فمن تعجب من شيء فهو بلسان الحال سائل عن سببه فكأنه يقول أي شيء عرض لي في حال عدم رؤية الهدهد وقد صرح في الكشاف ببقاء الاستفهام في هذه الآية

4909 وأما التنبيه على الضلال فالاستفهام فيه حقيقي لأن معنى ( أين تذهب ) أخبرني إلى أي مكان تذهب فإني لا أعرف ذلك وغاية الضلال لا يشعر بها إلى أين تنتهي

4910 وأما التقرير فإن قلنا المراد به الحكم بثبوته فهو خبر بأن المذكور عقيب الأداة واقع

أو طلب إقرار المخاطب به من كون السائل يعلم فهو استفهام يقرر المخاطب أي يطلب منه أن يكون مقرا به

وفي كلام أهل الفن ما يقتضي الاحتمالين والثاني أظهر

وفي ( الإيضاح ) تصريح به ولا بدع في صدور الاستفهام ممن يعلم المستفهم عنه لأنه طلب الفهم أما طلب فهم المستفهم أو وقوع فهم لمن لم يفهم كائنا من كان

وبهذا تنحل إشكالات كثيرة في مواضع الاستفهام ويظهر بالتأمل بقاء معنى الاستفهام مع كل أمر من الأمور المذكورة

انتهى ملخصا

الثاني

4911 القاعدة أن المنكر يجب أن يلي الهمزة وأشكل عليها قوله تعالى أفأصفاكم ربكم بالبنين فإن الذين يليها هنا الإصفاء بالبنين وليس هو المنكر إنما المنكر قولهم إنه اتخذ من الملائكة إناثا

وأجيب بأن لفظ الإصفاء مشعر بزعم أن البنات لغيرهم أو بأن المراد مجموع الجملتين وينحل منهما كلام واحد

والتقدير أجمع بين الإصفاء بالبنين واتخاذ البنات

وأشكل منه قوله أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ووجه الإشكال أنه لا جائز ان يكون المنكر أمر الناس بالبر فقط كما تقتضيه القاعدة المذكورة لأن أمر البر ليس مما ينكر ولا نسيان النفس فقط لأنه يصير ذكر أمر الناس بالبر لا مدخل له ولا مجموع الأمرين لأنه يلزم أن تكون العبادة جزء المنكر ولا نسيان النفس بشرط الأمر لأن النسيان منكر مطلقا ولا يكون نسيان النفس حال الأمر اشد منه حال عدم الأمر لأن المعصية لا تزداد بشاعتها بانضمامها إلى الطاعة لأن جمهور العلماء على أن الأمر بالبر واجب وإن كان الإنسان ناسيا لنفسه وأمره لغيره بالبر كيف يضاعف بمعصية نسيان ولا يأتي الخير بالشر

قال في عروس الأفراح ويجاب بأن فعل المعصية مع النهي عنها أفحش لأنها تجعل حال الإنسان كالمتناقض وتجعل القول كالمخالف للفعل ولذلك كانت المعصية مع العلم أفحش منها مع الجهل قال ولكن الجواب على أن الطاعة الصرفة كيف تضاعف المعصية المقارنة لها من جنسها فيه دقة

فصل من أقسام الإنشاء الأمر

4912 وهو طلب فعل غير كف وصيغته ( افعل ) و ( ليفعل ) وهي حقيقة في الإيجاب نحو أقيموا الصلاة فليصلوا معك

وترد مجازا لمعان أخر

4913 منها الندب نحو وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا

4914 والإباحة نحو فكاتبوهم نص الشافعي على أن الأمر فيه للإباحة ومنه وإذا حللتم فاصطادوا

4915 والدعاء من الغافل للعالي نحو رب اغفر لي

4916 والتهديد نحو اعملوا ما شئتم إذ ليس المراد الأمر بكل عمل شاءوا

4917 والإهانة نحو ذق إنك أنت العزيز الكريم

4918 والتسخير أي التذليل نحو كونوا قردة عبر به عن نقلهم من حالة إلى حالة إذلالا لهم فهو أخص من الإهانة

4919 والتعجيز نحو فأتوا بسورة من مثله إذ ليس المراد طلب ذلك منهم بل إظهار عجزهم

4920 والامتنان نحو كلوا من ثمره إذا أثمر

4921 والعجب نحو انظر كيف ضربوا لك الأمثال

4922 والتسوية نحو فاصبروا أو لا تصبروا

4923 والإرشاد نحو وأشهدوا إذا تبايعتم

4924 والاحتقار نحو ألقوا ما أنتم ملقون

4925 والإنذار نحو قل تمتعوا

4926 والإكرام نحو ادخلوها بسلام

4927 والتكوين وهو أعم من التسخير نحو كن فيكون

4928 والإنعام أي تذكير النعمة نحو كلوا مما رزقكم الله

4929 والتكذيب نحو قل فأتوا بالتوراة فاتلوها قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا

4930 والمشورة نحو فانظر ماذا ترى

4931 والاعتبار نحو انظروا إلى ثمره إذا أثمر

4932 والتعجب نحو أسمع بهم وأبصر ذكره السكاكي في استعمال الإنشاء بمعنى الخبر

فصل ومن أقسامه النهي

4933 وهو طلب الكف عن فعل وصيغته ( لا تفعل ) وهي حقيقة في التحريم

وترد مجازا لمعان

4934 منها الكراهة ونحو ولا تمش في الأرض مرحا

4935 والدعاء نحو ربنا لا تزغ قلوبنا

4936 والإرشاد نحو لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم

4937 والتسوية نحو أو لا تصبروا

4938 والاحتقار والتقليل نحو لا تمدن عينيك الآية أي فهو قليل حقير

4939 وبيان العاقبة نحو ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء أي عاقبة الجهاد الحياة ( لا الموت )

4940 واليأس نحو لا تعتذروا

4941 والإهانة نحو اخسؤوا فيها ولا تكلمون

فصل ومن أقسامه التمني

4942 وهو طلب حصول شيء على سبيل المحبة ولا يشترط إمكان المتمنى بخلاف المترجى لكن نوزع في تسمية تمني المحال طلبا بأن ما لا يتوقع كيف يطلب قال في عروس الأفراح فالأحسن ما ذكره الإمام وأتباعه من أن التمني والترجي والنداء والقسم ليس فيها طلب بل هو تنبيه ولا بدع في تسميته إنشاء

انتهى

وقد بالغ قوم فجعلوا التمني من قسم الخبر وأن معناه النفي والزمخشري ممن جزم بخلافه

ثم استشكل دخول التكذيب في جوابه في قوله يا ليتنا نرد ولا نكذب إلى قوله وإنهم لكاذبون وأجاب بتضمنه معنى العدة فتعلق به التكذيب

وقال غيره التمني لا يصح فيه الكذب وإنما الكذب في المتمنى الذي يترجح عند صاحبه وقوعه فهو إذن وارد على ذلك الإعتقاد الذي هو ظن وهو خبر صحيح

قال وليس المعنى في قوله وإنهم لكاذبون أن ما تمنوا ليس بواقع لأنه ورد في معرض الذم لهم وليس في ذلك المتمنى ذم بل التكذيب ورد على إخبارهم عن أنفسهم أنهم لا يكذبون وأنهم يؤمنون

وحرف التمنى الموضوع له ( ليت ) نحو يا ليتنا نرد يا ليت قومي يعلمون يا ليتني كنت معهم فأفوز

وقد يتمنى بهل حيث يعلم فقده نحو فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا وبلوا نحو فلو أن لنا كرة فنكون ولذا نصب الفصل في جوابها

وقد يتمنى ب ( لعل ) في البعيد فتعطى حكم ( ليت ) في نصب الجواب نحو لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع

فصل ومن أقسامه الترجي

4943 نقل القرافي في ( الفروق ) الإجماع على أنه إنشاء وفرق بينه وبين التمني بأنه في الممكن والتمني فيه وفي المستحيل وبأن الترجي في القريب والتمني في البعيد وبأن الترجي في المتوقع والتمني في غيره وبأن التمني في المشقوق للنفس والترجي في غيره

وسمعت شيخنا العلامة الكافيجي يقول الفرق بين التمني وبين العرض هو الفرق بينه وبين الترجي

وحرف الترجي لعل وعسى وقد ترد مجازا لتوقع محذور ويسمى الإشفاق نحو لعل الساعة قريب

فصل ومن أقسامه النداء

4944 وهو طلب إقبال المدعو على الداعي بحرف نائب مناب ( أدعو ) ويصحب في الأكثر الأمر والنهي والغالب تقدمه نحو يا أيها الناس اعبدوا ربكم يا عباد فاتقون يا أيها المزمل قم الليل ويا قوم استغفروا ربكم يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا

4945 وقد يتأخر نحو وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون

4946 وقد يصحب الجملة الخبرية فتعقبها جملة الأمر نحو يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها

4947 وقد لا تعقبها نحو يا عباد لا خوف عليكم اليوم يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر يا أيها النبي لم تحرم ويا قوم ما لي أدعوكم

4949 وقد ترد صورة النداء لغيره مجازا كالإغراء والتحذير وقد اجتمعا في قوله تعالى ناقة الله وسقياها

4950 والاختصاص كقوله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت

4951 والتنبيه كقوله ألا يسجدوا والتعجب كقوله يا حسرة على العباد

4952 والتحسر كقوله يا ليتني كنت ترابا

قاعدة

4953 أصل النداء ب ( يا ) أن تكون للبعيد حقيقة أو حكما وقد ينادى بها القريب لنكت منها إظهار الحرص في وقوعه على إقبال المدعو نحو يا موسى أقبل

4954 ومنها كون الخطاب المتلو معتنى به نحو يا أيها الناس اعبدوا ربكم

4955 ومنها قصد تعظيم شأن المدعو نحو يا رب وقد قال تعالى فإني قريب

4956 ومنها قصد انحطاطه كقول فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا

فائدة

4957 قال الزمخشري وغيره كثر في القرآن النداء ب ( يا أيها ) دون غيره لأن فيه أوجها من التأكيد وأسبابا من المبالغة

منها ما في ( يا ) من التأكيد والتنبيه وما في ( ها ) من التنبيه وما في التدرج من الإبهام في ( أي ) إلى التوضيح والمقام يناسب المبالغة والتأكيد لأن كل ما نادى له عباده من أوامره ونواهيه وعظاته وزواجره ووعده ووعيده ومن اقتصاص أخبار الأمم الماضية وغير ذلك ومما أنطق الله به كتابه أمور عظام وخطوب جسام ومعان واجب عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها وهم غافلون فاقتضى الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ

فصل ومن أقسامه القسم

4958 نقل القرافي الإجماع على أنه إنشاء وفائدته تأكيد الجملة الخبرية وتحقيقها عند السامع وسيأتي بسط الكلام فيه في النوع السابع والستين

4959 فصل ومن أقسامه الشرط

السابقالتالي

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن · المصادر