علوم القرآن · الإتقان · الفصل ٤١ من ٩٦

النوع الخامس والأربعون — في عامه وخاصه

3959 العام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر وصيغته ( كل ) مبتدأة نحو كل من عليها فان أو تابعة نحو فسجد الملائكة كلهم أجمعون

3960 والذي والتي وتثنيتهما وجمعهما نحو والذي قال لوالديه أف لكما فإن المراد به كل من صدر منه هذا القول بدليل قوله بعد أولئك الذين حق عليهم القول والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة للذين أحسنوا الحسنى وزيادة للذين اتقوا عند ربهم جنات واللائي يئسن من المحيض الآية واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا الآية واللذان يأتيانها منكم فآذوهما

3961 وأي وما ومن شرطا واستفهاما وموصولا نحو أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم من يعمل سوءا يجز به

3962 والجمع المضاف نحو يوصيكم الله في أولادكم

والمعرف بأل نحو قد أفلح المؤمنون فاقتلوا المشركين

3963 واسم الجنس المضاف نحو فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي كل أمر الله

3964 والمعرف بأل نحو وأحل الله البيع أي كل بيع إن الإنسان لفي خسر أي كل إنسان بدليل إلا الذين آمنوا

3965 والنكرة في سياق النفي والنهي نحو فلا تقل لهما أف وإن من شيء إلا عندنا خزائنه ذلك الكتاب لا ريب فيه فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج

وفي سياق الشرط نحو وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله

وفي سياق الإمتنان نحو وأنزلنا من السماء ماء طهورا

1 - فصل

3966 العام على ثلاثة أقسام

الأول الباقي على عمومه قال القاضي جلال الدين البلقيني ومثاله عزيز إذ مامن عام إلا ويتخيل فيه التخصيص فقوله يا أيها الناس اتقوا ربكم قد يخص منه غير المتكلف و حرمت عليكم الميتة خص منها حالة الاضطرار وميتة السمك والجراد وحرم الربا خص منه العرايا

3967 وذكر الزركشي في البرهان أنه كثير في القرآن وأورد منه وأن الله بكل شيء عليم إن الله لا يظلم الناس شيئا ولا يظلم ربك أحدا والله خلقكم من تراب ثم من نطفة الله الذي جعل لكم الأرض قرارا

3968 قلت هذه الآيات كلها في غير الأحكام الفرعية فالظاهر أن مراد البلقيني أنه عزيز في الأحكام الفرعية وقد استخرجت من القرآن بعد الفكر آية فيها وهي قوله حرمت عليكم أمهاتكم الآية فإنه لا خصوص فيها

3969 الثاني العام المراد به الخصوص

3970 الثالث العام المخصوص وللناس بينهما فروق

أن الأول لم يرد شموله لجميع الأفراد لا من جهة تناول اللفظ ولا من جهة الحكم بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها

والثاني أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد من جهة تناول اللفظ لها لا من جهة الحكم

3971 ومنها أن الأول مجاز قطعا لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي بخلاف الثاني فإن فيه مذاهب أصحها أنه حقيقة وعليه أكثر الشافعية وكثير من الحنفية وجميع الحنابلة ونقله إمام الحرمين عن جميع الفقهاء

3972 وقال الشيخ أبو حامد إنه مذهب الشافعي وأصحابه وصححه السبكي لأن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص وذلك التناول حقيقي اتفاقا فليكن هذا التناول حقيقيا أيضا

3973 ومنها أن قرينة الأول عقلية والثاني لفظيه

3974 ومنها أن قرينة الأول لا تنفك عنه وقرينة الثاني قد تنفك عنه

3975 ومنها أن الأول يصح أن يراد به واحدا اتفاقا وفي الثاني خلاف

3976 ومن أمثلة المراد به الخصوص قوله تعالى الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم والقائل واحد نعيم بن مسعود الأشجعي أو أعرابي من خزاعة كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي رافع لقيامه مقام كثير في تثبيط المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان

3977 قال الفارسي ومما يقوي أن المراد به واحد قوله إنما ذلكم الشيطان فوقعت الإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى واحد بعينه ولو كان المعنى جمعا لقال ( إنما أولئكم الشيطان ) فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ

3978 ومنها قوله تعالى أم يحسدون الناس أي رسول الله صلى الله عليه وسلم لجمعه ما في الناس من الخصال الحميدة

3979 ومنها قوله ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس أخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله من حيث أفاض الناس قال إبراهيم

3980 ومن الغريب قراءة سعيد بن جبير / < من حيث أفاض الناسي > / قال في المحتسب يعني آدم لقوله فنسي ولم نجد له عزما

3981 ومنها قوله تعالى فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أي جبريل كما في قراءة ابن مسعود

3982 وأما المخصوص فأمثلته في القرآن كثيرة جدا وهو أكثر من المنسوخ إذ ما من عام إلا وقد خص

ثم المخصص له إما متصل وإما منفصل

فالمتصل خمسة وقعت في القرآن

أحدها الاستثناء نحو والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا والشعراء يتبعهم الغاوون إلى قوله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات الآية ومن يفعل ذلك يلق أثاما إلى قوله إلا من تاب والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كل شيء هالك إلا وجهه

3983 الثاني الوصف نحو وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن

3984 الثالث الشرط نحو والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية

3985 الرابع الغاية نحو قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى قوله حتى يعطوا الجزية ولا تقربوهن حتى يطهرن ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض الآية

3986 والخامس بدل البعض من الكل نحو ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا

والمنفصل آية أخرى في محل آخر أو حديث أو إجماع أو قياس

3987 ومن أمثلة ما خص بالقرآن قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء خص بقوله إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة وبقوله وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن

3988 وقوله حرمت عليكم الميتة والدم خص من الميتة السمك بقوله أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ومن الدم الجامد بقوله أو دما مسفوحا

3989 وقوله وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا الآية خص بقوله تعالى فلا جناح عليهما فيما افتدت به

( 3990 وقوله الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة خص بقوله فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب

3991 وقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء خص بقوله حرمت عليكم أمهاتكم الآية

3992 ومن أمثلة ما خص بالحديث قوله تعالى وأحل الله البيع خص منه البيوع الفاسدة وهي كثيرة بالسنة وحرم الربا خص منه العرايا بالسنة

3993 وآيات المواريث خص منها القاتل والمخالف في الدين بالسنة

3994 وآية تحريم الميتة خص منها الجراد بالسنة وآية ثلاثة قروء خص منها الأمة بالسنة

3995 وقوله ماء طهورا خص منه المتغير بالسنة

3996 وقوله والسارق والسارقة فاقطعوا خص منه من سرق دون ربع دينار بالسنة

3997 ومن أمثلة ما خص بالإجماع آية المواريث خص منها الرقيق فلا يرث بالإجماع ذكره مكي

3998 ومن أمثلة ما خص بالقياس آية الزنا فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة خص منها العبد بالقياس على الأمة المنصوصة في قوله فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب المخصص لعموم الآية ذكره مكي أيضا

2 - فصل

3999 من خاص القرآن ما كان مخصصا لعموم السنة وهو عزيز ومن أمثلته قوله تعالى حتى يعطوا الجزية خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله )

4000 وقوله حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى خص عموم نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الأوقات المكروهة بإخراج الفرائض

4001 وقوله ومن أصوافها وأوبارها الآية خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم ( ما أبين من حي فهو ميت )

4002 وقوله والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي )

4003 وقوله فقاتلوا التي تبغي خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا التقى المسلمان بالسيف فالقاتل والمقتول في النار )

فروع منثورة تتعلق بالعموم والخصوص

4004 الأول إذا سيق العام للمدح أو الذم فهل هو باق على عمومه فيه مذاهب أحدها نعم إذ لا صارف عنه ولا تنافي بين العموم وبين المدح أو الذم

والثاني لا لأنه لم يسق للتعميم بل للمدح أو للذم

والثالث وهو الأصح التفصيل فيعم إن لم يعارضه عام آخر لم يسق لذلك ولا يعم ن عارضه ذلك جمعا بينهما

مثاله ولا معارض قوله تعالى إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم

ومع المعارض قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنه سيق للمدح وظاهره يعم الأختين بملك اليمين جمعا وعارضه في ذلك وأن تجمعوا بين الأختين فإنه شامل لجمعهما بملك اليمين ولم يسق للمدح فحمل الأول على غير ذلك بأن لم يرد تناوله له

4005 ومثاله في الذم والذين يكنزون الذهب والفضة الآية فإنه سيق للذم وظاهره يعم الحلي المباح وعارضه في ذلك حديث جابر ( ليس في لحلي زكاة ) فحمل الأول على غير ذلك

4006 الثاني اختلف في الخطاب الخاص به صلى الله عليه وسلم نحو يا أيها النبي يا أيها الرسول هل يشمل الأمة فقيل نعم لأن أمر القدوة أمر لأتباعه معه عرفا والأصح في الأصول المنع لاختصاص الصيغة به

4007 الثالث اختلف في الخطاب ب ( يأيها الناس ) هل يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم على مذاهب أصحها وعليه الأكثرون نعم لعموم الصيغة له

4008 أخرج ابن أبي حاتم عن الزهري قال إذا قال الله ( يأيها الذين آمنوا افعلوا ) فالنبي صلى الله عليه وسلم منهم

4009 والثاني لا لأنه ورد على لسانه لتبليغ غيره ولما له من الخصائص

4010 والثالث إن اقترن ب ( قل ) لم يشمله لظهوره في التبليغ وذلك قرينة عدم شموله وإلا فيشمله

4011 الرابع الأصح في الأصول أن الخطاب ( يأيها الناس ) يشمل الكافر والعبد لعموم اللفظ

وقيل لا يعم الكافر بناء على عدم تكليفه بالفروع ولا العبد لصرف منافعه إلى سيده شرعا

4012 الخامس اختلف في ( من ) هل تتناول الأنثى فالأصح نعم خلافا للحنفية لنا قوله تعالى ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى فالتفسير بهما دال على تناول ( من ) لهما وقوله ومن يقنت منكن لله

4013 واختلف في جمع المذكر السالم هل يتناولها فالأصح لا وإنما يدخلن فيه بقرينة أما المكسر فلا خلاف في دخولهن فيه

4014 السادس اختلف في الخطاب ( يا أهل الكتاب ) هل يشمل المؤمنين فالأصح لا لأن اللفظ قاصر على من ذكر

وقيل إن شركوهم في المعنى شملهم وإلا فلا

واختلف في الخطاب ( يأيها الذين آمنوا ) هل يشمل أهل الكتاب فقيل لا بناء على أنهم غير مخاطبين بالفروع

وقيل نعم واختاره ابن السمعاني قال وقوله ( يأيها الذين آمنوا ) خطاب تشريف لا تخصيص

السابقالتالي

جلال الدين السيوطي (ت ٩١١ هـ) — الإتقان في علوم القرآن · المصادر