الجزء ٤ — ص ٢٦٢–٢٧١
1 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى 2
ثم قال الجمهور التقدير بل نحييها قادرين لان الحساب انما يقع من الانسان على نفي جمع العظام وبلى اثبات فعل النفي فينبغي إن يكون الجمع بعدها مذكورا على سبيل الايجاب
وقال الفراء التقدير فلنحيها قادرين لدلالة ايحسب عليه وهو ضعيف لانه عدول عن مجئ الجواب على نمط السؤال
والمجازي كقوله تعالى ألست بربكم قالوا بلى 3 فان الاستفهام هنا ليس على حقيقته بل هو للتقرير لكنهم اجروا النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد في رده ب بلى
وكذلك قال ابن عباس لو قالوا نعم لكفروا ووجهه إن نعم تصديق لما بعد الهمزة نفيا كان أو اثباتا
ونازع السهيلي وغيره في المحكى عن ابن عباس من وجه أن الاستفهام التقريري اثبات قطعا وحينئذ فنعم في الايجاب تصديق له فهلا اجيب بما اجيب به الايجاب فان قولك الم اعطك درهما بمنزلة اعطيتك
والجواب من اوجه أحدها ذكره الصفار إن المقرر قد يوافقه المقرر فيما يدعيه وقدلا فلو قيل في جواب الم أعطك نعم لم يدر هل اراد نعم لم تعطي فيكون مخالفا للمقرر أو نعم اعطيتني فيكون موافقا فلما كان يلتبس اجابوه على اللفظ ولم يلتفتوا إلى المعنى
& تنبيهات
الاول ماذكرنا من كون بلى انما يجاب بها النفي هو الاصل واما قوله تعالى بلى قد جاءتك آياتي 1 فانه لم يتقدمها نفي لفظا لكنه مقدر فان معنى لو أن الله هداني 2 ما هداني فلذلك اجيب ب بلى التي هي جواب النفي المعنوي ولذلك حققه بقوله قد جاءتك آياتي 1 وهي من اعظم الهدايات
ومثله بلى قادرين 3 فانه سبق نفي وهو ألن نجمع عظامه 4 فجاءت الآية على جهة التوبيخ لهم في اعتقادهم إن الله لا يجمع عظامهم فرد عليهم بقوله بلى قادرين 3
وقال ابن عطية حق بلى إن تجيء بعد نفي عليه تقرير وهذا القيد الذي ذكره في النفي لم يذكره غيره واطلق النحويون انها جواب النفي
وقال الشيخ اثير الدين حقها إن تدخل على النفي ثم حمل التقرير على النفي ولذلك لم يحمله عليه بعض العرب واجابه بنعم
وسأل الزمخشري هلا قرن الجواب بما هو جواب له وهو قوله أن الله هداني 5 ولم يفصل بينهما بآية ( 6 )
واجاب بانه إن تقدم على احدى القرائن الثلاث فرق بينهن وبين النظم فلم يحسن وان تاخرت القرينة الوسطى نقض الترتيب وهو التحسر على التفريط في الطاعة ثم التعليل بفقد الهداية ثم تمنى الرجعة فكان الصواب ما جاء عليه وهو انه حكى اقوال النفس على ترتيبها ونظمها ( 7 ) ثم اجاب عما اقتضى الجواب من بينها
الثاني اعلم انك متى رايت بلى أو نعم بعد الكلام يتعلق بها تعلق الجواب وليس قبلها ما يصلح إن يكون جوابا له فاعلم إن هناك سؤالا مقدرا لفظه لفظ الجواب ولكنه اختصر وطوى ذكره علما بالمعنى كقوله تعالى بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه 1 فقال المجيب بلى ويعاد السؤال في الجواب
وكذا قوله بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته 2 ليست بلى فيه جوابا لشئ قبلها بل ما قبلها دال على ماهي جواب له والتقدير ليس من كسب سيئة واحاطت به خطيئته خالدا في النار أو يخلد في النار فجوابه الحق بلى
وقد يكتفي بذكر بعض الجواب دالا على باقيه كما قال تعالى بلى قادرين 3 اي بلى نجمعها قادرين فذكر الجملة بمثابة ذكر الجزاء من الجملة وكاف عنها
الثالث من القواعد النافعة إن الجواب اما إن يكون لملفوظ به أو مقدر
فان كان المقدر فالجواب بالكلام كقولك لمن تقدره مستفهما عن قيام زيد قام زيد أو لم يقم زيد ولا يجوز إن تقول نعم ولا لا لانه 4 لا يعلم ما يعني بذلك وان كان الجواب الملفوظ به فان اردت التصديق قلت نعم وفي تكذيبه بلى فتقول في جواب من قال اما قام زيد نعم اذا صدقته وبلى اذا كذبته
وكذلك اذا ادخلت اداة الاستفهام على النفي ولم ترد التقرير بل ابقيت الكلام
على نفيه فتقول في تصديق النفي نعم وفي تكذيبه بلى نحو الم يقم زيد فتقول في تصديق النفي نعم وفي تكذيبه بلى
الرابع يجوز الاثبات والحذف بعد بلى فالاثبات كقوله تعالى ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير 1
وقوله وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم 2
ومن الحذف قوله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا 3 فالفعل المحذوف بعد بلى في هذا الموضع يكفيكم اي بلى يكفيكم إن تصبروا
وقوله أو لم تؤمن قال بلى 4 اي قد آمنت
وقوله وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة 5 ثم قال بلى اي تمسسكم اكثر من ذلك
وقوله وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى 6 ثم قال بلى اي يدخلها غيرهم
وقوله ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى 7
وقد تحذف بلى وما بعدها كقوله قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا 8 اي بلى قلت لي
& ثم
للترتيب مع التراخي واما قوله لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى 1 والهداية سابقة على ذلك فالمراد ثم دام على الهداية بدليل قوله وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا 2
وقد تاتي لترتيب الاخبار لا لترتيب المخبر عنه كقوله تعالى فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد 3
وقوله واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه 4
وتقول زيد عالم كريم ثم هو شجاع
قال ابن بري قد تجئ ثم كثيرا لتفاوت ما بين رتبتين في قصد المتكلم فيه تفاوت ما بين مرتبتي الفعل مع السكوت عن تفاوت رتبتي الفاعل كقوله تعالى الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون 5 ف ثم هنا لتفاوت رتبة الخلق والجعل من رتبة العدل مع السكوت عن وصف العادلين
ومثله قوله تعالى فلا اقتحم العقبة 6 إلى قوله ثم كان من الذين آمنوا 6 دخلت لبيان تفاوت رتبة الفك والاطعام من رتبة الايمان إلا إن فيها زيادة تعرض لوصف المؤمنين بقوله وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة وذكر غيره في قوله تعالى ثم الذين كفروا بربهم يعدلون 5 إن ثم
دخلت لبعد ما بين الكفر وخلق السموات والأرض
وعلى ذلك جرى الزمخشري في مواضع كثيرة من الكشاف كقوله تعالى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى 1
وقوله إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا 2 قال كلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين في جاءني زيد ثم عمرو اعني إن منزلة الاستقامة على الخبر مباينة لمنزلة الخير نفسه لانها اعلى منها وافضل ( 3 )
ومنه قوله تعالى إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر 4 إن قلت ما معنى ثم الداخلة في تكرير الدعاء قلت الدلالة على إن الكرة الثانية من الدعاء ابلغ من الاولى ( 5 )
وقوله ثم كان من الذين آمنوا 6 قال جاء ثم لتراضي الايمان وتباعده في الرتبة والفضيلة على العتق والصدقه لا في الوقت لان الايمان هو السابق المقدم على غيره ( 7 )
وقال الزمخشري في قوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا 08 ) إن ثم هذه ( 9 ) فيها من تعظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم واجلال محله والايذان بانه اولى واشرف ما اوتي خليل الله إبراهيم من الكرامة واجل ما اوتي من النعمة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 9 ) في ملته ( 10 )
واعلم انه بهذا التقدير يندفع الاعتراض بان ثم قد تخرج عن الترتيب والمهلة وتصير كالواو لانه انما يتم على انها تقتضي الترتيب الزماني لزوما اما اذا قلنا انها ترد
لقصد التفاوت والتراخي عن الزمان لم يحتج إلى الانفصال عن شئ مما ذكر من هذه الآيات الشريفة لا إن تقول إن ثم قد تكون بمعنى الواو
والحاصل انها للتراخي في الزمان وهو المعبر عنه بالمهلة وتكون للتباين في الصفات وغيرها من غير قصد مهلة زمانية بل ليعلم موقع ما يعطف بها وحاله وانه لو انفرد لكان كافيا فيما قصد فيه ولم يقصد في هذا ترتيب زماني بل تعظيم الحال فيما عطف عليه وتوقعه وتحريك النفوس لاعتباره
وقيل تاتي للتعجب بنحو ثم الذين كفروا بربهم يعدلون 1
وقوله ثم يطمع أن أزيد كلا 2
وقيل بمعنى واو العطف كقوله فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد 3 اي هو شهيد
وقوله ثم إن علينا بيانه 4
والصواب انها على بابها لما سبق قبله
وقوله ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا 5 وقد امر الله الملائكة بالسجود قبل خلقنا فالمعنى وصورناكم
وقيل على بابها والمعنى ابتدأنا خلقكم لان الله تعالى خلق آدم من تراب ثم صوره وابتدأ خلق الانسان من نطفة ثم صوره
وأما قوله خلقكم من طين ثم قضى أجلا 6 وقد كان قضى الاجل فمعناه اخبركم اني خلقته من طين ثم اخبركم اني قضيت الاجل كما تقول كلمتك اليوم ثم كلمتك امس اي اني اخبرك بذالك ثم اخبرك بهذا ( 79 وهذا يكون في الجمل
فاما عطف المفردات فلا تكون إلا للترتيب قاله ابن فارس ( 1 )
قيل وتاتي زائدة كقوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا 2 إلى قوله ثم تاب عليهم 2 لان تاب جواب اذا من قوله حتى إذا ضاقت وتأتي للاستئناف كقوله تعالى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ( 3 )
فان قيل ما المانع من الجزم على العطف فالجواب انه عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الاخبار ابتداء كانه قال ثم اخبركم انهم لاينصرون
فان قيل اي فرق بين رفعة وجزمه في المعنى قيل لو جزم لكان نفي النصر مقيدا بمقاتلتهم كتوليهم وحين رفع كان النصر وعدا مطلقا كانه قال ثم شأنهم وقصتهم اني اخبركم عنها وابشركم بها بعد التولية انهم مخذولون منعت عنهم النصرة والقوة ثم لا ينهضون بعدها بنجاح ولا يستقيم لهم امر
واعلم انها وان كانت حرف استئناف ففيها معنى العطف وهو عطف الخبر على جملة الشرط والجزاء كانه قال اخبركم انهم يقاتلونكم فيهزمون ثم اخبركم انهم لا ينصرون
فان قيل ما معنى التراخي في ثم
قيل التراخي في الرتبة لان الاخبار التي تتسلط عليهم اعظم من الاخبار بتوليهم الادبار وكقوله تعالى ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين 1 & ثم المفتوحة
ظرف للبعيد بمعنى قال تعالى وإذا رأيت ثم رأيت 2
وقرئ فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد 2 اي هنالك الله شهيد بدليل هنالك الولاية لله الحق 4
وقال الطبري في قوله أثم إذا ما وقع آمنتم به 3 معناه اهنالك وليست ثم العاطفة وهذا وهم اشتبه عليه المضمومة بالمفتوحة
& حاشا
اسم ياتي بمعنى التنزيه كقوله حاش لله 01 ) بدليل قول بعضهم حاشا لله بالتنوين كما قيل براءة من الله من كذا اي حاشا لله بالتنوين كقولهم رعيا لزيد
وقراءة ابن مسعود / < حاشا لله > / بالاضافة فهذا مثل سبحان الله ومعاذ الله
وقيل بمعنى جانب يوسف المعصية لاجل الله وهذا لايتاتى في حاش لله ما هذا بشرا 2
قال الفارسي وهو فاعل من الحشا الذي هو الناحية اي صار في ناحية اي بعد مما رمى به وتنحى عنه فلم يغشه ولم يلابسه
فان قلت اذا قلنا باسمية حاشا فما وجه ترك التنوين في قراءة الجماعة وهي غير مضافة
قلت قال ابن مالك والوجه إن تكون حاشى المشبهة بحاشى الذي هو حرف وانه شابهه لفظا ومعنى فجرى مجراه في البناء
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر