علوم القرآن · البرهان للزركشي · الفصل ١٣٨ من ١٩٤

الجزء ٣ — ص ٣٦٢–٣٧١

وقال الكسائي إتيانها قريب

وقيل في قوله تعالى بريح صرصر 1 ولم يقل صرصرة كما قال بريح صرصر عاتية 1 لأن الصرصر وصف مخصوص بالريح لا يوصف به غيرها فأشبه باب حائض ونحوه بخلاف عاتية فإن غير الريح من الأسماء المؤنثة يوصف به

وأما قوله تعالى السماء منفطر به 2 ففي تذكير منفطر خمسة أقوال

أحدها للفراء أن السماء تذكر وتؤنث فجاء منفطر على التذكير

والثاني لأبي على أنه من باب اسم الجنس الذي بينه وبين واحده التاء مفرده سماءة واسم الجنس يذكر ويؤنث نحو أعجاز نخل منقعر 3

والثالث للكسائي أنه ذكر حملا على معنى السقف

والرابع لأبي علي أيضا على معنى النسب أي ذات انفطار كقولهم امرأة مرضع أي ذات رضاع

والخامس للزمخشري أنه صفة لخبر محذوف مذكر أي شيء منفطر

وسأل أبو عثمان المازني بحضرة المتوكل قوما من النحويين منهم ابن السكيت وأبو بكر بن قادم عن قوله تعالى وما كانت أمك بغيا 4 كيف جاء بغيرها ونحن نقول امرأة كريمة إذا كانت هي الفاعل وليست بمنزلة القتيل التي هي بمعنى المفعول فأجاب ابن قادم وخلط فقال له المتوكل أخطأت قل يا بكر للمازني قال بغى ليس ل فعيل وإنما هو فعول والأصل فيه بغوى فلما التقت واو وياء وسبقت إحدهما بالسكون أدغمت الواو في الياء فقيل بغى كما تقول امرأة

صبور بغير هاء لأنها بمعنى صابرة فهذا حكم فعول إذا عدل عن فاعله فإن عدل عن مفعوله جاء بالهاء كما قال % % منها اثنتان واربعون حلوبة % $ 1

بمعنى محلوبة حكاه التوحيدي في البصائر

وقال البغوي في قوله تعالى من يحيي العظام وهي رميم 2 ولم يقل رميمة لأنه معدول عن فاعله وكلما كان معدولا عن جهته ووزنه كان مصروفا عن فاعلة كقوله وما كانت أمك بغيا 3 اسقط الهاء لأنها مصروفة عن باغية

وقال الشريف المرتضى 4 في قوله تعالى ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم 5 إن الضمير في ذلك يعود للرحمة وإنما لم يقل ولتلك 6 لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي كقوله تعالى هذا رحمة من ربي 7 ولم يقل هذه على أن قوله إلا من رحم 5 كما يدل على الرحمة يدل على أن يرحم ويجوز رجوع الكتابة إلى قوله إلا أن يرحم والتذكير في موضعه

قال ويجوز أن يكون قوله ولذلك خلقهم كناية عن اجتماعهم على الإيمان وكونهم فيه أمة واحدة ولا محالة أنه لهذا خلقهم

ويطابق هذه الآية قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون 8 قال فأما قوله ولا يزالون مختلفين فمعناه الاختلاف في الدين والذهاب عن الحق فيه

بالهوى والشبهات وذكر أبو مسلم 1 بن بحر فيه معنى غريبا فقال معناه أن خلف هؤلاء الكفار يخلف سلفهم في الكفر لأنه سواء قولك خلف بعضهم بعضا وقولك 2 اختلفوا كما سواء قولك قتل بعضهم بعضا وقولهم اقتتلوا ومنه قولهم لا أفعله ما اختلف العصران والجديدان 3 أي جاء كل واحد منهم بعد الاخر

واختلف في قوله وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه 4 فقال الكسائي أي من بطون ما ذكرنا

وقال الفراء ذكر لأنه ذهب إلى المعنى يعنى معنى النعم وقيل الأنعام تذكر وتؤنث

وقال أبو عبيدة أراد البعض أي من بطون أيها كان ذا لبن 5

وأنكر أبو حاتم تذكير الأنعام لكنه أراد معنى النعم

$ تأنيث المذكر

كقوله تعالى الذين يرثون الفردوس هم فيها 1 فأنث الفردوس وهو مذكر حملا على معنى الجنة

وقوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها 2 فأنث عشر حيث جردت من الهاء مع إضافته إلى الأمثال وواحدها مذكر وفيه أوجه

أحدها أنث لإضافة الأمثال إلى مؤنث وهو ضمير الحسنات والمضاف يكتسب أحكام المضاف إليه فتكون كقوله يلتقطه بعض السيارة 3

والثاني هو من باب مراعاة المعنى لأن الأمثال في المعنى مؤنثه لأن مثل الحسنة حسنة لا محالة فلما أريد توكيد الإحسان إلى المطيع وأنه لا يضيع شيء من علمه كأن الحسنة المنتظرة واقعة جعل التأنيث في أمثالها منبهة على ذلك الوضع وإشارة إليه كما جعلت الهاء في قولهم رواية وعلامة تنبيها على المعنى المؤنث المراد في أنفسهم وهو الغاية والنهاية ولذلك أنث المثل هنا توكيدا لتصوير الحسنة في نفس المطيع ليكون ذلك أدعى له إلى الطاعة حتى كأنه قال فله عشر حسنات أمثالها حذف وأقيمت صفته مقامه وروعي ذلك المحذوف الذي هو المضاف إليه كما يراعى المضاف في نحو قوله أو كظلمات في بحر لجي 4 أي أو كذى ظلمات وراعاه في قوله يغشاه موج وهذا الوجه هو الذي عول عليه الزمخشري ولم يذكر سواه

وأما ابن جنى فذكر في المحتسب الوجه الأول وقال فإن قلت فهلا حملته

على حذف الموصوف فكأنه قال فله عشر حسنات وأمثالها قيل حذف وإقامة الموصوف مقامه ليس بمستحسن في القياس وأكثر ما أتى في الشعر ولذلك حمل دانية من قوله ودانية عليهم ظلالها 1 على أنه وصف جنة أو وجنة دانية عطف على جنة من قولهم وجزاهم بما صبروا جنة 2 لما قدر حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه حتى عطف على قوله متكئين فيها على الأرائك 3 فكانت حالا معطوفة على حال

وفي كشف المشكلات 4 للأصبهاني حذف الموصوف هو اختيار سيبويه وإن كان لا يرى حسن ثلاثة مسلمين بحذف الموصوف

وقوله تعالى حكاية عن لقمان يا بني إنها إن تك مثقال حبة 5 فأنث الفعل المسند ل مثقال وهو مذكر ولكن لما أضيف إلى حبة اكتسب منه التأنيث فساغ تأنيث فعله

وذكر أبو البقاء في قوله تعالى كل نفس ذائقة الموت 6 أن التأنيث في ذائقة باعتبار معنى كل لأن معناها التأنيث قال لأن كل نفس نفوس ولو ذكر على لفظ كل جاز 7 يعنى أنه لو قيل كل نفس ذائق جاز

وهو مردود لأنه يجب اعتبار ما يضاف إليه كل إذا كانت نكرة ولا يجوز أن يعتبر كل

وقوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي 1 فإن الظاهر عود الضمير إلى الإبداء بدليل قوله وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم 1 فذكر الضمير العائد على الإخفاء ولو قصد الصدقات لقال فهي وإنما أنث هي والذي عاد إليه مذكر على حذف مضاف أي وإبداؤها نعم ما هي كقوله القرية أسألها

ومنه سعيرا 2 وهو مذكر ثم قال إذا رأتهم فجعله على النار

وأما قوله لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن 3 فقيل الضمير عائد على الآيات المتقدمة في اللفظ

وقال البغوى إنما قال خلقهن بالتأنيث لأنه أجرى على طريق جمع التكسير ولم يجر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث لأنه فيما لا يعقل

وقيل في قوله الذي خلقكم من نفس واحدة 3 إن المراد آدم فأنثه ردا إلى النفس وقد قرىء شاذا من نفس واحد

وحكى الثعلبي في تفسيره 4 في سورة اقترب بإسناده إلى المبرد سئل عن ألف مسألة منها ما الفرق بين قوله تعالى جاءتها ريح عاصف 5 وقوله ولسليمان الريح عاصفة 6 وقوله أعجاز نخل خاوية 7 و كأنهم أعجاز نخل منقعر

1 فقال كل ما ورد عليك من هذا الباب فلك أن ترده إلى اللفظ تذكيرا ولك أن ترده إلى المعنى تأنيثا وهذا من قاعدة أن اسم الجنس تأنيثه غير حقيقي فتارة يلحظ معنى الجنس فيذكر وتارة معنى الجماعة فيؤنث قال تعالى في قصة شعيب وأخذت الذين ظلموا الصيحة 2 وفي قصة صالح وأخذ الذين ظلموا الصيحة 2 وقال إن البقر تشابه علينا 4 وقرىء تشابهت

وأبدى السهيلي للحذف والإثبات معنى حسنا فقال إنما حذفت منه لأن الصيحة فيها بمعنى العذاب والخزي إذ كانت منتظمة بقوله ومن خزي يومئذ 5 فقوى التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك

وأجاب غيره بأن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيجىء فيها التذكير فيطلق ويراد بها الوحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن

وقد أخبر سبحانه عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مفردة اللفظ

أحدها الرجفة في قوله فأخذتهم الرجفة 6

والثاني الظلة في قوله فأخذهم عذاب يوم الظلة 7

والثالث الصيحة وجمع لهم الثلاثة لأن الرجفة بدأت بهم فأصحروا في الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم فضربتهم الشمس بحرها ورفعت لهم الظلة فهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس فنزل عليهم العذاب وفيه الصيحة فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح فكان ذكر التاء أحسن

فإن قلت ما الفرق بين قوله سبحانه فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة 1 وبين قوله فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة 2

قيل الفرق بينهما من وجهين

لفظي ومعنوي

أما اللفظي فهو أن الفصل بين الفعل والفاعل في قوله حق عليهم الضلالة 2 أكثر منها في قوله حقت عليه الضلالة 1 والحذف مع كثرة الحواجز أحسن

وأما المعنوى فهو أن من في قوله ومنهم من حقت عليه الضلالة 1 راجعة على الجماعة وهي مؤنثة لفظا بدليل ولقد بعثنا في كل أمة رسولا 3 ثم قال ومنهم من حقت عليه الضلالة 1 أي من تلك الأمم ولو قال ضلت لتعينت التاء والكلامان واحد وإن كان معناهما واحدا فكان إثبات التاء أحسن من تركها لأنها ثابتة فيما هو من معنى الكلام المتأخر

وأما فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة 2 فالفريق مذكر ولو قال ضلوا لكان بغير تاء وقوله حق عليهم الضلالة 2 في معناه فجاء بغير تاء وهذا أسلوب لطيف من أساليب العرب أن يدعو حكم اللفظ الواجب في قياس لغتهم إذا كان في مركبه كلمة لا يجب لها حكم ذلك الحكم $ تنبيه

جاء عن ابن مسعود ذكروا القرآن ففهم منه ثعلب أن ما احتمل تأنيثه وتذكيره كان تذكيره أجود

ورد بأنه يمتنع إرادة تذكير غير الحقيقي التأنيث لكثرة ما في القرآن منه بالتأنيث النار وعدها الله 1 والتفت الساق بالساق 2 قالت لهم رسلهم 3 وإذا امتنع إرادة غير الحقيقي فالحقيقي أولى

قالوا ولا يستقيم إرادة أن ما احتمل التذكير والتأنيث غلب فيه التذكير لقوله تعالى والنخل باسقات 4 أعجاز نخل خاوية 5 فأنث مع جواز التذكير قال تعالى أعجاز نخل منقعر 6 من الشجر الأخضر 7 قال فليس المراد ما فهم بل المراد الموعظة والدعاء كما قال تعالى فذكر بالقرآن 8 إلا أنه حذف الجار والمقصود ذكروا الناس بالقرآن أي ابعثوهم على حفظه كيلا ينسوه

وقال الواحدي إن قول ابن مسعود على ما ذهب إليه ثعلب والمراد أنه إذا احتمل اللفظ التذكير والتأنيث ولم يحتج في التذكير إلى مخالفة المصحف ذكر نحو ولا يقبل منها شفاعة 9

قال ويدل على إرادته هذا إن أصحاب عبد الله من قراء الكوفة كحمزة والكسائي ذهبوا إلى هذا فقرءوا ما كان من هذا القبيل بالتذكير نحو يوم تشهد عليهم ألسنتهم 10 وهذا في غير الحقيقي $ ضابط الثأنيث 11

ضابط التأنيث ضربان

حقيقي وغيره فالحقيقي لا يحذف التأنيث من فعله غالبا إلا أن يقع فصل نحو

قام اليوم هند وكلما كثر الفصل حسن الحذف والإثبات مع الحقيقي أولى ما لم يكن جمعا

وأما غير الحقيقي فالحذف فيه مع الفصل حسن قال تعالى فمن جاءه موعظة 1 فإن كثر الفصل ازداد حسنا ومنه وأخذت الذين ظلموا الصيحة 2 ويحسن الإثبات ايضا نحو وأخذت الذين ظلموا الصيحة 3 فجمع بينهما في سورة هود

وأشار بعضهم إلى ترجيح الحذف واستدل عليه بأن الله تعالى قدمه عليه حيث جمع بينهما في سورة واحدة وفيما قاله نظر

السابقالتالي

بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر