النوع الثالث عشر وضع الظاهر موضع المضمر
4787 ورأيت فيه تأليفا مفردا لابن الصائغ وله فوائد
منها زيادة التقرير والتمكين نحو قل هو الله أحد الله الصمد وبالحق أنزلناه وبالحق نزل إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله
4788 ومنها قصد التعظيم نحو واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ولباس التقوى ذلك خير
4789 ومنها قصد الإهانة والتحقير نحو أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان
4790 ومنها إزالة اللبس حيث يوهم الضمير أنه غير الأول نحو قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك لو قال ( تؤتيه ) لأوهم أنه الأول قاله ابن الخشاب
الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء لأنه لو قال ( عليهم دائرته ) لأوهم أن الضمير عائد إلى الله تعالى
فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه لم يقل ( منه ) لئلا يتوهم عود الضمير إلى الأخ فيصير كأنه مباشر بطلب خروجها وليس كذلك لما في المباشرة من الأذى الذي تأباه النفوس الأبية فأعيد لفظ الظاهر لنفي هذا ولم يقل ( من وعائه ) لئلا يتوهم عود الضمير إلى يوسف لأن العائد عليه ضمير ( استخرجها )
4791 ومنها قصد تربية المهابة وإدخال الروع على ضمير السامع وبذكر الإسم المقتضى لذلك كما تقول الخليفة أمير المؤمنين يأمرك بكذا ومنه إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها إن الله يأمر بالعدل
4792 ومنها قصد تقوية داعية المأمور ومنه فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين
4793 ومنها تعظيم الأمر نحو أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان
4794 ومنها الإستلذاذ بذكره ومنه وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة لم يقل ( منها ) ولهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة
4795 ومنها قصد التوصل من الظاهر إلى الوصف ومنه فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله بعد قوله إني رسول الله لم يقل ( فآمنوا بالله وبي ) ليتمكن من إجراء الصفات التي ذكرها وليعلم أن الذي وجب الإيمان به والإتباع له هو من وصف بهذه الصفات ولو أتى بالضمير لم يمكن ذلك لأنه لا يوصف
4796 ومنها التنبيه على علية الحكم نحو فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا فإن الله عدو للكافرين لم يقل ( لهم ) إعلاما بأن من عادى هؤلاء فهو كافر وإن الله إنما عاداه لكفره
فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
4797 ومنها قصد العموم نحو وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة لم يقل
( إنها ) لئلا يفهم تخصيص ذلك بنفسه أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا
4798 ومنها قصد الخصوص نحو وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي لم يقل ( لك ) تصريحا بأنه خاص به
4799 ومنها الإشارة إلى عدم دخول الجملة في حكم الأولى نحو فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل فإن ( ويمح الله ) إستئناف لا داخل في حكم الشرط
4800 ومنها مراعاة الجناس ومنه أعوذ برب الناس السورة ذكره الشيخ عز الدين ومثله ابن الصائغ بقوله خلق الإنسان من علق ثم قال علم الإنسان ما لم يعلم كلا إن الإنسان ليطغى فإن المراد بالإنسان الأول الجنس وبالثاني آدم أو من يعلم الكتابة أو إدريس وبالثالث أبو جهل
4801 ومنها مراعاة الترصيع وتوازن الألفاظ في التركيب ذكره بعضهم في قوله أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى
4802 ومنها أن يتحمل ضميرا لا بد منه ومنه أتيا أهل قرية استطعما أهلها لو قال ( استطعماها ) لم يصح لأنهما لم يستطعما القرية أو ( استطعماهم ) فكذلك لأن جملة ( استطعما ) صفة لقرية النكرة لا ل ( أهل ) فلا بد أن يكون فيها ضمير يعود عليها ولا يمكن إلا مع التصريح بالظاهر
4803 كذا حرره السبكي في جواب سؤال سأله الصلاح الصفدي في ذلك حيث قال
( أسيدنا قاضي القضاة ومن إذا % بدا وجهه استحيا له القمران )
( ومن كفه يوم الندى ويراعه % على طرسه بحران يلتقيان )
( ومن إن دجت في المشكلات مسائل % جلاها بفكر دائم اللمعان )
( رأيت كتاب الله أكبر معجز % لأفضل من يهدى به الثقلان )
( ومن جملة الإعجاز كون اختصاره % بإيجاز ألفاظ وبسط معان )
( ولكنني في الكهف أبصرت آية % بها الفكر في طول الزمان عناني )
( وما هي إلا ( استطعما أهلها ) فقد % نرى استطعماهم مثله ببيان )
( فما الحكمة الغراء في وضع ظاهر % مكان ضمير إن ذاك لشان )
( فارشد على عادات فضلك حيرتي % فمالي بها عند البيان يدان )
تنبيه
4804 إعادة الظاهر بمعناه أحسن من إعادته بلفظه كما مر في آيات إنا لا نضيع أجر المصلحين إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ونحوها
4805 ومنه ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء فإن إنزال الخير مناسب للربوبية وأعاده بلفظ ( الله ) لأن تخصيص الناس بالخير دون غيرهم مناسب للإلهية
لأن دائرة الربوبية أوسع
4806 ومنه الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض إلى قوله بربهم يعدلون
وإعادته في جملة أخرى أحسن منه في الجملة الواحدة لانفصالها وبعد الطول أحسن من الإضمار لئلا يبقى الذهن متشاغلا بسبب ما يعود عليه فيفوته ما شرع فيه كقوله وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه بعد قوله وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر
جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن · المصادر