علوم القرآن · الإتقان · الفصل ٥٢ من ٩٦

النوع السادس والخمسون — في الإيجاز والإطناب

4484 اعلم أنهما من أعظم أنواع البلاغة حتى نقل صاحب سر الفصاحة عن بعضهم أنه قال البلاغة هي الإيجاز والإطناب

4485 قال صاحب الكشاف كما أنه يجب على البليغ في مظان الإجمال أن يجمل ويوجز فكذلك الواجب عليه في موارد التفصيل أن يفصل ويشبع أنشد الجاحظ

( يرمون بالخطب الطوال وتارة % وحى الملاحظ خيفة الرقباء )

4486 واختلف هل بين الإيجاز والإطناب واسطة وهي المساواة أو لا وهي داخلة في قسم الإيجاز فالسكاكي وجماعة على الأول لكنهم جعلوا المساواة غير محمودة ولا مذمومة لأنهم فسروها بالمتعارف من كلام أوساط الناس الذين ليسوا في رتبة البلاغة وفسروا الإيجاز بأداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف والإطناب أداؤه بأكثر منها لكون المقام خليقا بالبسط

وابن الأثير وجماعة على الثاني فقالوا الإيجاز التعبير عن المراد بلفظ غير زائد والإطناب بلفظ أزيد

4487 وقال القزويني الأقرب أن يقال إن المقبول من طرق التعبير عن المراد تأدية أصله إما بلفظ مساو للأصل المراد أو ناقص عنه واف أو زائد عليه لفائدة والأول المساواة والثاني الإيجاز والثالث الإطناب

4488 واحترز ب ( واف ) عن الإخلال وبقولنا لفائدة عن الحشو والتطويل فعنده ثبوت المساواة واسطة وأنها من قسم المقبول

4489 فإن قلت عدم ذكرك المساواة في الترجمة لماذا هل هو لرجحان نفيها أو عدم قبولها أو لأمر غير ذلك

قلت لهما ولأمر ثالث وهو أن المساواة لا تكاد توجد خصوصا في القرآن وقد مثل لها في التلخيص بقوله تعالى ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله وفي الإيضاح بقوله وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا

وتعقب بأن في الآية الثانية حذف موصوف ( الذين ) وفي الأولى إطناب بلفظ ( السيء ) لأن المكر لا يكون إلا سيئا وإيجاز بالحذف إن كان الاستثناء غير مفرغ أي بأحد وبالقصر في الإستثناء وبكونها حاثة على كف الأذى عن جميع الناس محذرة عن جميع ما يؤدي إليه وبأن تقديرها يضر بصاحبه مضرة بليغة فأخرج الكلام مخرج الاستعارة التبعية الواقعة على سبيل التمثيلية لأن ( يحيق ) بمعنى ( يحيط ) فلا يستعمل إلا في الأجسام

تنبيه

4490 الإيجاز والاختصار بمعنى واحد كما يؤخذ من المفتاح وصرح به الطيبي

4491 وقال بعضهم الاختصار خاص بحذف الجمل فقط بخلاف الإيجاز قال الشيخ بهاء الدين وليس بشيء

والإطناب قيل بمعنى الإسهاب والحق أنه أخص منه فإن الإسهاب التطويل لفائدة أو لا لفائدة كما ذكره التنوخي وغيره

فصل

في نوعي الإيجاز

4492 الإيجاز قسمان إيجاز قصر وإيجاز حذف

إيجاز القصر

4493 فالأول هو الوجيز بلفظه قال الشيخ بهاء الدين الكلام القليل إن كان بعضا من كلام أطول منه فهو إيجاز حذف وإن كان كلاما يعطي معنى أطول منه فهو إيجاز قصر

4494 وقال بعضهم إيجاز القصر هو تكثير المعنى بتقليل اللفظ

4495 وقال آخر هو أن يكون اللفظ بالنسبة إلى المعنى أقل من القدر المعهود عادة

وسبب حسنه أنه يدل على التمكن في الفصاحة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم ( أوتيت جوامع الكلم )

4496 وقال الطيبي في التبيان الإيجاز الخالي من الحذف ثلاثة أقسام

أحدها إيجاز القصر وهو أن يقصر اللفظ على معناه كقوله إنه من سليمان إلى قوله وأتوني مسلمين جمع في أحرف العنوان والكتاب والحاجة

وقيل في وصف بليغ كانت ألفاظه قوالب معناه

قلت وهذا رأي من يدخل المساواة في الإيجاز

الثاني إيجاز التقدير وهو أن يقدر معنى زائد على المنطوق ويسمى بالتضييق أيضا وبه سماه بدر الدين بن مالك في المصباح لأنه نقص من الكلام ما صار لفظه أضيق من قدر معناه نحو فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف أي خطاياه غفرت فهي له لا عليه هدى للمتقين أي للضالين الصائرين بعد الضلال إلى التقوى

الثالث الإيجاز الجامع وهو أن يحتوي اللفظ على معان متعددة نحو إن الله يأمر بالعدل والإحسان الآية فإن العدل هو الصراط المستقيم المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط المومى به إلى جميع الواجبات في الإعتقاد والأخلاق والعبودبة

والإحسان هو الإخلاص في واجبات العبودية لتفسيره في الحديث بقوله ( أن تعبد الله كأنك تراه ) أي تعبده مخلصا في نيتك وواقفا في الخضوع آخذا أهبة الحذر . . إلى ما لا يحصى

وإيتاء ذي القربى هو الزيادة على الواجب من النوافل هذا في الأوامر

وأما النواهي فبالفحشاء الإشارة إلى القوة الشهوانية وبالمنكر إلى الإفراط الحاصل من آثار الغضبية أو كل محرم شرعا وبالبغي إلى الاستعلاء الفائض عن الوهمية

4497 قلت ولهذا قال ابن مسعود ما في القرآن آية أجمع للخير والشر من هذه الآية أخرجه في المستدرك

وروى البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن أنه قرأها يوما ثم وقف فقال إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئا إلا جمعه ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئا إلا جمعه

4498 وروى أيضا عن ابن أبي شهاب في معنى حديث الشيخين ( بعثت بجوامع الكلم ) قال بلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين ونحو ذلك

4499 ومن ذلك قوله تعالى خذ العفو الآية فإنها جامعة لمكارم الأخلاق لأن في أخذ العفو التساهل والتسامح في الحقوق واللين والرفق في الدعاء إلى الدين وفي الأمر بالمعروف كف الأذى وغض البصر وما شاكلهما من المحرمات وفي الإعراض الصبر والحلم والتؤدة

4500 ومن بديع الإيجاز قوله تعالى قل هو الله أحد إلى آخرها فإنه نهاية التنزيه وقد تضمنت الرد على نحو أربعين فرقة كما أفرد ذلك بالتصنيف بهاء الدين بن شداد

4501 وقوله أخرج منها ماءها ومرعاها دل بهاتين الكلمتين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر والحب والثمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح لأن النار من العيدان والملح من الماء

4502 وقوله لا يصدعون عنها ولا ينزفون جمع فيه جميع عيوب الخمر من الصداع وعدم العقل وذهاب المال ونفاد الشراب

4503 وقوله وقيل يا أرض ابلعي ماءك الآية أمر فيها ونهى وأخبر ونادى ونعت وسمى وأهلك وأبقى وأسعد وأشقى وقص من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان لجفت الأقلام

وقد أفردت بلاغة هذه الآية بالتأليف

4504 وفي العجائب للكرماني أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها وحسن نظمها وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال

4505 وقوله تعالى يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم الآية جمع في هذه اللفظة أحد عشر جنسا من الكلام نادت وكنت ونبهت وسمت وأمرت وقصت وحذرت وخصت وعمت وأشارت وعذرت فالنداء ( يا ) والكناية ( أي ) والتنبيه ( ها ) والتسمية ( النمل ) والأمر ( ادخلوا ) والقصص ( مساكنكم ) والتحذير ( لا يحطمنكم ) والتخصيص ( سليمان ) والتعميم ( جنوده ) والإشارة ( وهم ) والعذر ( لا يشعرون ) فأدت خمس حقوق حق الله وحق رسوله وحقها وحق رعيتها وحق جنود سليمان

4506 وقوله يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد الآية جمع فيها أصول الكلام النداء والعموم والخصوص والأمر والإباحة والنهي والخبر

4507 وقال بعضهم جمع الله الحكمة في شطر آية وكلوا واشربوا ولا تسرفوا

4508 وقوله تعالى وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه الآية قال ابن العربي هي من أعظم أي في القرآن فصاحة إذ فيها أمران ونهيان وخبران وبشارتان

4509 وقوله فاصدع بما تؤمر قال ابن أبي الأصبع المعنى صرح بجميع ما أوحي إليك وبلغ كل ما أمرت ببيانه وإن شق بعض ذلك على بعض القلوب فانصدعت والمشابهة بينهما فيما يؤثره التصريح في القلوب فيظهر أثر ذلك على ظاهر الوجوه من التقبض والانبساط ويلوح عليها من علامات الإنكار والاستبشار كما يظهر على ظاهر الزجاجة المصدوعة فانظر إلى جليل هذه الاستعارة وعظم إيجازها وما انطوت عليه من المعاني الكثيرة

4510 وقد حكي أن بعض الأعراب لما سمع هذه الآية سجد وقال سجدت لفصاحة هذا الكلام

4511 وقوله تعالى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين قال بعضهم جمع بهاتين اللفظين ما لو اجتمع الخلق كلهم على وصف ما فيها على التفصيل لم يخرجوا عنه

4512 وقوله تعالى ولكم في القصاص حياة فإن معناه كثير ولفظه قليل لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا إلى ألا يقدم على القتل فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض وكان ارتفاع القتل حياة لهم

وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى وهو قولهم ( القتل أنفى للقتل ) بعشرين وجها أو أكثر

4513 وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك

4514 الأول أن ما يناظره من كلامهم وهو قوله ( القصاص حياة ) أقل حروفا فإن حروفه عشرة وحروف ( القتل أنفى للقتل ) أربعة عشر

4515 الثاني أن نفي القتل لا يستلزم الحياة والآية ناصة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه

4516 الثالث أن تنكير ( حياة ) يفيد تعظيما فيدل على أن في القصاص حياة متطاولة كقوله تعالى ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ولا كذلك المثل فإن اللام فيه للجنس ولذا فسروا الحياة فيها بالبقاء

4517 الرابع أن الآية فيه مطردة بخلاف المثل فإنه ليس كل قتل أنفى للقتل بل قد يكون أدعى له وهو القتل ظلما وإنما ينفيه قتل خاص وهو القصاص ففيه حياة أبدا

4518 الخامس أن الآية خالية من تكرار لفظ ( القتل ) الواقع في المثل والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه وإن لم يكن مخلا بالفصاحة

4519 السادس أن الآية مستغنية عن تقدير محذوف بخلاف قولهم فإن فيه حذف ( من ) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها وحذف ( قصاصا ) مع القتل الأول ( وظلما ) مع القتل الثاني والتقدير القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما من تركه

4520 السابع أن في الآية طباقا لأن القصاص مشعر بضد الحياة بخلاف المثل

4521 الثامن أن الآية اشتملت على فن بديع وهو جعل أحد الضدين الذي هو الفناء والموت محلا ومكانا لضده الذي هو الحياة واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة ذكره في الكشاف وعبر عنه صاحب الإيضاح بأنه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال ( في ) عليه

4522 التاسع أن في المثل توالي أسباب كثيرة حفيفة وهو السكون بعد الحركة وذلك مستكرة فإن اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكن اللسان من النطق به وظهرت فصاحته بخلاف ما إذا تعقب كل حركة سكون فالحركات تنقطع بالسكنات

نظيره إذا تحركت الدابة أدنى حركة فحبست ثم تحركت فحبست لا يتبين إطلاقها ولا تتمكن من حركتها على ما تختاره فهي كالمقيدة

4523 العاشر أن المثل كالمتناقض من حيث الظاهر لأن الشيء لا ينفي نفسه

4524 الحادي عشر سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف الموجب للضغط والشدة وبعدها عن غنة النون

4525 الثاني عشر اشتمالها على حروف متلائمة لما فيها من الخروج من القاف إلى الصاد إذ القاف من حروف الاستعلاء والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق بخلاف الخروج من القاف إلى التاء التي هي حرف منخفض فهو غير ملائم للقاف وكذا الخروج من الصاد إلى الحاء أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة لبعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق

4526 الثالث عشر في النطق بالصاد والحاء والتاء حسن الصوت ولا كذلك تكرير القاف والتاء

4527 الرابع عشر سلامتها من لفظ القتل المشعر بالوحشة بخلاف لفظ ( الحياة ) فإن الطباع أقبل له من لفظ القتل

4528 الخامس عشر أن لفظ القصاص مشعر بالمساواة فهو منبئ عن العدل بخلاف مطلق القتل

4529 السادس عشر الآية مبنية على الإثبات والمثل على النفي والإثبات أشرف لأنه أول والنفي ثان عنه

4530 السابع عشر أن المثل لا يكاد يفهم إلا بعد فهم أن القصاص هو الحياة وقوله ( في القصاص حياة ) مفهوم من أول وهلة

4531 الثامن عشر أن في المثل بناء ( أفعل ) التفضيل من فعل متعد والآية سالمة منه

4532 التاسع عشر أن ( أفعل ) في الغالب يقتضي الاشتراك فيكون ترك القصاص نافيا للقتل ولكن القصاص أكثر نفيا وليس الأمر كذلك والآية سالمة من ذلك

4533 العشرون أن الآية رادعة عن القتل والجرح معا لشمول القصاص لهما والحياة أيضا في قصاص الأعضاء لأن قطع العضو ينقص مصلحة الحياة وقد يسرى إلى النفس فيزيلها ولا كذلك المثل

في أول الآية ( ولكم ) وفيها لطيفة وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم لنخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم

تنبيهات

الأول

4534 ذكر قدامة من أنواع البديع الإشارة وفسرها بالإتيان بكلام قليل ذي معان جمة وهذا هو إيجاز القصر بعينه لكن فرق بينهما ابن أبي الأصبع بأن الإيجاز دلالته مطابقة ودلالة الإشارة إما تضمن أو التزام فعلم منه أن المراد بها ما تقدم في مبحث المنطوق

الثاني

4535 ذكر القاضي أبو بكر في إعجاز القرآن أن من الإيجاز نوعا يسمى التضمين وهو حصول معنى في لفظ من غير ذكر له باسم هي عبارة عنه قال وهو نوعان أحدهما ما يفهم من البنية كقوله معلوم فإنه يوجب أنه لا بد من عالم والثاني من معنى العبارة كبسم الله الرحمن الرحيم فإنه تضمن تعليم الاستفتاح في الأمور باسمه على جهة التعظيم لله تعالى والتبرك باسمه

الثالث

4536 ذكر ابن الأثير وصاحب عروس الأفراح وغيرهما أن من أنواع إيجاز القصر باب الحصر سواء كان بإلا أو بإنما أو غيرهما من أدواته لأن الجملة فيها نابت مناب جملتين وباب العطف لأن حرفه وضع للإغناء عن إعادة العامل

وباب النائب عن الفاعل لأنه دل على الفاعل بإعطائه حكمه وعلى المفعول بوضعه

وباب الضمير لأنه وضع للاستغناء به عن الظاهر اختصارا ولذا لا يعدل إلى المنفصل مع إمكان المتصل

وباب علمت أنك قائم لأنه متحمل لاسم واحد سد مسد المفعولين من غير حذف

4537 ومنها باب التنازع إذا لم نقدر على رأي الفراء

4538 ومنها طرح المفعول اقتصارا على جعل المتعدي كاللازم وسيأتي تحريره

4539 ومنها جميع أدوات الاستفهام والشرط فإن ( كم مالك ) يغني عن قولك ( أهو عشرون أم ثلاثون ) وهكذا إلى ما لا يتناهى

4540 ومنها الألفاظ اللازمة للعموم كأحد

4541 ومنها لفظ التثنية والجمع فإنه يغني عن تكرير المفرد وأقيم الحرف فيهما مقامه اختصارا

4542 ومما يصلح أن يعد من أنواعه المسمى بالاتساع من أنواع البديع وهو أن يؤتى بكلام يتسع فيه التأويل بحسب ما تحتمله ألفاظه من المعاني كفواتح السور ذكره ابن أبي الإصبع

إيجاز الحذف

4543 القسم الثاني من قسمي الإيجاز الحذف وفيه فوائد

ذكر أسبابه

منها مجرد الاختصار والاحتراز عن العبث لظهوره

4544 ومنها التنبيه على أن الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم وهذه هي فائدة باب التحذير والإغراء وقد اجتمعا في قوله تعالى ناقة الله وسقياها فناقة الله تحذير بتقدير ( ذروا ) و ( سقياها ) إغراء بتقدير ( الزموا )

4545 ومنها التفخيم والإعظام لما فيه من الإبهام

4546 قال حازم في منهاج البلغاء إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه أو يقصد به تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة فيحذف ويكتفي بدلالة الحال وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفي بالحال عن ذكرها قال ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهويل على النفوس ومنه قوله في وصف أهل الجنة حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها فحذف الجواب إذ كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهى فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه وتركت النفوس تقدر ما شاءته ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك

4547 وكذا قوله ولو ترى إذ وقفوا على النار أي لرأيت أمرا فظيعا لا تكاد تحيط به العبارة

4548 ومنها التخفيف لكثرة دورانه في الكلام كما في حذف حرف النداء نحو يوسف أعرض ونون ( لم يك ) والجمع السالم ومنه قراءة والمقيمي الصلاة وياء والليل إذا يسر

وسأل المؤرج السدوسي الأخفش عن هذه الآية فقال عادة العرب أنها إذا عدلت بالشيء عن معناه نقصت حروفه والليل لما كان لا يسرى وإنما يسرى فيه نقص منه حرف كما قال تعالى وما كانت أمك بغيا الأصل ( بغية ) فلما حول عن فاعل نقص منه حرف

4549 ومنها كونه لا يصلح إلا له نحو عالم الغيب والشهادة فعال لما يريد

4550 ومنها شهرته حتى يكون ذكره وعدمه سواء قال الزمخشري وهو نوع من دلالة الحال التي لسانها أنطق من لسان المقال وحمل عليه قراءة حمزة تساءلون به والأرحام لأن هذا مكان شهر بتكرر الجار فقامت الشهرة مقام الذكر

4551 ومنها صيانته عن ذكره تشريفا كقوله تعالى قال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات الآيات حذف فيها المبتدأ في ثلاثة مواضع قبل ذكر الرب أي ( هو رب ) ( الله ربكم ) ( الله رب المشرق ) لأن موسى استعظم حال فرعون وإقدامه على السؤال فأضمر اسم الله تعظيما وتفخيما ومثله في عروس الأفراح بقوله تعالى رب أرني أنظر إليك أي ذاتك

4552 ومنها صيانة اللسان عنه تحقيرا له نحو صم بكم أي هم أو المنافقون

4553 ومنها قصد العموم نحو وإياك نستعين أي على العبادة وعلى أمورنا كلها

والله يدعو إلى دار السلام أي كل واحد

4554 ومنها رعاية الفاصلة نحو ما ودعك ربك وما قلى أي ( وما قلاك )

4555 ومنها قصد البيان بعد الإبهام كما في فعل المشيئة نحو ولو شاء لهداكم أي ولو شاء هدايتكم فإنه إذا سمع السامع ( ولو شاء ) تعلقت نفسه بم شاء ابنهم عليه لا يدري ما هو فلما ذكر الجواب استبان بعد ذلك وأكثر ما يقع ذلك بعد أداة شرط لأن مفعول المشيئة مذكور في جوابها

4556 وقد يكون مع غيرها استدلالا بغير الجواب نحو ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وقد ذكر أهل البيان أن مفعول المشيئة والإرادة لا يذكر إلا إذا كان غريبا أو عظيما نحو لمن شاء منكم أن يستقيم لو أردنا أن نتخذ لهوا وإنما اطرد أو كثر حذف مفعول المشيئة دون سائر الأفعال لأنه يلزم من وجود المشيئة وجود المشاء فالمشيئة المستلزمة لمضمون الجواب لا يمكن أن تكون إلا مشيئة الجواب ولذلك كانت الإرادة مثلها في اطراد حذف مفعولها ذكره الزملكاني والتنوخي في ( الأقصى القريب ) قالوا وإذا حذف بعد ( لو ) فهو المذكور في جوابها أبدا وأورد في عروس الأفراح قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإن المعنى ( لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة ) لأن المعنى معين على ذلك

فائدة

4557 قال الشيخ عبد القاهر ما من اسم حذف في الحالة التي ينبغي أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره وسمى ابن جني الحذف شجاعة العربية لأنه يشجع على الكلام

قاعدة في حذف المفعول اختصارا واقتصارا

4558 قال ابن هشام جرت عادة النحويين أن يقولوا بحذف المفعول اختصارا واقتصارا ويريدون بالاختصار الحذف لدليل ويريدون بالاقتصار الحذف لغير دليل ويمثلونه بنحو كلوا واشربوا أي أوقعوا هذين الفعلين والتحقيق أن يقال يعني كما قال أهل البيان تارة يتعلق الغرض بالإعلام بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه ومن أوقع عليه فيجاء بمصدره مسندا إلى فعل كون عام فيقال حصل حريق أو نهب وتارة يتعلق بالإعلام بمجرد إيقاع الفعل للفاعل فيقتصر عليهما ولا يذكر المفعول ولا ينوى إذ المنوى كالثابت ولا يسمى محذوفا لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له

ومنه ربي الذي يحيي ويميت قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون وكلوا واشربوا ولا تسرفوا وإذا رأيت ثم إذ المعنى ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة

وهل يستوي من يتصف بالعلم ومن ينتفي عنه العلم وأوقعوا الأكل والشرب وذروا الإسراف وإذا حصلت منك رؤية

4559 ومنه ولما ورد ماء مدين الآية ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام رحمهما إذ كانتا على صفة الذياد وقومهما على السقي لا لكون مذودهما غنما وسقيهم إبلا وكذلك المقصود من ( لا نسقى ) السقي لا المسقي

ومن لم يتأمل قدر ( يسقون إبلهم ) و ( تذودان غنمهما ) و ( لا نسقي غنما )

وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله وتعليقه بمفعوله فيذكران نحو لا تأكلوا الربا ولا تقربوا الزنى وهذا النوع الذي إذا لم يذكر محذوفه قيل محذوف

4560 وقد يكون في اللفظ ما يستدعيه فيحصل الجزم بوجوب تقديره نحو أهذا الذي بعث الله رسولا وكلا وعد الله الحسنى

4561 وقد يشتبه الحال في الحذف وعدمه نحو قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن قد يتوهم أن معناه ( نادوا ) فلا حذف أو ( سموا ) فالحذف واقع

ذكر شروطه

4562 هي ثمانية

أحدها وجود دليل إما حالي نحو قالوا سلاما أي سلمنا سلاما أو مقالي نحو وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا قال سلام قوم منكرون أي سلام عليكم أنتم قوم منكرون

4563 ومن الأدلة العقل حيث يستحيل صحة الكلام عقلا إلا بتقدير محذوف

4564 ثم تارة يدل على أصل الحذف من غير دلالة على تعيينه بل يستفاد التعيين من دليل آخره نحو حرمت عليكم الميتة فإن العقل يدل على أنها ليست المحرمة لأن التحريم لا يضاف إلى الأجرام وإنما هو والحل يضافان إلى الأفعال فعلم بالعقل حذف شيء

وأما تعينه وهو التناول فمستفاد من الشرع وهو قوله صلى الله عليه وسلم

( إنما حرم أكلها ) لأن العقل لا يدرك محل الحل ولا الحرمة ( وأما قول صاحب التلخيص إنه من باب دلالة العقل أيضا فتابع فيه السكاكي من غير تأمل أنه مبنى على أصول المعتزلة )

4565 وتارة يدل العقل أيضا على التعيين نحو وجاء ربك أي أمره بمعنى عذابه لأن الحق دل على استحالة مجيء البارئ لأنه من سمات الحادث وعلى أن الجائي أمره

( أوفوا بالعقود ) وأوفوا بعهد الله أي بمقتضى العقود وبمقتضى عهد الله لأن العقد والعهد قولان قد دخلا في الوجود وانقضيا فلا يتصور فيهما وفاء ولا نقض وإنما الوفاء والنقض بمقتضاهما وما ترتب عليهما من أحكامهما

4566 وتارة يدل على التعيين العادة نحو فذلكن الذي لمتنني فيه دل العقل على الحذف لأن يوسف لا يصح ظرفا للوم ثم يحتمل أن يقدر ( لمتنني في حبه ) لقوله قد شغفها حبا وفي مراودتها لقوله تراود فتاها والعادة دلت على الثاني لأن الحب المفرط لا يلام صاحبه عليه عادة لأنه ليس اختياريا بخلاف المراودة للقدرة على دفعها

4567 وتارة يدل عليه التصريح به في موضع آخر وهو أقواها نحو هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله أي أمره بدليل أو يأتي أمر ربك وجنة عرضها السماوات أي كعرض بدليل التصريح به في ى ية الحديد ( الآية 22 )

رسول من الله أي من عند الله بدليل ولما جاءهم رسول من عند الله

4568 ومن الأدلة على أصل الحذف العادة بأن يكون العقل غير مانع من إجراء اللفظ على ظاهره من غير حذف نحو لو نعلم قتالا لاتبعناكم أي مكان قتال والمراد مكانا صالحا للقتال وإنما كان كذلك لأنهم كانوا أخبر الناس بالقتال ويتعيرون بأن يتفوهوا بأنهم لا يعرفونه فالعادة تمنع أن يريدوا ( لو نعلم حقيقة القتال ) فلذلك قدره مجاهد ( مكان قتال )

ويدل عليه أنهم أشاروا على النبي صلى الله عليه وسلم ألا يخرج من المدينة

4569 ومنها الشروع في الفعل نحو ( بسم الله ) فيقدر ما جعلت التسمية مبدأ له فإن كانت عند الشروع في القراءة قدرت ( أقرأ ) أو الأكل قدرت ( آكل ) وعلى هذا أهل البيان قاطبة خلافا لقول النحاة أنه يقدر ( ابتدأت ) أو ( ابتدائي ) كائن ( بسم الله )

ويدل على صحة الأول التصريح به في قوله وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها وفي حديث ( باسمك ربي وضعت جنبي )

4570 ومنها الصناعة النحوية كقولهم في لا أقسم التقدير ( لأنا أقسم ) لأن فعل الحال لا يقسم عليه وفي تالله تفتأ التقدير ( لا تفتأ ) لأنه لو كان الجواب مثبتا دخلت اللام والنون كقوله وتالله لأكيدن

4571 وقد توجب الصناعة التقدير وإن كان المعنى غير متوقف عليه كقولهم في لا إله إلا الله إن الخبر محذوف أي موجود وقد أنكره الإمام فخر الدين وقال هذا الكلام لا يحتاج إلى تقدير وتقدير النحاة فاسد لأن نفي الحقيقة مطلقة أعم من نفيها مقيدة فإنها إذا انتفت مطلقة كان ذلك دليلا على سلب الماهية مع القيد وإذا انتفت مقيدة بقيد مخصوص لم يلزم نفيها مع قيد آخر

ورد بأن تقديرهم ( موجود ) يستلزم نفي كل إله غير الله قطعا فإن العدم لا كلام فيه فهو في الحقيقة نفي للحقيقة مطلقة لا مقيدة

ثم لا بد من تقدير خبر لاستحالة مبتدأ بلا خبر ظاهر أو مقدر وإنما يقدر النحوي ليعطي القواعد حقها وإن كان المعنى مفهوما

تنبيه

4572 قال ابن هشام إنما يشترط الدليل فيما إذا كان المحذوف الجملة بأسرها أو أحد ركنيها أو يفيد معنى فيها هي مبنية عليه نحو تالله تفتأ

أما الفضلة فلا يشترط لحذفها وجدان دليل بل يشترط ألا يكون في حذفها ضرر معنوي أو صناعي

قال ويشترط في الدليل اللفظي أن يكون طبق المحذوف ورد قول الفراء في أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين إن التقدير ( بلى ليحسبنا قادرين ) لأن الحسبان المذكور بمعنى الظن والمقدر بمعنى العلم لأن التردد في الإعادة كفر فلا يكون مأمورا به

قال والصواب فيها قول سيبوية إن ( قادرين ) حال أي بل نجمعها قادرين لأن فعل الجمع أقرب من فعل الحسبان ولأن ( بلى ) لإيجاب المنفى وهو فيها فعل الجمع

4573 الشرط الثاني ألا يكون المحذوف كالجزء ومن ثم لم يحذف الفاعل ولا نائبه ولا اسم كان وأخواتها

4574 قال ابن هشام وأما قول ابن عطية في بئس مثل القوم إن التقدير ( بئس المثل مثل القوم ) فإن أراد تفسير الإعراب وأن الفاعل لفظ ( المثل ) محذوفا فمردود وإن أراد تفسير المعنى وأن في ( بئس ) ضمير المثل مستترا فسهل

4575 الثالث ألا يكون مؤكدا لأن الحذف مناف للتأكيد إذ الحذف مبني على الإختصار والتأكيد مبنى على الطول ومن ثم رد الفارسي على الزجاج في قوله في إن هذان لساحران إن التقدير ( إن هذان لهما ساحران ) فقال الحذف والتوكيد باللام متنافيان وأما حذف الشيء لدليل وتوكيده فلا تنافي بينهما لأن المحذوف لدليل كالثابت

4576 الرابع ألا يؤدي حذفه إلى اختصار المختصر ومن ثم لم يحذف اسم الفعل لأنه اختصار للفعل

4577 الخامس ألا يكون عاملا ضعيفا فلا يحذف الجار والناصب للفعل والجازم إلا في مواضع قويت فيها الدلالة وكثر فيها استعمال تلك العوامل

4578 السادس ألا يكون المحذوف عوضا عن شيء ومن ثم قال ابن مالك إن حرف النداء ليس عوضا من ( أدعو ) لإجازة العرب حذفه ولذا أيضا لم تحذف التاء من إقامة واستقامة وأما وأقام الصلاة فلا يقاس عليه ولا خبر كان لأنه عوض أو كالعوض من مصدرها

4579 السابع ألا يؤدي حذفه إلى تهيئة العامل القوي ومن ثم لم يقس على قراءة / < وكل وعد الله الحسنى > /

فائدة

4580 اعتبر الأخفش في الحذف التدريج حيث أمكن ولهذا قال في قوله تعالى واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا إن الأصل ( لا تجزى فيه فحذف حرف الجر فصار ( تجزيه ) ثم حذف الضمير فصار ( تجزي ) وهذه ملاطفة في الصناعة ومذهب سيبويه أنهما حذفا معا قال ابن جني وقول الأخفش أوفق في النفس وآنس من أن يحذف الحرفان معا في وقت واحد

1 - قاعدة

4581 الأصل أن يقدر الشيء في مكانه الأصلي لئلا يخالف الأصل من وجهين الحذف ووضع الشيء في غير محله فيقدر المفسر في نحو ( زيدا رأيته ) مقدما عليه

وجوز البيانيون تقديره مؤخرا عنه لإفادة الاختصاص كما قاله النحاة وإذا منع منه مانع نحو وأما ثمود فهديناهم إذ لا يلي ( أما ) فعل

2 - قاعدة

4582 ينبغي تقليل المقدر مهما أمكن لتقل مخالفة الأصل ومن ثم ضعف قول الفارسي في واللائي لم يحضن إن التقدير ( فعدتهن ثلاثة أشهر ) والأولى أن يقدر ( كذلك )

4583 قال الشيخ عز الدين ولا يقدر من المحذوفات إلا أشدها موافقة للغرض وأفصحها لأن العرب لا يقدرون إلا ما لو لفظوا به لكان أحسن وأنسب لذلك الكلام كما يفعلون في ذلك في الملفوظ به نحو جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس قدر أبو علي ( جعل الله نصب الكعبة ) وقدر غيره ( حرمة الكعبة ) وهو أولى لأن تقدير الحرمة في الهدى والقلائد والشهر الحرام لا شك في فصاحته وتقدير النصب فيها بعيد من الفصاحة

قال ومهما تردد المحذوف بين الحسن والأحسن وجب تقدير الأحسن لأن الله وصف كتابه بأنه أحسن الحديث فليكن محذوفه أحسن المحذوفات كما أن ملفوظه أحسن الملفوظات

قال ومتى تردد بين أن يكون مجملا أو مبينا فتقدير المبين أحسن نحو وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث لك أن تقدر ( في أمر الحرث ) و ( في تضمين الحرث ) وهو أولى لتعينه والأمر مجمل لتردده بين أنواع

3 - قاعدة

4584 إذا دار الأمر بين كون المحذوف فعلا والباقي فاعلا وكونه مبتدأ والباقي خبرا فالثاني أولى لأن المبتدأ عين الخبر وحينئذ فالمحذوف عين الثابت فيكون حذفا كلا حذف

فأما الفعل فإنه غير الفاعل اللهم إلا أن يعتضد الأول برواية أخرى في ذلك الموضع أو بموضع آخر يشبهه

فالأول كقراءة يسبح له فيها بفتح الباء كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله بفتح الحاء فإن التقدير ( يسبحه رجال ) و ( يوحيه الله ) ولا يقدران مبتدأين حذف خبرهما لثبوت فاعلية الاسمين في رواية من بنى الفعل للفاعل

والثاني نحو ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فتقدير ( خلقهم الله ) أولى من ( الله خلقهم ) لمجيء خلقهن العزيز العليم

4 - قاعدة

4585 إذا دار الأمر بين كون المحذوف أولا أو ثانيا فكونه ثانيا أولى ومن ثم رجح أن المحذوف في نحو أتحاجوني نون الوقاية لا نون الرفع وفي نارا تلظى التاء الثانية لا تاء المضارعة وفي والله ورسوله أحق أن يرضوه أن المحذوف خبر الثاني لا الأول وفي نحو الحج أشهر أن المحذوف مضاف للثاني أي حج أشهر لا الأول أي أشهر الحج

وقد يجب كونه من الأول نحو إن الله وملائكته يصلون على النبي في قراءة من رفع ( ملائكته ) لاختصاص الخبر بالثاني لوروده بصيغة الجمع وقد يجب كونه من الثاني نحو أن الله بريء من المشركين ورسوله أي بريء أيضا لتقدم الخبر على الثاني

فصل ( في أنواع الحذف )

4486 الحذف على أنواع

أحدها ما يسمى بالاقتطاع وهو حذف بعض حروف الكلمة وأنكر ابن الأثير ورود هذا النوع في القرآن ورد بأن بعضهم جعل منه فواتح السور على القول بأن كل حرف منها من اسم من أسمائه كما تقدم

وادعى بعضهم أن الباء في وامسحوا برؤوسكم أول كلمة بعض ثم حذف الباقي

ومنه قراءة بعضهم / < ونادوا يا مال > / بالترخيم ولما سمعها بعض السلف قال ما أغنى أهل النار عن الترخيم وأجاب بعضهم بأنهم لشدة ما هم عجزوا عن إتمام الكلمة

ويدخل في هذا النوع حذف همزة ( أنا ) في قوله / < لكنا هو الله وربي > / إذ الأصل ( لكن أنا ) حذفت همزة ( أنا ) تخفيفا وأدغمت النون في النون

ومثله ما قرئ / < ويمسك السماء أن تقع علرض > / / < بما أنزليك > / / < فمن تعجل في يومين فلثم عليه > / / < إنها لحدى الكبر > /

4587 النوع الثاني ما يسمى بالاكتفاء وهو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفي بأحدهما عن الآخر لنكتة

ويختص غالبا بالارتباط العطفي كقوله سرابيل تقيكم الحر أي والبرد وخصص الحر بالذكر لأن الخطاب للعرب وبلادهم حارة والوقاية عندهم من الحر أهم لأنه أشد عندهم من البرد وقيل لأن البرد تقدم ذكر الامتنان بوقايته صريحا في قوله ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها وفي قوله وجعل لكم من الجبال أكنانا وفي قوله تعالى والأنعام خلقها لكم فيها دفء

ومن أمثلة هذا النوع بيدك الخير أي والشر وإنما خص الخير بالذكر لأنه مطلوب العباد ومرغوبهم أو لأنه أكثر وجودا في العالم أو لأن إضافة الشر إلى الله ليس من بابا الآداب كما قال صلى الله عليه وسلم ( والشر ليس إليك )

4588 ومنها وله ما سكن في الليل والنهار أي وما تحرك وخص السكون بالذكر لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد ولأن كل متحرك يصير إلى السكون

4589 ومنها الذين يؤمنون بالغيب أي والشهادة لأن الإيمان بكل منهما واجب وآثر الغيب لأنه أمدح ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة من غير عكس

4590 ومنها ورب المشارق أي والمغارب

4591 ومنها هدى للمتقين أي وللكافرين قاله ابن الأنباري ويؤيده قوله هدى للناس 4592 ومنها إن امرؤ هلك ليس له ولد أي ولا والد بدليل أنه أوجب للأخت النصف وإنما يكون ذلك مع فقد الأب لأنه يسقطها

4593 النوع الثالث ما يسمى بالاحتباك وهو من ألطف الأنواع وأبدعها وقل من تنبه له أو نبه عليه من أهل فن البلاغة ولم أره في شرح بديعية الأعمى لرفيقه الأندلسي وذكره الزركشي في البرهان ولم يسمه هذا لاسم بل سماه الحذف المقابلي

4594 وأفرده بالتصنيف من أهل العصر العلامة برهان الدين البقاعي قال الأندلسي في شرح البديعية من أنواع البديع الاحتباك وهو نوع عزيز وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأول كقوله تعالى ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق الآية التقدير ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به فحذف من الأول الأنبياء لدلالة ( الذي ينعق ) عليه ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة ( الذين كفروا ) عليه

4595 وقوله وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء التقدير تدخل غير بيضاء وأخرجها تخرج بيضاء فحذف من الأول ( غير بيضاء ) ومن الثاني ( وأخرجها )

4596 وقال الزركشي هو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه كقوله تعالى أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون التقدير ( إن افتريته فعلي إجرامي وأنتم برآء منه وعليكم إجرامكم وأنا بريء مما تجرمون )

4597 وقوله ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم التقدير ( ويعذب المنافقين إن شاء فلا يتوب عليهم أو يتوب عليهم فلا يعذبهم )

4598 وقوله ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن أي حتى يطهرن من الدم ويتطهرن بالماء فإذا طهرن وتطهرن فأتوهن

4599 وقوله خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا أي عملا صالحا بسيئ وآخر سيئا صالح

4600 قلت ومن لطيفه قوله فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة أي فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت

4601 وفي الغرائب للكرماني في الآية الأولى التقدير ( مثل الذين كفروا معك يا محمد كمثل الناعق مع الغنم ) فحذف من كل طرف ما يدل عليه الطرف الآخر

وله في القرآن نظائر وهو أبلغ ما يكون من الكلام

انتهى

4602 ومأخذ هذه التسمية من الحبك الذي معناه الشد والأحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب فحبك الثوب سد ما بين خيوطه من الفرج وشده وإحكامه بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرونق

وبيان أخذه منه من أن مواضع الحذف من الكلام شبهت بالفرج بين الخيوط فلما أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في نظمه وحوكه فوضع المحذوف مواضعه كان حابكا له مانعا من خلل يطرقه فسد بتقديره ما يحصل به الخلل مع ما أكسبه من الحسن والرونق

4603 النوع الرابع ما يسمى بالاختزال هو ما ليس واحدا مما سبق وهو أقسام لأن المحذوف إما كلمة اسم أو فعل أو حرف أو أكثر

4604 أمثله حذف الاسم

حذف المضاف هو كثير في القرآن جدا حتى قال ابن جني في القرآن منه زهاء ألف موضع

وقد سردها الشيخ عز الدين في كتابه ( المجاز ) على ترتيب السور والآيات ومنه الحج أشهر أي حج أشهر أو أشهر الحج

ولكن البر من آمن أي ذا البر أو بر من

حرمت عليكم أمهاتكم أي نكاح أمهاتكم

لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات أي ضعف عذاب

وفي الرقاب أي وفي تحرير الرقاب

3605 حذف المضاف إليه يكثر في ياء المتكلم نحو رب اغفر لي

4606 وفي الغايات نحو لله الأمر من قبل ومن بعد أي من قبل الغلب ومن بعده

4607 وفي كل وأي وبعض

وجاء في غيرهن كقراءة فلا خوف عليهم بضم بلا تنوين أي فلا خوف شيء عليهم

4608 حذف المبتدأ يكثر في جواب الاستفهام نحو وما أدراك ما هيه نار أي هي نار

وبعد فاء الجواب من عمل صالحا فلنفسه أي فعمله لنفسه ومن أساء فعليها أي فإساءته عليها وبعد القول نحو وقالوا أساطير الأولين قالوا أضغاث أحلام

4609 وبعد ما الخبر صفة له في المعنى نحو التائبون العابدون ونحو صم بكم عمي

4610 ووقع في غير ذلك نحو لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ أي هذا

سورة أنزلناها أي هذه

4611 ووجب في النعت المقطوع إلى الرفع حذف الخبر نحو أكلها دائم وظلها أي دائم

4612 ويحتمل الأمرين فصبر جميل أي أجمل أو فأمري صبر

فتحرير رقبة أي عليه أو فالواجب

4613 حذف الموصوف وعندهم قاصرات الطرف أي حور قاصرات

أن اعمل سابغات أي دروعا سابغات

أيها المؤمنون أي القوم المؤمنون

4614 حذف الصفة نحو يأخذ كل سفينة أي صالحة بدليل أنه قرئ كذلك و ( أن تعييبها ) لا يخرجها عن كونها سفينة

الآن جئت بالحق أي الواضح وإلا لكفروا بمفهوم ذلك

فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا أي نافعا

4615 حذف المعطوف عليه أن اضرب بعصاك البحر فانفلق أي فضرب فانفلق

وحيث دخلت واو العطف على لام التعليل ففي تخريجه وجهان

أحدهما أن يكون تعليلا معلله محذوف كقوله وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا فالمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ذلك

والثاني أنه معطوف على علة أخرى مضمرة ليظهر صحة العطف أي فعل ذلك ليذيق الكافرين بأسه وليبلي

4616 حذف المعطوف مع العاطف لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أي ومن أنفق بعده

( بيدك الخير ) أي والشر

4617 حذف المبدل منه خرج عليه ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب أي لما تصفه والكذب بدل من الهاء

4618 حذف الفاعل لا يجوز إلا في فاعل المصدر نحو لا يسأم الإنسان من دعاء الخير أي دعائه الخير

وجوزه الكسائي مطلقا لدليل وخرج عليه إذا بلغت التراقي أي الروح حتى توارت بالحجاب أي الشمس

4619 حذف المفعول تقدم أنه كثير في مفعول المشيئة والإرادة

ويرد في غيرهما نحو إن الذين اتخذوا العجل

أي إلها

كلا سوف تعلمون أي عاقبة أمركم

4620 حذف الحال يكثر إذا كان قولا نحو والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام أي قائلين

4621 حذف المنادى / < ألا يا اسجدوا > / أي يا هؤلاء

يا ليت أي يا قوم

4622 حذف العائد يقع في أربعة أبواب

الصلة نحو أهذا الذي بعث الله رسولا أي بعثه

والصفة نحو واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس أي فيه

والخبر نحو وكلا وعد الله الحسنى أي وعده

والحال

4623 حذف مخصوص نعم إنا وجدناه صابرا نعم العبد أي أيوب

فقدرنا فنعم القادرون أي نحن

ولنعم دار المتقين أي الجنة

4624 حذف الموصول نحو آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم أي والذي أنزل إليكم لأن الذي أنزل إلينا ليس هو الذي أنزل إلى من قبلنا ولهذا أعيدت ( ما ) في قوله آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم

4625 أمثلة حذف الفعل

يطرد إذا كان مفسرا نحو وإن أحد من المشركين استجارك إذا السماء انشقت

قل لو أنتم تملكون

4626 ويكثر في جواب الاستفهام نحو وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا أي أنزل

4627 وأكثر منه حذف القول نحو وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا أي يقولان ربنا

4628 ويأتي في غير ذلك نحو انتهوا خيرا لكم أي وأتوا والذين تبوؤوا الدار والإيمان أي وألفوا الإيمان أو اعتقدوا اسكن أنت وزوجك الجنة أي وليسكن زوجك وامرأته حمالة الحطب أي أذم

والمقيمين الصلاة أي أمدح ولكن رسول الله أي كان

وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم أي يوفوا أعمالهم

4629 أمثلة حذف الحرف

قال ابن جني في المحتسب أخبرنا أبو علي قال قال أبو بكر حذف الحرف ليس بقياس لأن الحروف إنما دخلت الكلام الكلام لضرب من الاختصار فلو ذهبت تحذفها لكنت مختصرا لها هي أيضا واختصار المختصر إجحاف به

4630 حذف همزة الاستفهام

قرأ ابن محيصن / < سواء عليهم أنذرتهم > / وخرج عليه هذا ربي في المواضع الثلاثة

وتلك نعمة تمنها أي أو تلك

4631 حذف الموصوف الحرفي

قال ابن مالك لا يجوز إلا في ( أن ) نحو ومن آياته يريكم البرق

4632 وحذف الجار يطرد مع أن وأن نحو يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم أطمع أن يغفر لي أيعدكم أنكم أي بأنكم

وجاء مع غيرهما نحو قدرناه منازل أي قدرنا له ويبغونها عوجا أي لها يخوف أولياءه أي يخوفكم بأوليائه

واختار موسى قومه أي من قومه

ولا تعزموا عقدة النكاح أي على عقدة النكاح

4633 حذف العاطف خرج عليه الفارسي ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا أي وقلت وجوه يومئذ ناعمة أي ووجوه عطفا على وجوه يومئذ خاشعة

4634 حذف فاء الجواب وخرج عليه الأخفش إن ترك خيرا الوصية للوالدين

4635 حذف حرف النداء كثير ها أنتم أولاء يوسف أعرض قال رب إني وهن العظم مني فاطر السماوات والأرض

4636 وفي العجائب للكرماني كثر حذف ( يا ) في القرآن من الرب تنزيها وتعظيما لأن في النداء طرفا من الأمر

4637 حذف ( قد ) في الماضي إذا وقع حالا نحو أو جاؤوكم حصرت صدورهم أنؤمن لك واتبعك الأرذلون

4638 حذف ( لا ) النافية يطرد في جواب القسم إذا كان المنفي مضارعا نحو تالله تفتأ

وورد في غيره نحو وعلى الذين يطيقونه فدية أي لا يطيقونه

وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم أي لئلا تميد

4639 حذف لام التوطئة وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن وإن أطعتموهم إنكم لمشركون

4640 حذف لام الأمر خرج عليه قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا أي ليقيموا

4641 حذف لام ( لقد ) يحسن مع طول الكلام نحو قد أفلح من زكاها

4642 حذف نون التوكيد خرج عليه قراءة ألم نشرح بالنصب

4643 حذف التنوين خرج عليه قل هو الله أحد الله الصمد ولا الليل سابق النهار بالنصب

4644 حذف نون الجمع خرج عليه قراءة / < وما هم بضاري به من أحد > /

4645 حذف حركة الإعراب والبناء وخرج عليه قراءة فتوبوا إلى بارئكم و ( يأمركم ) وبعولتهن أحق بسكون الثلاثة

وكذا أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح فأواري سوأة أخي ما بقي من الربا

4646 أمثلة حذف أكثر من كلمة

حذف مضافين فإنها من تقوى القلوب أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب

فقبضت قبضة من أثر الرسول أي من أثر حافر فرس الرسول تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت أي كدوران عين الذي

وتجعلون رزقكم أي بدل شكر رزقكم

4647 حذف ثلاثة متضايفات

فكان قاب قوسين أي فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين فحذف ثلاثة من اسم كان وواحد من خبرها

4648 حذف مفعولي باب ظن أين شركائي الذين كنتم تزعمون أي تزعمونهم شركائي

4649 حذف الجار مع المجرور خلطوا عملا صالحا أي بسيء وآخر سيئا أي بصالح

4650 حذف العاطف مع المعطوف تقدم

4651 حذف حرف الشرط وفعله يطرد بعد الطلب نحو فاتبعوني يحببكم الله أي إن اتبعتموني

قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة أي إن قلت لهم يقيموا

4652 وجعل منه الزمخشري فلن يخلف الله عهده أي إن اتخذتم عند الله عهدا

فلن يخلف الله

4653 وجعل منه أبو حيان فلم تقتلون أنبياء الله من قبل أي إن كنتم آمنتم بما أنزل إليكم فلم تقتلون

4654 حذف جواب الشرط فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء أي فافعل

وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون أي أعرضوا بدليل ما بعده

أئن ذكرتم أي تطيرتم

ولو جئنا بمثله مددا أي لنفذ

ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم أي لرأيت أمرا فظيعا

ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم أي لعذبكم

لولا أن ربطنا على قلبها أي لأبدت به

ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم أي لسلطكم على أهل مكة

4655 حذف جملة القسم لأعذبنه عذابا شديدا أي والله حذف جوابه

والنازعات غرقا الآيات أي لتبعثن

ص والقرآن ذي الذكر أي إنه لمعجز ق والقرآن المجيد أي ما الأمر كما زعموا

4656 حذف جملة مسببة عن المذكور نحو ليحق الحق ويبطل الباطل أي فعل ما فعل

4657 حذف جمل كثيرة نحو فأرسلون يوسف أيها الصديق أي فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا ففعلوا فأتاه فقال له يا يوسف

خاتمة

4658 تارة لا يقام شيء مقام المحذوف كما تقدم وتارة يقام ما يدل عليه نحو فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم فليس الإبلاغ هو الجواب لتقدمه على توليهم وإنما التقدير ( فإن تولوا فلا لوم علي ) أو فلا عذر لكم لأني أبلغتكم

وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك أي فلا تحزن واصبر

وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين أي يصيبهم مثل ما أصابهم

فصل ( في نوعي الإطناب )

4659 كما انقسم الإيجاز إلى إيجاز قصر وإيجاز حذف كذلك انقسم الإطناب إلى بسط وزيادة

الإطناب بالبسط )

4660 فالأول الإطناب بتكثير الجمل كقوله تعالى إن في خلق السماوات والأرض الآية في سورة البقرة

أطنب فيها أبلغ الإطناب لكون الخطاب مع الثقلين وفي كل عصر وحين للعالم منهم والجاهل والموافق منهم والمنافق

4661 وقوله الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به فقوله ( ويؤمنون به ) إطناب لأن إيمان حملة العرش معلوم وحسنه إظهار شرف الإيمان ترغيبا فيه

وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وليس من المشركين مزك

والنكتة الحث للمؤمنين على أدائها والتحذير من المنع حيث جعل من أوصاف المشركين

الإطناب بالزيادة

4662 والثاني يكون بأنواع

أحدها دخول حرف فأكثر من حروف التأكيد السابقة في نوع الأدوات

4663 وهي إن وأن ولام الابتداء والقسم وألا الاستفتاحية وأما وها التنبيه وكأن في تأكيد التشبيه ولكن في تأكيد الاستدراك وليت في تأكيد التمني ولعل في تأكيد الترجي وضمير الشأن وضمير الفصل وإما في تأكيد الشرط وقد والسين وسوف والنونان في تأكيد الفعلية ولا التبرئة ولن ولما في تأكيد النفي

وإنما يحسن تأكيد الكلام بها إذا كان المخاطب به منكرا أو مترددا

4664 ويتفاوت التأكيد بحسب قوة الإنكار وضعفه كقوله تعالى حكاية عن رسل عيسى إذ كذبوا في المرة الأولى إنا إليكم مرسلون فأكد بأن وإسمية الجملة

وفي المرة الثانية قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون فأكد بالقسم وإن واللام وإسمية الجملة لمبالغة المخاطبين في الإنكار حيث قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون

4665 وقد يؤكد بها والمخاطب به غير منكر لعدم جريه على مقتضى إقراره فينزل منزلة المنكر

وقد يترك التأكيد وهو معه منكر لأن معه أدلة ظاهرة لو تأملها لرجع عن إنكاره وعلى ذلك يخرج قوله ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون أكد الموت تأكيدين وإن لم ينكر لتنزيل المخاطبين لتماديهم في الغفلة تنزيل من ينكر الموت وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا وإن كان أشد نكيرا لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بأن لا ينكر فنزل المخاطبون منزلة غير المنكر حثا لهم على النظر في أدلته الواضحة

ونظيره قوله تعالى لا ريب فيه نفى عنه الريبة ب ( لا ) على سبيل الاستغراق مع أنه ارتاب فيه المرتابون لكن نزل منزلة العدم تعويلا على ما يزيله من الأدلة الباهرة كما نزل الإنكار منزلة عدمه لذلك

4666 وقال الزمخشري بولغ في تأكيد الموت تنبيها للإنسان على أن يكون الموت نصب عينيه ولا يغفل عن ترقبه فإن مآله إليه فكأنه أكدت جملته ثلاث مرات لهذا المعنى لأن الإنسان في الدنيا يسعى فيها غاية السعي حتى كأنه يخلد ولم يؤكد جملة البعث إلا بإن لأنه أبرز في صورة المقطوع به الذي لا يمكن فيه نزاع ولا يقبل إنكارا

4667 وقال التاج بن الفركاح أكد الموت ردا على الدهرية القائلين ببقاء النوع الإنساني خلفا عن سلف واستغنى عن تأكيد البعث هنا لتأكيده والرد على منكره في مواضع كقوله قل بلى وربي لتبعثن

4668 وقال غيره لما كان العطف يقتضي الاشتراك استغنى عن إعادة اللام لذكرها في الأول

4669 وقد يؤكد بها أي اللام للمستشرف الطالب الذي قدم له ما يلوح بالخبر فاستشرفت نفسه إليه نحو ولا تخاطبني في الذين ظلموا أي لا تدعني يا نوح في شأن قومك فهذا الكلام يلوح بالخبر تلويحا ويشعر بأنه قد حق عليهم العذاب فصار المقام مقام أن يتردد المخاطب في أنهم هل صاروا محكوما عليهم بذلك أو لا فقيل إنهم مغرقون بالتأكيد

4670 وكذا قوله يا أيها الناس اتقوا ربكم لما أمرهم بالتقوى وظهور ثمرتها والعقاب على تركها محله الآخرة تشوقت نفوسهم إلى وصف حال الساعة فقال إن زلزلة الساعة شيء عظيم بالتأكيد ليقرر عليه الوجوب

4671 وكذا قوله وما أبرئ نفسي فيه تحيير للمخاطب وتردد في أنه كيف لا يبريء نفسه وهي برئية زكية ثبتت عصمتها وعدم مواقعتها السوء فأكده

بقوله إن النفس لأمارة بالسوء

4672 وقد يؤكد لقصد الترغيب نحو فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم أكد بأربع تأكيدات ترغيبا للعباد في التوبة

4673 وقد سبق الكلام على أدوات التأكيد المذكورة ومعانيها ومواقعها في النوع الأربعين

1 - فائدة

4674 إذا اجتمعت إن واللام كان بمنزلة تكرير الجملة ثلاث مرات لأن ( إن ) أفادت التكرير مرتين فأذا دخلت اللام صارت ثلاثا

وعن الكسائي أن اللام لتوكيد الخبر وإن لتوكيد الاسم

وفيه تجوز لأن التوكيد للنسبة لا للاسم ولا للخبر وكذلك نون التوكيد الشديدة بمنزلة تكرير الفعل ثلاثا والخفيفة بمنزلة تكريره مرتين

فقال سيبويه في نحو ( يأيها ) الألف والهاء لحقتا أيا توكيدا فكأنك كررت ( يا ) مرتين وصار الاسم تنبيها

هذا كلامه وتابعه الزمخشري

2 - فائدة

4675 قوله تعالى ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا قال الجرجاني في نظم القرآن ليست اللام فيه للتأكيد فإنه منكر فكيف يحقق ما ينكره وإنما قاله حكاية لكلام النبي صلى الله عليه وسلم الصادر منه بأداة التأكيد فحكاه فنزلت الآية على ذلك

السابقالتالي

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن · المصادر