اشتقاق أسماء الله وصفاته، وإظهار معانيها
1-
"الرحمن الرحيم": صفتان مبنيتان من "الرحمة". قال أبو عبيدة: وتقديرهما: ندمان، ونديم (1) .
* * *
2-
ومن صفاته: "السلام". قال: {السلام المؤمن المهيمن} (2) ومنه سمي الرجل: عبد السلام؛ كما يقال: عبد الله.
ويرى أهل النظر - من أصحاب اللغة -: أن "السلام" بمعنى السلامة؛ كما يقال: الرضاع والرضاعة، واللذاذ واللذاذة (3) . قال الشاعر:
تحيى بالسلامة أم بكر ... فهل لك - بعد قومك - من سلام?
فسمى نفسه - جل ثناؤه - "سلاما": لسلامته مما يلحق الخلق: من العيب والنقص، والفناء والموت.
قال الله جل وعز: {والله يدعو إلى دار السلام} (4) ؛ فالسلام: الله؛ وداره: الجنة. يجوز أن يكون سماها "سلاما": لأن الصائر إليها يسلم فيها من
كل ما يكون في الدنيا: من مرض ووصب، وموت وهرم؛ وأشباه ذلك. فهي دار السلام. ومثله: {لهم دار السلام عند ربهم} (1) .
ومنه يقال: السلام عليكم. يراد: اسم السلام عليكم. كما يقال: اسم الله عليكم.
وقد بين ذلك لبيد، فقال:
إلى الحول, ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (2)
ويجوز (3) أن يكون [معنى] "السلام عليكم": السلامة لكم. وإلى هذا المعنى، يذهب من قال: "سلام الله عليكم، وأقرئ فلانا سلام الله".
وقال: {وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من أصحاب اليمين} (4) ؛ يريد: فسلامة لك منهم؛ أي: يخبرك عنهم بسلامة. وهو معنى قول المفسرين.
ويسمى الصواب من القول "سلاما": لأنه سلم من العيب والإثم. قال: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (5) ؛ أي: سدادا من القول.
* * *
3-
ومن صفاته: "القيوم" و "القيام". وقرئ بهما جميعا.
وهما "فيعول" و "فيعال" (6) . من "قمت بالشيء": إذا وليته. كأنه القيم بكل شيء. ومثله في التقدير قولهم: ما فيها ديور وديار (7) .
4-
ومن صفاته: "سبوح".
وهو حرف مبني على "فعول"؛ من "سبح الله": إذا نزهه وبرأه من كل عيب.
ومنه قيل: سبحان الله؛ أي: تنزيها لله، وتبرئة له من ذلك.
ومنه قوله: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض} (1) .
وقال الأعشى:
أقول لما جاءنا فخره ... سبحان من علقمة الفاخر (2)
أراد: التبرؤ من علقمة. وقد يكون تعجب [بالتسبيح من فخره؛ كما يقول القائل إذا تعجب] من شيء: سبحان الله.
فكأنه قال: عجبا من علقمة الفاخر.
* * *
5-
ومن صفاته: "قدوس".
وهو حرف مبني على "فعول"؛ من "القدس" وهو: الطهارة.
ومنه قيل: "الأرض المقدسة" (3) ؛ يراد: المطهرة بالتبريك. ومنه قوله حكاية عن الملائكة: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} (4) ؛ أي: ننسبك
إلى الطهارة. و"نقدسك ونقدس لك" و"نسبح لك ونسبحك" بمعنى واحد.
وحظيرة القدس - فيما قاله أهل النظر - هي: الجنة. لأنها موضع الطهارة من الأدناس التي تكون في الدنيا: من الغائط والبول والحيض، وأشباه ذلك.
* * *
6-
ومن صفاته: "الرب".
والرب: المالك. يقال: هذا رب الدار، ورب الضيعة، ورب الغلام. أي: مالكه؛ قال الله سبحانه: {ارجع إلى ربك} (1) ؛ أي: إلى سيدك.
ولا يقال لمخلوق: هذا الرب؛ معرفا بالألف واللام؛ كما يقال لله. إنما يقال: هذا رب كذا. فيعرف بالإضافة. لأن الله مالك كل شيء. فإذا قيل: الرب؛ دلت الألف واللام على معنى العموم. وإذا قيل لمخلوق: رب كذا ورب كذا؛ نسب إلى شيء خاص: لأنه لا يملك [شيئا] غيره.
ألا ترى أنه قيل: "الله"؛ فألزم الألف واللام: ليدل بها على أنه إله كل شيء. وكان الأصل: "الإلاه". فتركت الهمزة: لكثرة ما يجري ذكره - عز وجل - على الألسنة؛ وأدغمت لام المعرفة في اللام التي لقيتها؛ وفخمت وأشبعت حتى طبق اللسان بها الحنك: لفخامة ذكره تبارك وتعالى؛ وليفرق أيضا - عند الابتداء بذكره - بينه وبين اللات [والعزى] .
* * *
7-
ومن صفاته: "المؤمن".
وأصل الإيمان: التصديق. قال: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين}
(1) ؛ أي: وما أنت بمصدق ولو كنا صادقين. ويقال [في الكلام] : ما أومن بشيء مما تقول؛ أي: ما أصدق بذلك.
فإيمان العبد بالله: تصديقه قولا وعملا وعقدا. وقد سمى الله الصلاة - في كتابه - إيمانا؛ فقال: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} (2) ؛ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس.
فالعبد مؤمن، أي: مصدق محقق. والله مؤمن، أي: مصدق ما وعده ومحققه، أو قابل إيمانه.
وقد يكون "المؤمن" من "الأمان"؛ أي: لا يأمن إلا من أمنه [الله] .
وقد ذكرت الإيمان ووجوهه، في كتاب "تأويل المشكل (3) ".
وهذه الصفة - من صفات الله جل وعز - لا تتصرف تصرف غيرها؛ لا يقال: أمن الله؛ كما يقال: تقدس الله. ولا يقال: يؤمن الله؛ كما يقال: يتقدس الله.
وكذلك يقال: "تعالى الله". وهو تفاعل من "العلو". و"تبارك الله" هو تفاعل من "البركة" و"الله متعال". ولا يقال: متبارك. لم نسمعه.
وإنما ننتهي في صفاته إلى حيث انتهى؛ فإن كان قد جاء من هذا شيء - عن الرسول صلى الله عليه وعلى آله، أو عن الأئمة -: جاز أن يطلق، كما أطلق غيره.
* * *
8-
ومن صفاته: "المهيمن".
وهو: الشهيد. قال الله: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} (1) ؛ أي: شاهدا عليه. هكذا قال ابن عباس في رواية أبي صالح عنه.
وروى عنه - من غير هذه الجهة - أنه قال: "أمينا عليه" (2) .
وهذا أعجب إلي؛ وإن كان التفسيران متقاربين. لأن أهل النظر - من أصحاب اللغة - يرون: أن "مهيمنا" اسم مبني من "آمن" (3) ؛ كما بني "بطير" و "مبيطر" و "بيطار" من "بطر". قال الطرماح:
كبزغ البطير الثقف رهص الكوادن (4)
وقال النابغة:
شك المبيطر إذ يشفي من العضد (1)
وكأن الأصل، "مؤيمن"؛ ثم قلبت الهمزة هاء: لقرب مخرجهما؛ كما تقلب في "أرقت الماء"، فيقال: هرقت الماء. وقالوا: ماء مهراق؛ والأصل: ماء مراق. وقالوا: "إبرية وهبرية، وأيهات وهيهات، وإياك وهياك". فأبدلوا من الهمزة هاء. وأنشد الأخفش:
فهياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده, ضاقت عليك مصادره (2)
* * *
و"آمين" اسم من أسماء الله. وقال قوم من المفسرين - في قول المصلي بعد فراغه من قراءة أم الكتاب: "آمين"-: [أمين] قصر من (3) ذلك؛ كأنه قال: يا ألله؛ وأضمر "استجب لي" -: لأنه لا يجوز أن يظهر هذا في هذا الموضع من الصلاة؛ إذ كان كلاما.- ثم تحذف ياء النداء.
وهكذا يختار أصحاب اللغة في "أمين": أن يقصروا الألف، ولا يطولوا. وأنشدوا فيه:
تباعد مني فطحل إذ سألته ... أمين, فزاد الله ما بيننا بعدا (1)
ويفتحونها: لانفرادها، وانقطاعها عما يضمر فيها: من معنى النداء. حتى صارت عندهم معنى "كذلك فعل الله".
وقد أجازوا أيضا "آمين" مطولة الألف. وحكوها عن قوم فصحاء.
وأصلها: "يا أمين" بمعنى: يا ألله. ثم تحذف همزة "أمين" استخفافا لكثرة ما تجرى هذه الكلمة على ألسنة الناس. ومخرجها مخرج "آزيد". يريد: يا زيد. و "آراكب" يريد: يا راكب. وقد سمعنا من فصحاء العرب: "آخبيث"؛ يريدون: يا خبيث.
وفي ذلك قول آخر؛ يقال: إنما مدت الألف فيها، ليطول بها الصوت.
كما قالوا: "أوه" مقصورة الألف، ثم قالوا: "آوه" [ممدودة] . يريدون تطويل الصوت بالشكاية. وقالوا: "سقط على حاق رأسه"؛ أي: على حق رأسه (2) . وكذلك "آمين": أرادوا تطويل الصوت بالدعاء.
وهذا أعجب إلي.
* * *
وأما قول العباس بن عبد المطلب، في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
حتى احتوى بيتك المهيمن من ... خندف, علياء تحتها النطق (1)
فإنه أراد: حتى احتويت - يا مهيمن- من خندف علياء؛ فأقام البيت مقامه: لأن بيته إذا حل بهذا المكان، فقد حل هو به. وهو كما يقال: بيته أعز بيت. وإنما يراد: صاحبه. قال النابغة:
وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... تخال به راعي الحمولة طائرا (2)
ولم يكن بيته في جبل بهذه الصفة؛ إنما أراد: أني ممتنع على من أرادني، فكأني حللت في يفاع ممنع.
* * *
9-
ومن صفاته: "الغفور".
وهو من قولك: "غفرت الشيء": إذا غطيته. كما يقال: "كفرته": إذا غطيته. ويقال: كذا أغفر من كذا؛ أي: أستر. و "غفر الخز والصوف" ما علا فوق الثوب منها: كالزئبر. سمي "غفرا": لأنه ستر الثوب. ويقال لجنة
الرأس: "مغفر"؛ لأنها تستر الرأس (1) . فكأن "الغفور": الساتر لعبده برحمته، أو الساتر لذنوبه.
ونحو منه قولهم: "تغمدني برحمتك"؛ أي: ألبسني إياها. ومنه قيل: "غمد السيف"؛ لأنه يغمد فيه، أي: يدخل.
* * *
10-
ومن صفاته: "الواسع".
وهو الغني. والسعة: الغنى. قال الله [: {لينفق ذو سعة من سعته} (2) أي] : يعط من سعته.
* * *
11-
ومن صفاته: "البارئ".
ومعنى "البارئ": الخالق. يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم.
و"البرية": الخلق. وأكثر العرب والقراء: على ترك همزها؛ لكثرة ما جرت على الألسنة. وهي "فعيلة" بمعنى "مفعولة".
ومن الناس من يزعم: أنها مأخوذة من "بريت العود".
ومنهم من يزعم: أنها من "البرى"، وهو: التراب أي: خلق من التراب. وقالوا: لذلك لم يهمز.
وقد بينت هذا في كتاب "القراءات" (1) وذكرت موضع الأخبار منه.
* * *
12-
ومثل البارئ: "الذارئ".
وهو: الخالق. يقال: ذرأ الله الخلق. وقال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا} (2) أي: خلقنا. و "الذرية" منه؛ لأنها خلق الله من الرجل.
وأكثر القراء والعرب: على ترك همزها؛ لكثرة ما يتكلم بها.
ومنهم من يزعم: أنها من "ذروت" أو "ذريت".
* * *
13-
ومن صفاته ما جاء على "فعيل" بمعنى "فاعل"؛ نحو: "قدير" بمعنى "قادر"، و"بصير" بمعنى "باصر"، و"سميع" بمعنى "سامع"، و"حفيظ" بمعنى "حافظ" و"بديء" بمعنى: "بادئ الخلق"، و"شهيد" بمعنى "شاهد"، و"عليم" بمعنى "عالم"، و"رقيب" بمعنى "راقب" - وهو: الحافظ - و"كفيل" بمعنى "كافل"، و"خبير" بمعنى "خابر"، و"حكيم" بمعنى "حاكم"، و"مجيد" بمعنى "ماجد" وهو: الشريف.
* * *
14-
ومن صفاته ما جاء على "فعيل" بمعنى "مفعل"؛ نحو:
"بصير" بمعنى "مبصر"، و "بديع الخلق" بمعنى "مبدع الخلق". كما قالوا: "سميع"؛ بمعنى مسمع. قال عمرو بن معديكرب:
أمن ريحانة الداعي السميع (1)
و"عذاب أليم" أي: مؤلم، و"ضرب وجيع" أي: موجع.
[ومنه] : {إن الله كان على كل شيء حسيبا} (2) ؛ أي: كافيا. من قولك: "أحسبني هذا الشيء"، أي: كفاني (3) . و"الله حسيبي وحسيبك" أي: كافينا؛ أي: يكون حكما بيننا كافيا. قال الشاعر:
ونقفي وليد الحي: إن كان جائعا ... ونحسبه: إن كان ليس بجائع (4)
أي: نعطيه ما يكفيه، حتى يقول: حسبي.
وقال بعض المفسرين -في قوله: {إن الله كان على كل شيء حسيبا} -: أي محاسبا. وهو -على هذا التأويل- في مذهب "جليس" و "أكيل" و "شريب" و "نديم" و "قعيد".
* * *
15-
ومن صفاته ما جاء على "فعيل": لا يكون منها غير لفظها؛ نحو:
"قريب" و"جليل" و"حليم" و"عظيم" و"كبير" و"كريم" -وهو الصفوح عن الذنوب- و"وكيل" وهو الكفيل. قال: {والله على ما نقول وكيل} (1) {وكفى بالله وكيلا} (2) {وتوكل عليه} (3) ؛ أي: اجعله كافلك، واعتمد على كفالته لك. ووكيل الرجل في ماله هو الذي كفله له، وقام به.
* * *
16 -
ومن صفاته: "الودود".
وفيه قولان. يقال: هو "فعول" بمعنى "مفعول"؛ كما يقال: رجل هيوب؛ أي مهيب، يراد به: مودود.
ويقال: هو "فعول" بمعنى "فاعل" كقولك: غفور؛ بمعنى غافر. أي: يود عباده الصالحين.
وقد تأتي الصفة بالفعل لله ولعبده، فيقال: "العبد شكور لله" أي: يشكر نعمه. و "الله شكور للعبد" أي: يشكر له عمله. و "العبد تواب إلى الله من الذنب"، و "الله تواب عليه".
* * *
17-
و "كبرياء الله": شرفه. وهو من "تكبر": إذا أعلا نفسه.
18-
و "جد الله": عظمته. ومنه قوله: {تعالى جد ربنا} (1) .
ومنه يقال في افتتاح الصلاة: "تبارك اسمك، وتعالى جدك" (2) .
يقال: جد الرجل في صدور الناس وفي عيونهم، إذا عظم. ومنه قول أنس: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران، جد فينا" (3) ؛ أي: عظم.
19-
و "مجد الله": شرفه، وكرمه.
20-
و "جبروته": تجبره؛ أي تعظمه.
21-
و "ملكوته": ملكه. ويقال: دار ملكه.
وزيدت التاء فيهما، كما زيدت في "رهبوت" و "رحموت". تقول العرب: "رهبوت خير من رحموت"؛ أي: [أن] ترهب خير من أن ترحم.
* * *
22-
و "فضل الله": عطاؤه. وكذلك "منه" هو: عطاؤه. يقال: الله ذو من عظيم. ومنه قوله: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب} (4) ؛ أي أعط أو أمسك. وقوله: {ولا تمنن تستكثر} (5) ؛ أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت.
* * *
23-
و "حمد الله": الثناء عليه بصفاته الحسنى. و "شكره":
الثناء عليه بنعمه وإحسانه. تقول: "حمدت الرجل": إذا أثنيت عليه بكرم وحسب وشجاعة: وأشباه ذلك؛ و "شكرت له": إذا أثنيت عليه بمعروف أولاكه.
وقد يوضع الحمد موضع الشكر. ولا يوضع الشكر موضع الحمد.
* * *
24-
و "أسماء الله الحسنى": (1) الرحمن، والرحيم، والغفور، والشكور؛ وأشباه ذلك.
* * *
25-
والإلحاد (2) في أسمائه: [الجور عن الحق والعدول عنه، وذكر] اللات والعزى، وأشباه ذلك.
* * *
26-
و "مثله الأعلى" (3) لا إله إلا الله. ومعنى المثل -ها هنا- معنى الصفة؛ أي: هذه صفته. وهي أعلى من كل صفة: إذ كانت لا تكون إلا له.
ومثل هذا -مما المثل فيه بمعنى الصفة- قوله في صفة أصحاب رسوله: {ذلك مثلهم في التوراة} (4) ؛ أي: صفتهم. وقوله: {مثل الجنة التي وعد المتقون} (5) ؛ أي: صفتها. وقد بينت هذا في كتاب "المشكل" (6) .
ابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦ هـ) — غريب القرآن · المصادر