النوع السادس والستون — في أمثال القرآن
5399 أفرده بالتصنيف الإمام أبو الحسن الماوردي من كبار أصحابنا قال تعالى ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون وقال تعالى وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون
5400 وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ان القرآن نزل على خمسة أوجه حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فاعملوا بالحلال واجتنبوا الحرام واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه واعتبروا بالأمثال )
5401 قال الماوردي من أعظم علم القرآن علم أمثاله والناس في غفلة عنه لاشتغالهم بالأمثال وإغفالهم الممثلات والمثل بلا ممثل كالفرس بلا لجام والناقة بلا زمام
5402 وقال غيره قد عده الشافعي مما يجب على المجتهد معرفته من علوم القرآن فقال ثم معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوال على طاعته المبينة لاجتناب معصيته
5403 وقال الشيخ عز الدين إنما ضرب الله الأمثال في القرآن تذكيرا ووعظا فما اشتمل منها على تفاوت في ثواب أو على إحباط عمل أو على مدح أو ذم أو نحوه فإنه يدل على الأحكام
5404 وقال غيره ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور كثيرة التذكير والوعظ والحث والزجر والاعتبار والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره بصورة المحسوس فإن الأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص لأنها أثبت في الأذهان لأستعانة الذهن فيها بالحواس ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالشاهد
وتأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر وعلى المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره وعلى تحقيق أمر أو إبطاله قال تعالى وضربنا لكم الأمثال فامتن علينا بذلك لما تضمنته من الفوائد
5405 وقال الزركشي في البرهان ومن حكمته تعليم البيان وهو من خصائص هذه الشريعة
5406 وقال الزمخشري التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني وإدناء المتوهم من الشاهد فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك
5407 وقال الأصبهاني لضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء النظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خفيات الدقائق ورفع الأستار عن الحقائق تريك المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة وقمع لسورة الجامح الأبي فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر في وصف الشيء في نفسه ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه وفي سائر كتبه الأمثال ومن سور الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال وفشت في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام الأنبياء والحكماء
فصل
5408 أمثال القرآن قسمان ظاهر مصرح به وكامن لا ذكر للمثل فيه فمن أمثلة الأول قوله تعالى مثلهم كمثل الذي استوقد نارا الآيات ضرب فيها للمنافقين مثلين مثلا بالنار ومثلا بالمطر
5409 أخرج ابن أبي حاتم وغيره من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال هذا مثل ضربه الله للمنافقين كانوا يعتزون بالإسلام فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء فلما ماتوا سلبهم الله العز كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم في ظلمات بقول في عذاب
أو كصيب هو المطر ضرب مثله في القرآن فيه ظلمات يقول ابتلاء ورعد وبرق تخويف يكاد البرق يخطف أبصارهم يقول يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين كلما أضاء لهم مشوا فيه يقول كلما أصاب المنافقون في الإسلام عزا اطمأنوا فإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر كقوله ومن الناس من يعبد الله على حرف الآية
5410 ومنها قوله تعالى أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ألاية أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها فأما الزبد فيذهب جفاء وهو الشك وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وهو اليقين كما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار كذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك
5411 وأخرج عن عطاء قال هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر
5412 وأخرج عن قتادة قال هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد يقول كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته كذلك يضمحل الباطل عن أهله وكما مكث هذا الماء في الأرض فأمرعت وربت بركته وأخرجت نباتها وكذلك الذهب والفضة حين أدخل النار فأذهب خبثه كذلك يبقى الحق لأهله
وكما اضمحل خبث هذا الذهب حين أدخل في النار كذلك يضمحل الباطل عن أهله
5413 ومنها قوله تعالى والبلد الطيب الآية أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس قال هذا مثل ضربه الله للمؤمن يقول هو طيب وعمله طيب كما أن البلد الطيب ثمرها طيب والذي خبث ضرب مثلا للكافر كالبلد السبخة المالحة والكافر هو الخبيث وعمله خبيث
5414 ومنها قوله تعالى أيود أحدكم أن تكون له جنة ألاية أخرج البخاري عن ابن عباس قال قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيمن ترون هذه الآية نزلت أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب قالوا الله أعلم ( فغضب عمر وقال قولوا نعلم أو لا نعلم ) فقال ابن عباس في نفسي منها شيء فقال يا بن أخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس ضربت مثلا لعمل قال عمر أي عمل قال ابن عباس لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله
5415 وأما الكامنة فقال الماوردي سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول سمعت أبي يقول سألت الحسين بن الفضل فقلت إنك تخرج أمثال العرب والعجم من القرآن فهل تجد في كتاب الله ( خير الأمور أوساطها ) قال نعم في أربعة مواضع قوله تعالى لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك وقوله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما وقوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وقوله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا
قلت فهل تجد في في كتاب الله ( من جهل شيئا عاداه ) قال نعم في موضعين بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم
قلت فهل تجد في كتاب الله ( احذر شر من أحسنت إليه ) قال نعم وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله
قلت فهل تجد في كتاب الله ( ليس الخبر كالعيان ) قال في قوله تعالى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي
قلت فهل تجد ( في الحركات البركات ) قال في قوله تعالى ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة
قلت فهل تجد ( كما تدين تدان ) قال في قوله تعالى من يعمل سوءا يجز به
قلت فهل تجد فيه قولهم ( حين تقلي ندري ) قال وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا
قلت فهل تجد فيه ( لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل
قلت فهل تجد فيه ( من أعان ظالما سلط عليه ) قال كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير
قلت فهل تجد فيه قولهم ( لا تلد الحية إلا حية ) قال قوله تعالى ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا
قلت فهل تجد فيه ( للحيطان آذان ) قال وفيكم سماعون لهم
قلت فهل تجد فيه ( الجاهل مرزوق والعالم محروم ) قال من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا
قلت فهل تجد فيه ( الحلال لا يأتيك إلا قوتا والحرام لا يأتيك إلا جزافا ) قال إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم
فائدة
5416 عقد جعفر بن شمس الخلافة في كتاب الآداب بابا في ألفاظ من القرآن جارية مجرى المثل وهذا هو النوع البديعي المسمى بإرسال المثل وأورد من ذلك قوله تعالى
ليس لها من دون الله كاشفة
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون
الآن حصحص الحق
وضرب لنا مثلا ونسي خلقه
ذلك بما قدمت يداك
قضي الأمر الذي فيه تستفتيان
أليس الصبح بقريب
وحيل بينهم وبين ما يشتهون
لكل نبإ مستقر
ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله
قل كل يعمل على شاكلته
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم
كل نفس بما كسبت رهينة
ما على الرسول إلا البلاغ
ما على المحسنين من سبيل
هل جزاء الإحسان إلا الإحسان
كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة
آلآن وقد عصيت قبل
تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى
ولا ينبئك مثل خبير
كل حزب بما لديهم فرحون
ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم
وقليل من عبادي الشكور
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
قل لا يستوي الخبيث والطيب
ظهر الفساد في البر والبحر
ضعف الطالب والمطلوب
لمثل هذا فليعمل العاملون
وقليل ما هم
فاعتبروا يا أولي الأبصار
في ألفاظ أخر
جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن · المصادر