النوع الحادي والخمسون — في وجوه مخاطباته
4203 قال ابن الجوزي في كتابه ( النفيس ) الخطاب في القرآن على خمسة عشر وجها
وقال غيره على أكثر من ثلاثين وجها
أحدها خطاب العام والمراد به العموم كقوله الله الذي خلقكم
4204 والثاني خطاب الخاص والمراد به الخصوص كقوله أكفرتم بعد إيمانكم يا أيها الرسول بلغ
4205 الثالث خطاب العام والمراد به الخصوص كقوله يا أيها الناس اتقوا ربكم لم يدخل فيه الأطفال والمجانين
4206 الرابع خطاب الخاص والمراد العموم كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء افتتح الخطاب بالنبي صلى الله عليه وسلم والمراد سائر من يملك الطلاق وقوله يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك الآية قال أبو بكر الصيرفي كان إبتداء الخطاب له فلما قال في الموهوبة خالصة لك علم أن ما قبلها له ولغيره
4207 الخامس خطاب الجنس كقوله يا أيها النبي
4208 السادس خطاب النوع نحو يا بني إسرائيل
4209 السابع خطاب العين نحو وقلنا يا آدم اسكن يا نوح اهبط يا إبراهيم قد صدقت يا موسى لا تخف يا عيسى إني متوفيك
ولم يقع في القرآن الخطاب ب ( يا محمد ) بل يا أيها النبي يا أيها الرسول تعظيما له وتشريفا وتخصيصا بذلك عما سواه وتعليما للمؤمنين ألا ينادوه باسمه
4210 الثامن خطاب المدح نحو يا أيها الذين آمنوا ولهذا وقع خطابا لأهل المدينة والذين آمنوا وهاجروا
أخرج ابن أبي حاتم عن خيثمة ما تقرءون في القرآن يا أيها الذين آمنوا فإنه في التوراة ( يأيها المساكين )
4211 وأخرج البيهقي وأبو عبيد وغيرهما عن ابن مسعود قال إذا سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا فأوعها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه
4212 التاسع خطاب الذم نحو يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم قل يا أيها الكافرون ولتضمنه الإهانة لم يقع في القرآن في غير هذين الموضعين وأكثر الخطاب ب يا أيها الذين آمنوا على المواجهة وفي جانب الكفار جيء بلفظ الغيبة إعراضا عنهم كقوله إن الذين كفروا قل للذين كفروا
4213 العاشر خطاب الكرامة كقوله يا أيها النبي يا أيها الرسول قال بعضهم ونجد الخطاب بالنبي في محل لا يليق به الرسول وكذا عكسه كقوله في الأمر بالتشريع العام يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وفي مقام الخاص يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك قال وقد يعبر بالنبي في مقام التشريع العام لكن مع قرينة إرادة العموم كقوله يا أيها النبي إذا طلقتم ولم يقل ( طلقت )
4214 الحادي عشر خطاب الإهانة نحو فإنك رجيم اخسؤوا فيها ولا تكلمون
4215 الثاني عشر خطاب التهكم نحو ذق إنك أنت العزيز الكريم
4216 الثالث عشر خطاب الجمع بلفظ الواحد نحو يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم
4217 الرابع عشر خطاب الواحد بلفظ الجمع نحو يا أيها الرسل كلوا من الطيبات إلى قوله فذرهم في غمرتهم فهو خطاب له صلى الله عليه وسلم وحده إذ لا نبي معه ولا بعده
4218 وكذا قوله وإن عاقبتم فعاقبوا الآية خطاب له صلى الله عليه وسلم وحده بدليل قوله واصبر وما صبرك إلا بالله الآية وكذا قوله فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا بدليل قوله قل فأتوا وجعل منه بعضهم قال رب ارجعون أي ارجعني وقيل ( رب ) خطاب له تعالى و ( ارجعون ) للملائكة
4219 وقال السهيلي هو قول من حضرته الشياطين وزبانية العذاب فاختلط فلا يدري ما يقول من الشطط
وقد إعتاد أمرا يقوله في الحياة من رد الأمر إلى المخلوقين
4220 الخامس عشر خطاب الواحد بلفظ الإثنين نحو ألقيا في جهنم والخطاب لمالك خازن النار وقيل لخزنه النار والزبانية فيكون من خطاب الجمع بلفظ الإثنين وقيل للملكين الموكلين في قوله وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد فيكون على الأصل
وجعل المهدوي من هذا النوع قال قد أجيبت دعوتكما
قال الخطاب لموسى وحده لأنه الداعي
وقيل لهما لأن هارون أمن على دعائه والمؤمن أحد الداعيين
4221 السادس عشر خطاب الإثنين بلفظ الواحد كقوله فمن ربكما يا موسى أي وياهرون وفيه وجهان
أحدهما أنه أفرده بالنداء لإدلاله عليه بالتربية
والآخر لأنه صاحب الرسالة والآيات وهارون تبع له ذكره ابن عطية
وذكر في الكشاف آخر وهو أن هارون لما كان أفصح من موسى نكب فرعون عن خطابه حذرا من لسانه
4222 ومثله فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى
قال ابن عطية أفرده بالشقاء لأنه المخاطب أولا والمقصود في الكلام وقيل لأنه الله جعل الشقاء في معيشة الدنيا في جانب الرجال
وقيل إغضاء عن ذكر المرأة كما قيل من الكرم ستر الحرم
4223 السابع عشر خطاب الإثنين لفظ الجمع كقوله أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة
4223 م الثامن عشر خطاب الجمع بلفظ الاثنين كما تقدم في ألقيا
4224 التاسع عشر خطاب الجمع بعد الواحد كقوله وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل قال ابن الأنباري جمع في الفعل الثالث ليدل على أن الأمة داخلون مع النبي صلى الله عليه وسلم ومثله يا أيها النبي إذا طلقتم النساء
4225 العشرون عكسه نحو وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين
4226 الحادي والعشرون خطاب الإثنين بعد الواحد نحو أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض
4227 الثاني والعشرون عكسه نحو فمن ربكما يا موسى
4228 الثالث والعشرون خطاب العين والمراد به الغير نحو يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين الخطاب له والمراد أمته لأنه صلى الله عليه وسلم كان تقيا وحاشاه من طاعة الكفار ومنه فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب الآية حاشاه صلى الله عليه وسلم من الشك وإنما المراد بالخطاب التعريض بالكفار
4229 أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية قال لم يشك صلى الله عليه وسلم ولم يسأل
ومثله واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية فلا تكونن من الجاهلين وأنحاء ذلك
4230 الرابع والعشرون خطاب الغير والمراد به العين نحو لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم
4231 الخامس والعشرون الخطاب العام الذي لم يقصد به مخاطب معين نحو ألم تر أن الله يسجد له ولو ترى إذ وقفوا على النار ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم لم يقصد بذلك خطاب معين بل كل أحد وأخرج في صورة الخطاب لقصد العموم يريد أن حالهم تناهت في الظهور بحيث لا يختص بها راء دون راء بل كل من أمكن منه الرؤية داخل في ذلك الخطاب
4232 السادس والعشرون خطاب الشخص ثم العدول إلى غيره نحو فإن لم يستجيبوا لكم خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال للكفار فاعلموا أنما أنزل بعلم الله بدليل فهل أنتم مسلمون ومنه إنا أرسلناك شاهدا إلى قوله لتؤمنوا فيمن قرأ بالفوقية
4233 السابع والعشرون خطاب التلوين وهو الإلتفات
4234 الثامن والعشرون خطاب الجمادات خطاب من يعقل نحو فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها
4235 التاسع والعشرون خطاب التهييج نحو وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين
4236 الثلاثون خطاب التحنن والإستعطاف نحو يا عبادي الذين أسرفوا
4237 الحادي والثلاثون خطاب التحبب نحو يا أبت لم تعبد يا بني إنها إن تك يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي
4238 الثاني والثلاثون خطاب التعجيز نحو فأتوا بسورة
4239 الثالث والثلاثون خطاب التشريف وهو كل ما في القرآن مخاطبة ب ( قل ) فإنه تشريف منه تعالى لهذه الأمة بأن يخاطبها بغير واسطة لتفوز بشرف المخاطبة
4240 الرابع والثلاثون خطاب المعدوم ويصح ذلك تبعا لموجود نحو يا بني آدم فإنه خطاب لأهل ذلك الزمان ولكل من بعدهم
1 - فائدة
4241 قال بعضهم خطاب القرآن ثلاثة أقسام
قسم لا يصح إلا للنبي صلى الله عليه وسلم
وقسم لا يصح إلا لغيره
وقسم لهما
4242 قال ابن القيم تأمل خطاب القرآن تجد ملكا له الملك كله وله الحمد كله أزمة الأمور كلها بيده ومصدرها منه ومردها إليه مستويا على العرش لا تخفى عليه خافية من أقطار مملكته عالما بما في نفوس عبيده مطلعا على أسرارهم وعلانيتهم منفردا بتدبير المملكة يسمع ويرى ويعطي ويمنع ويثيب ويعاقب ويكرم ويهين ويخلق ويرزق ويميت ويحيي ويقدر ويقضي ويدبر الأمور نازلة من عنده دقيقها وجليلها وصاعدة إليه لا تتحرك ذرة إلا بإذنه ولا تسقط ورقة إلا بعلمه
فتأمل كيف تجده يثنى على نفسه ويمجد نفسه ويحمد نفسه وينصح عباده ويدلهم على ما فيه سعادتهم وفلاحهم ويرغبهم فيه ويحذرهم مما فيه هلاكهم ويتعرف إليهم بأسمائه وصفاته ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه يذكرهم بنعمه عليهم ويأمرهم بما يستوجبون به تمامها ويحذرهم من نقمه ويذكرهم بما أعد لهم من الكرامة إن أطاعوه وما أعد لهم من العقوبة إن عصوه ويخبرهم بصنعه في أوليائه وأعدائه وكيف كانت عاقبة هؤلاء وهؤلاء ويثنى على أوليائه بصالح أعمالهم وأحسن أوصافهم ويذم أعداءه بسيء أعمالهم وقبيح صفاتهم ويضرب الأمثال وينوع الأدلة والبراهين ويجيب عن شبه أعدائه أحسن الأجوبة ويصدق الصادق ويكذب الكاذب ويقول الحق ويهدي السبيل ويدعو إلى دار السلام ويذكر أوصافها وحسنها ونعيمها ويحذر من دار البوار ويذكر عذابها وقبحها وآلامها ويذكر عباده فقرهم إليه وشدة حاجتهم إليه من كل وجه وأنهم لا غنى لهم عنه طرفة عين ويذكرهم غناه عنهم وعن جميع الموجودات وأنه الغني بنفسه عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه وأنه لن ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته وتشهد من خطابه عتابه لأحبابه ألطف عتاب وأنه مع ذلك مقيل عثراتهم وغافر زلاتهم ومقيم أعذارهم ومصلح فسادهم والدافع عنهم والحامي عنهم والناصر لهم والكفيل بمصالحهم والمنجي لهم من كل كرب والموفي لهم بوعده وأنه وليهم الذي لا ولي لهم سواه فهو مولاهم الحق ونصيرهم على عدوهم فنعم المولى ونعم النصير
وإذا شهدت القلوب من القرآن ملكا عظيما جوادا رحيما جميلا هذا شأنه فكيف لا تحبه وتنافس في القرب منه وتنفق أنفاسها في التودد إليه ويكون أحب إليها من كل ما سواه ورضاه آثر عندها من رضا كل من سواه وكيف لا تلهج بذكره وتصير حبه والشوق إليه والأنس به هو غذاؤها وقوتها ودواؤها بحيث إن فقدت وهلكت لم تنتفع بحياتها
2 - فائدة
4243 قال بعض الأقدمين أنزل القرآن على ثلاثين نحوا كل نحو منه غير صاحبه فمن عرف وجوهها ثم تكلم في الدين أصاب ووفق ومن لم يعرفها وتكلم في الدين كان الخطأ إليه أقرب وهي المكي والمدني والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والتقديم والتأخير والمقطوع والموصول والسبب والإضمار والخاص والعام والأمر والنهي والوعد والوعيد والحدود والأحكام والخبر والإستفهام والأبهة والحروف المصرفة والإعذار والإنذار والحجة والإحتجاج والمواعظ والأمثال والقسم
4244 قال فالمكي مثل واهجرهم هجرا جميلا
4245 والمدني مثل وقاتلوا في سبيل الله
4246 والناسخ والمنسوخ واضح
4247 والمحكم مثل ومن يقتل مؤمنا متعمدا الآية إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ونحوه مما أحكمه الله وبينه
4248 والمتشابه مثل يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا الآية ولم يقل ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا كما قال في المحكم وقد ناداهم في هذه الآية بالإيمان ونهاهم عن المعصية ولم يجعل فيها وعيدا فاشتبه على أهلها ما يفعل الله بهم
4249 والتقديم والتأخير مثل كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية التقدير كتب عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت
4250 والمقطوع والموصول مثل لا أقسم بيوم القيامة فلا مقطوع من أقسم وإنما هو في المعنى ( أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ) ولم يقسم
4251 والسبب والإضمار مثل واسأل القرية أي أهل القرية
4252 والخاص والعام مثل يا أيها النبي فهذا في المسموع خاص إذا طلقتم النساء فصار في المعنى عاما
4253 والأمر وما بعده إلى الإستفهام أمثلتها واضحة
4254 والأبهة مثل إنا أرسلنا نحن قسمنا عبر بالصيغة الموضوعة للجماعة للواحد تعالى تفخيما وتعظيما وأبهة
4255 والحروف المصرفة كالفتنة تطلق على الشرك نحو حتى لا تكون فتنة
4256 وعلى المعذرة نحو ثم لم تكن فتنتهم أي معذرتهم
4257 وعلى الإختبار نحو قد فتنا قومك من بعدك
4258 والإعتذار نحو فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم اعتذر أنه لم يفعل ذلك إلا بمعصيتهم
والبواقي أمثلتها واضحة
جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن · المصادر