الجزء ٣ — ص ٣٥٢–٣٦١
وقال النووي في شرح مسلم في باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وقوله صلى الله عليه وسلم لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه هكذا هو في جميع النسخ ولا يسوم بالواو ولا يخطب بالرفع وكلاهما لفظه لفظ الخبر والمراد به النهي وهو أبلغ في النهي لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه والنهي قد يقع مخالفته فكأن المعنى عاملوا هذا النهي معاملة خبر الحتم ثم قال صلى الله عليه وسلم ولا تسأل المرأة طلاق أختها يجوز في تسأل الرفع والكسر 1 والأول على الخبر الذي يراد به النهي وهو المناسب لقوله قبله لا يخطب ولا يسوم والثاني على النهي الحقيقي انتهى
$ وضع النداء موضع التعجب
كقوله تعالى يا حسرة على العباد 1 قال الفراء معناه فيالها من حسرة والحسرة في اللغة أشد الندم لأن القلب يبقى حسيرا
وحكى أبو الحسين بن خالويه في كتاب المبتدأ عن البصريين أن هذه من أصعب مسألة في القرآن لأن الحسرة لا تنادي وإنما تنادى الاشخاص لأن فائدته التنبيه ولكن المعنى على التعجب كقوله يا عجبا لم فعلت يا حسرتى على ما فرطت 2 وهو أبلغ من قولك العجب قيل فكأن التقدير يا عجبا احضر يا حسرة احضري
وقرأ الحسن يا حسرة على العباد
ومنهم قال الأصل يا حسرتاه ثم اسقطوا الهاء تخفيفا ولهذا قرأ عاصم يا أسفى على يوسف 3
وقال ابن جنى في كتاب الفسر معناه أنه لو كانت الحسرة مما يصح نداؤه لكان هذا وقتها
وأما قوله تعالى يا بشرى 4 فقالوا معنى النداء فيما لا يعقل تنبيه المخاطب وتوكيد القصة فإذا قلت يا عجبا فكأنك قلت اعجبوا فكأنه قال يا قوم أبشروا
قال أبو الفتح في الخاطريات وقد توضع الجملة من المبتدأ والخبر موضع
المفعول به كقوله تعالى ولكم فيها منافع 1 بعد قوله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها 2 المعنى ولتنتفعوا بها عطفا على قوله لتركبوا منها وعلى هذا قال ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم 1 وكذلك قوله ومنها تأكلون 2 أي ولتأكلوا منها ولذلك أتى وعليها وعلى الفلك تحملون 1 فعطف الجملة من الفعل ومرفوعة على المفعول له
ونظيره قوله تعالى وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم أي ولأني ربكم فاتقون فوضع الجملة من المبتدأ والخبر موضع المفعول له
وبهذا يبطل تعلق من تعلق على ثبوته في قوله تعالى وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله 4 وقوله إن هذا ليس من مواضع الابتداء لجواز تقدير وأذان بأن الله برىء وبأن رسوله كذلك
$ وضع جمع القلة موضع الكثرة
لأن الجموع يقع بعضها موقع بعض لاشتراكها في مطلق الجمعية كقوله تعالى وهم في الغرفات آمنون 1 فإن المجموع بالألف والتاء للقلة وغرف الجنة لا تحصى
وقوله هم درجات عند الله 2 ورتب الناس في علم الله أكثر من العشرة لا محالة
وقوله الله يتوفى الأنفس 3
وقوله واستيقنتها أنفسهم 4 وهو كثير
وقيل سبب ذلك في الآية الأولى دخول الألف واللام الجنسية فيكون ذلك تكثيرا لها وكان دخولها على جمع القلة أولى من دخولها على جمع الكثرة إشارة إلى قلة من يكون فيها ألا ترى أنه لا يكون فيها إلا المؤمنون
وقد نص سبحانه على قتلهم بالإضافة إلى غيرهم في قوله تعالى إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم 5 فيكون التكثير الداخل في قوله وهم في الغرفات 6 لا من جهة وضع جمع القلة موضع جمع الكثرة ولكن من جهة ما اقتضته الألف واللام للجنس
واعلم أن جموع التكثير الأربعة وجمعى التصحيح أعنى جمع التأنيث وجمع التذكير كل ذلك للقلة أما جموع التكسير فبالوضع وأما جمعا التصحيح فلأنهما
أقرب إلى التثنية وهي أقل العدد فوجب أن يكون الجمع المشابه لها بمنزلتها في القلة وما عداها من الجموع فيرد تارة للقلة وتارة للكثرة بحسب القرائن قال تعالى الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين 1 هدى للمتقين 2 وأولئك هم المفلحون 3 إنما نحن مصلحون 4 ألا إنهم هم المفسدون 5 مستهزؤون 6 وما كانوا مهتدين 7 وكنتم أمواتا 8 وعلم آدم الأسماء كلها 9 فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين 9 بسمعهم وأبصارهم 10 أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم 11 إذا طلقتم النساء 12 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون 13 ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم 14 ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء 15 وبينات من الهدى واتقون يا أولي الألباب 16 باللغو في أيمانكم 17 أن ينكحن أزواجهن 18
حافظوا على الصلوات 19 فإن قلت ليس هذا منه بل هي للقلة لأنها خمس
قلت لو كان كذلك لما صح لا جناح عليكم إن طلقتم النساء 20
فيما عرضتم به من خطبة النساء 1 فالمراد منها واحد والجواب عن أحدهما الجواب عن الآخر
وقوله تعالى من كل الثمرات 2 إن تبدوا الصدقات 3 الصابرين والصادقين 4 الآية والمؤمنين والمؤمنات 5 الآية ولا تحصى كثرة
ومن شواهد مجيء جمع القلة مرادا به الكثرة قول حسان رضي الله عنه % % لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى % % وأسيافنا يقطرن من نجدة دما % $ 6
وحكى أن النابغة قال له قد قللت جفتاك وأسيافك 7
وطعن الفارسي في هذه الحكاية لوجود وضع جمع القلة موضع الكثرة فيما له جمع كثرة وفيما لا جمع له كثرة في كلامهم وصححها بعضهم قال يعنى أنه كان ينبغي لحسان تجنب اللفظ الذي أصله أن يكون في القلة وإن كان جائزا في اللسان وضعه لقرينة إذا كان الموضع موضع مدح أو أنه وإن كانت القلة لمعنى الكثرة لكن ليس في كل مقام
ومن المشكل قوله تعالى فيضاعفه له أضعافا كثيرة 8 فإن أضعافا جمع قلة فكيف جاء بعد كثرة
والجواب أن جمع القلة يستعمل مرادا به الكثرة وهذا منه $ تنبيهان
الأول إنما يسأل عن حكمة ذلك حيث كان له جمع كثرة فإن لم يكن فلا
كقوله أياما معدودات 1 فإن أياما أفعال مع أنها ثلاثون لكن ليس لليوم جمع غيره ومن ثم أفرد السمع وجمع الأبصار في قوله وعلى سمعهم وعلى أبصارهم 2 لأن فعلا ساكن العين صحيحها لا يجمع على أفعال غالبا وليس له جمع تكسير فلما كان كذلك اكتفى بدلالة الجنس على الجمع
وجعل بعضهم من هذا أنفسكم على كثرتها في القرآن وليس كذلك فقد جاء وإذا النفوس زوجت وحكمته هنا ظاهرة لأن المراد استعياب جميع الخلق في المحشر
ونظيره من كل الثمرات 3 لإمكان الثمار وليس رأس آية
منه آيات محكمات 4 لإمكان آي ولا يقال إنه لطلب المشاكلة فقد قال تعالى بعده وأخر متشابهات 4 فدل على عدم المشاكلة لإمكان آخريات
وكذلك قوله تجري من تحتها الأنهار 5 وليس رأس آية ولا فيه مشاكلة لإمكان الأنهر
وقد جاء أنفس للقلة كقوله وأنفسنا وأنفسكم 6 وقيل المراد نفسان من باب فقد صغت قلوبكما 7
الثاني إنما يتم في المنكر أما المعرف فيستغنى بالعموم عن ذلك وبهذا يخدش في كثير مما سبق جعله من هذا النوع وقد قال الزمخشري في قوله تعالى من الثمرات 8 إنه جمع قلة وضع موضع جمع الكثرة 9 ورد عليه بأن أل في الثمرات للعموم فيصير كالثمار ولا حاجة إلى إرتكاب وضع جمع قلة موضع جمع كثرة وكذلك بيت حسان السابق فإن الجفنات معرفة أل وأسيافنا مضاف ليعم
$ تذكير المؤنث
يكثر في تأويله بمذكر كقوله تعالى فمن جاءه موعظة من ربه 1 على تأويلها بالوعظ
وقوله وأحيينا به بلدة ميتا 2 على تأويل البلدة بالمكان وإلا لقال ميتة
وقوله فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي 3 أي الشخص أو الطالع
وقوله قد جاءتكم بينة من ربكم 4 أي بيان ودليل وبرهان
وقوله وأرسلنا السماء عليهم مدرارا 5
وإنما يترك التأنيث كما يترك في صفات المذكر لا كما في قولهم أمرأة معطار لأن السماء بمعنى المطر مذكر قال % % إذا نزل السماء بأرض قوم % % رعيناه وإن كانوا غضابا 6 % $
ويجمع على أسميه وسمى قال العجاج % % تلفه الأرواح والسمى % $ 7
وقوله وإذا حضر القسمة 8 إلى قوله فارزقوهم منه 8 ذكر الضمير لأنه ذهب بالقسمة إلى المقسوم
وقوله وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه 1 ذهب بالانعام إلى معنى النعم أو حمله على معنى الجمع
وقوله إن رحمة الله قريب من المحسنين 2 ولم يقل قريبة قال الجوهري ذكرت 3 على معنى الإحسان وذكر الفراء أن العرب تفرق بين النسب والقرب من المكان فيقولون هذه قريبتي من النسب وقريبي من المكان فعلوا ذلك فرقا بين قرب النسب والمكان
قال الزجاج وهذا غلط لأن كل ما قرب من مكان ونسب فهو جار على ما يقتضيه من التذكير والتأنيث يريد أنك إذا أردت القرب من المكان قلت زيد قريب من عمرو وهند قريبة من العباس فكذا في النسب
وقال أبو عبيدة 4 ذكر قريب لتذكير المكان أي مكانا قريبا ورده ابن الشجري بأنه لو صح لنصب قريب على الظرف
وقال الأخفش المراد بالرحمة هنا المطر لأنه قد تقدم ما يقتضيه فحمل المذكر عليه
وقال الزجاج لأن الرحمة والغفران بمعنى واحد وقيل لأنها والرحم سواء
ومنه وأقرب رحما 5 فحملوا الخبر على المعنى ويؤيده قوله تعالى هذا رحمة من ربي 6
وقيل الرحمة مصدر والمصادر كما لا تجمع لا تؤنث
وقيل قريب على وزن فعيل وفعيل يستوي فيها المذكر والمؤنث حقيقيا كان أو غير حقيقي ونظيره قوله تعالى وهي رميم 7
وقيل من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه مع الالتفات إلى المحذوف فكأنه قال وإن مكان رحمة الله قريب ثم حذف المكان وأعطى الرحمة إعرابه وتذكيره
وقيل من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه أي إن رحمة الله شيء قريب أو لطيف أو بر أو إحسان
وقيل من باب إكساب المضاف حكم المضاف إليه إذا كان صالحا للحذف والاستغناء عنه بالثاني والمشهور في هذا تأنيث المذكر لإضافته إلى مؤنث كقوله % % مشين كما اهتزت رماح تسفهت % % أعاليها مر الرياح النواسم % % 1
فقال تسفهت والفاعل مذكر لأنه اكتسب تأنيثا من الرياح إذ الاستغناء عنه جائز وإذا كانت الإضافة على هذا تعطى المضاف تأنيثا لم يكن له فلأن تعطيه تذكيرا لم يكن له كما في الآية الكريمة أحق وأولى لأن التذكير أولى والرجوع إليه أسهل من الخروج عنه
وقيل من الاستغناء بأحد المذكورين لكون الاخر تبعا له ومعنى من معاينة
ومنه في أحد الوجوه قوله تعالى فظلت أعناقهم لها خاضعين 2 فاستغنى عن خبر الأعناق بخبر أصحابها والأصل هنا إن رحمة الله قريب وهو قريب من المحسنين فاستغنى بخبر المحذوف عن خبر الموجود وسوغ ظهور ذلك المعنى
ونظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى وما يدريك لعل الساعة قريب 3 قال البغوى لم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي ومجازها الوقت
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر