الجزء ١ — ص ٣–١٢
بسم الله الرحمن الرحيم
( مقدمة المؤلف )
قال الشيخ الإمام العالم العلامة ، وحيد الدهر ، وفريد العصر ، جامع أشتات الفضائل ، وناصر الحق بالبرهان من الدلائل ، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي الشافعي ، بلغه الله منه ما يرجوه :
الحمد لله الذي نور بكتابه القلوب ، وأنزله في أوجز لفظ وأعجز أسلوب ، فأعيت بلاغته البلغاء ، وأعجزت حكمته الحكماء ، وأبكمت فصاحته الخطباء .
أحمده أن جعل الحمد فاتحة أسراره ، وخاتمة تصاريفه وأقداره ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله المصطفى ، ونبيه المرتضى ، الظافر من المحامد بالخصل ، الظاهر بفضله على ذوي الفضل . معلم الحكمة ، وهادي الأمة ، أرسله بالنور الساطع ، والضياء اللامع ، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار ، وصحبه الأخيار .
أما بعد فإن أولى ما أعملت فيه القرائح ، وعلقت به الأفكار اللواقح ، الفحص عن أسرار التنزيل ، والكشف عن حقائق التأويل ، الذي تقوم به المعالم ، وتثبت الدعائم . فهو العصمة الواقية ، والنعمة الباقية ، والحجة البالغة ، والدلالة الدامغة ، وهو شفاء الصدور ، والحكم العدل عند مشتبهات الأمور ؛ وهو الكلام الجزل ، الفضل الذي ليس بالهزل ، سراج لا يخبو ضياؤه ، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه ، وبحر لا يدرك غوره .
بهرت بلاغته العقول ، وظهرت فصاحته على كل مقول ، وتظافر إيجازه وإعجازه ، وتظافرت حقيقته ومجازه ، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه ، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه ، قد أحكم الحكيم صيغته ومبناه ، وقسم لفظه ومعناه ، إلى ما ينشط السامع ، ويقرط المسامع ، من تجنيس أنيس ، وتطبيق لبيق ، وتشبيه نبيه ، وتقسيم وسيم ، وتفصيل أصيل ، وتبليغ بليغ وتصدير بالحسن جدير ، وترديد ما له مزيد ؛ إلى غير ذلك مما أجرى من الصياغة البديعة ، والصناعة الرفيعة ، فالآذان بأقراطه حالية ، والأذهان من أسماطه غير خالية ؛ فهو من تناسب ألفاظه ، وتناسق أغراضه ، قلادة ذات اتساق ؛ ومن تبسم زهره ، وتنسم نشره ، حديقة مبهجة للنفوس والأسماع والأحداق ؛ كل كلمة منه لها من نفسها طرب ، ومن ذاتها عجب ومن طلعتها غرة ، ومن بهجتها درة ، لاحت عليه بهجة القدرة ، ونزل ممن له الأمر ، فله على كل كلام سلطان وإمرة ، بهر تمكن فواصله ، وحسن ارتباط أواخره وأوائله ، وبديع إشاراته ، وعجيب انتقالاته ؛ من قصص باهرة ، إلى مواعظ زاجرة ، وأمثال سائرة ، وحكم زاهرة ، وأدلة على التوحيد ظاهرة ، وأمثال بالتنزيه والتحميد سائرة ، ومواقع تعجب واعتبار ، ومواطن تنزيه واستغفار ؛ إن كان سياق الكلام ترجية بسط ، وإن كان تخويفا قبض ، وإن كان وعدا أبهج ، وإن كان وعيدا أزعج ، وإن كان دعوة حدب ، وإن كان زجرة أرعب ، وإن كان موعظة أفلق ، وإن كان ترغيبا شوق .
% هذا ، وكم فيه من مزايا % % وفي زواياه من خبايا %
% ويطمع الحبر في التقاضي % % فيكشف الخبر عن قضايا %
فسبحان من سلكه ينابيع في القلوب ، وصرفه بأبدع معنى وأغرب أسلوب ،
لا يستقصي معانيه فهم الخلق ، ولا يحيط بوصفه على الإطلاق ذو اللسان الطلق ، فالسعيد من صرف همته إليه ، ووقف فكره وعزمه عليه ، والموفق من وفقه الله لتدبره ، واصطفاه للتذكير به وتذكره ، فهو يرتع منه في رياض ، ويكرع منه في حياض .
% أندى على الأكباد من قطر الندى % % وألذ في الأجفان من سنة الكرى %
يملأ القلوب بشرا ، ويبعث القرائح عبيرا ونشرا ، يحيي القلوب بأوراده ، ولهذا سماه الله روحا ؛ فقال : ^ ( يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده ) ^ ، فسماه روحا لأنه يودي إلى حياة الأبد ، ولولا الروح لمات الجسد ، فجعل هذا الروح سببا للاقتدار ، وعلما على الاعتبار .
% يزيد على طول التأمل بهجة % % كأن العيون الناظرات صياقل %
وإنما يفهم بعض معانيه ، ويطلع على أسراره ومبانيه ؛ من قوي نظره ، واتسع مجاله في الفكر وتدبره ؛ وامتد باعه ، ورقت طباعه ، وامتد في فنون الأدب ، وأحاط بلغة العرب .
قال الحرالي في جزء سماه : ' مفتاح الباب المقفل ، لفهم الكتاب المنزل ' : لله تعالى مواهب ، جعلها أصولا للمكاسب ، فمن وهبه عقلا يسر عليه السبيل ، ومن ركب فيه خرقا نقص ضبطه من التحصيل ، ومن أيده بتقوى الاستناد إليه في جميع
أموره علمه وفهمه . قال : وأكمل العلماء من وهبه الله تعالى فهما في كلامه ، ووعيا عن كتابه ، وتبصرة في الفرقان ، وإحاطة بما شاء من علوم القرآن ، ففيه تمام شهود ما كتب الله لمخلوقاته من ذكره الحكيم ، بما يزيل بكريم عنايته من خطأ اللاعبين ؛ إذ فيه كل العلوم .
وقال الشافعي رضي الله عنه : جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة ، وجميع السنة شرح للقرآن . وجميع القرآن شرح أسماء الله الحسنى ، وصفاته العليا - زاد غيره : وجميع الأسماء الحسنى شرح لاسمه الأعظم - وكما أنه أفضل من كل كلام سواه ، فعلومه أفضل من كل علم عداه ؛ قال تعالى : ^ ( أفمن يعلم أنما أنزل إليكم من ربك الحق كمن هو أعمى ) ^ وقال تعالى : ^ ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) ^ قال مجاهد : الفهم والإصابة في القرآن . وقال . وقال مقاتل : يعني علم القرآن .
وقال سفيان بن عيينة في قوله تعالى : ^ ( سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق ) ^ ، قال : أحرمهم فهم القرآن .
وقال سفيان الثوري : لا يجتمع فهم القرآن والاشتغال بالحطام في قلب مؤمن أبدا .
وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني : مثل علم القرآن مثل الأسد لا يمكن من غيله سواه .
قال ذو النون المصري : أبى الله عز وجل [ إلا ] أن يحرم قلوب البطالين مكنون حكمة القرآن .
وقال عز وجل : ^ ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) ^ . وقال : ^ ( أفلا يتدبرون القرآن ) ^ .
وقال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى : ^ ( اهدنا الصراط المستقيم ) ^ قال : القرآن ، يقول : أرشدنا إلى علمه .
وقال الحسن البصري : علم القرآن ذكر لا يعلمه إلا الذكور من الرجال .
وقال الله جل ذكره : ^ ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) ^ . وقال تعالى : ^ ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ) ^ ؛ يقول : إلى كتاب الله .
وكل علم من العلوم منتزع من القرآن ، وإلا فليس له برهان . قال ابن مسعود : من أراد العلم فليثور القرآن ، فإن فيه علم الأولين والآخرين . رواه البيهقي في المدخل وقال : أراد به أصول العلم .
وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم علماء ؛ كل منهم مخصوص بنوع من العلم كعلي رضي الله تعالى عنه بالقضاء ، وزيد بالفرائض ، ومعاذ بالحلال والحرام ، وأبي بالقراءة ، فلم يسم أحد منهم بحرا إلا عبد الله بن عباس لاختصاصه دونهم بالتفسير وعلم التأويل ؛ وقال فيه علي بن أبي طالب : كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق . وقال فيه عبد الله بن مسعود : نعم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ؛ وقد مات ابن مسعود في سنة ثنتين وثلاثين ؛ وعمر بعده ابن عباس ستا وثلاثين سنة ؛ فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود ! نعم ؛ كان لعلي فيه اليد السابقة قبل ابن عباس ؛ وهو القائل : لو أردت أن أملي وقر بعير على الفاتحة لفعلت .
وقال ابن عطية : فأما صدر المفسرين والمؤيد فيهم فعلي بن أبي طالب ، ويتلوه ابن عباس رضي الله عنهما ؛ وهو تجرد للأمر [ وكمله ] ، وتتبعه العلماء عليه ؛ كمجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما .
وكان جلة من السلف كسعيد بن المسيب والشعبي وغيرهما ، يعظمون تفسير القرآن ، ويتوقفون عنه تورعا واحتياطا لأنفسهم ، مع إدراكهم وتقدمهم .
ثم جاء بعدهم طبقة فطبقة ، فجدوا واجتهدوا ؛ وكل ينفق مما رزق الله ؛ ولهذا كان سهل بن عبد الله يقول : لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم لم يبلغ نهاية ما أودعه الله في آية من كتابه ؛ لأنه كلام الله ، وكلامه صفته . وكما أنه ليس لله نهاية ، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه ؛ وإنما يفهم كل بمقدار ما يفتح الله عليه . وكلام الله غير مخلوق ، ولا تبلغ إلى نهاية فهمه فهوم محدثه مخلوقة .
ولما كانت علوم القرآن لا تنحصر ، ومعانيه لا تستقصى ، وجبت العناية بالقدر الممكن . ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على أنوع علومه ، كما وضع الناس ذلك بالنسبة إلى علم الحديث ؛ فاستخرت الله تعالى - وله الحمد - في وضع كتاب في ذلك جامع لما تكلم الناس في فنونه ، وخاضوا في نكته وعيونه ، وضمنته من المعاني الأنيقة ، والحكم الرشيقة ، ما يهز القلوب طربا ، ويبهر العقول عجبا ؛ ليكون مفتاحا لأبوابه ، وعنوانا على كتابه ؛ معينا للمفسر على حقائقه ، ومطلعا على بعض أسراره ودقائقه ؛ والله المخلص والمعين ، وعليه أتوكل ، وبه أستعين ، وسميته : ' البرهان في علوم القرآن ' . وهذه فهرست أنواعه :
الأول : معرفة سبب النزول .
الثاني : معرفة المناسبات بين الآيات .
الثالث : معرفة الفواصل .
الرابع : معرفة الوجوه والنظائر .
الخامس : علم المتشابه .
السادس : علم المبهمات .
السابع : في أسرار الفواتح .
الثامن : في خواتم السور .
التاسع : في معروفة المكي والمدني .
العاشر : معرفة أول ما نزل .
الحادي عشر : معرفة على كم لغة نزل .
الثاني عشر : في كيفية إنزاله .
الثالث عشر : في بيان جمعه ومن حفظه من الصحابة .
الرابع عشر : معرفة تقسيمه .
الخامس عشر : معرفة أسمائه .
السادس عشر : معرفة ما وقع فيه من غير لغة الحجاز .
السابع عشر : معرفة ما فيه من لغة العرب .
الثامن عشر : معرفة غريبه .
التاسع عشر : معرفة التصريف .
العشرون : معرفة الأحكام .
الحادي والعشرون : معرفة كون اللفظ أو التركيب أحسن وأفصح .
الثاني والعشرون : معرفة اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص .
الثالث والعشرون : معرفة توجيه القراءات .
الرابع والعشرون : معرفة الوقف والابتداء .
الخامس والعشرون : علم مرسوم الخط .
السادس والعشرون : معرفة فضائله .
السابع والعشرون : معرفة خواصه .
الثامن والعشرون : هل في القرآن شيء أفضل من شيء .
التاسع والعشرون : في آداب تلاوته .
الثلاثون : في أنه هل يجوز في التصانيف والرسائل والخطب استعمال بعض آيات القرآن .
الحادي والثلاثون : معرفة الأمثال الكائنة فيه .
الثاني والثلاثون : معرفة أحكامه .
الثالث والثلاثون : في معرفة جدله .
الرابع والثلاثون : معرفة ناسخه ومنسوخه .
الخامس والثلاثون : معرفة توهم المختلف .
السادس والثلاثون : في معرفة المحكم من المتشابه .
السابع والثلاثون : في حكم الآيات المتشابهات الواردة في الصفات .
الثامن والثلاثون : معرفة إعجازه .
التاسع والثلاثون : معرفة وجوب تواتره .
الأربعون : في بيان معاضدة السنة للكتاب .
الحادي والأربعون : معرفة تفسيره .
الثاني والأربعون : معرفة وجوب المخاطبات .
الثالث والأربعون : بيان حقيقته ومجازه .
الرابع والأربعون : في الكناية والتعريض .
الخامس والأربعون : في أقسام معنى الكلام .
السادس والأربعون : في ذكر ما يتيسر من أساليب القرآن .
السابع والأربعون : في معرفة الأدوات .
واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه ، لاستفرغ عمره ، ثم لم يحكم أمره ؛ ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله ، والرمز إلى بعض فصوله ؛ فإن الصناعة طويلة والعمر قصير ؛ وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير !
% قالوا خذ العين من كل فقلت لهم % % في العين فضل ولكن ناظر العين %
بدر الدين الزركشي (ت ٧٩٤ هـ) — البرهان في علوم القرآن · المصادر