علوم القرآن · أسباب النزول للواحدي · الفصل ٧١ من ٨٦

سورة الليل

بسم الله الرحمن الرحيم

(1) - حدثنا أبو معمر بن إسماعيل الإسماعيلي إملاء بجرجان سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، أخبرنا أبو الحسن علي بن عمر الحافظ، أخبرنا علي بن الحسن بن هارون، أخبرنا العباس بن عبد الله الترقفي، أخبرنا حفص بن عمر، أخبرنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلا كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل إذا جاء ودخل الدار فصعد النخلة ليأخذ منها التمر فربما سقطت التمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من نخلته حتى يأخذ التمرة من أيديهم فإن وجدها في فم أحدهم أدخل إصبعه حتى يخرج التمرة من فيه، فشكا الرجل ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره بما يلقى من صاحب النخلة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - "اذهب"، ولقي صاحب النخلة وقال: "تعطيني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنة؟ " فقال له الرجل: لقد أعطيت، وإن لي نخلا كثيرا وما فيها نخلة أعجب إلي ثمرة منها، ثم ذهب الرجل فلقي رجلا كان يسمع الكلام من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أتعطيني ما أعطيت الرجل نخلة في الجنة إن أنا أخذتها؟ قال: "نعم"، فذهب الرجل فلقي صاحب النخلة فساومها منه فقال له: أشعرت أن محمدا أعطاني بها نخلة في الجنة فقلت:

يعجبني ثمرها؟ فقال له الآخر: أتريد بيعها؟ قال: لا، إلا أن أعطى لها ما لا أظنه أعطي. قال: فما مناك؟ قال: أربعون نخلة قال له الرجل: لقد جئت بعظيم، تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة؟ ثم سكت عنه، فقال له: أنا أعطيك أربعين نخلة، فقال له: أشهد لي إن كنت صادقا، فمر ناس فدعاهم

فأشهد له بأربعين نخلة، ثم ذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن النخلة قد صارت في ملكي فهي لك، فذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى صاحب الدار فقال: "إن النحلة لك ولعيالك"، فأنزل الله تبارك وتعالى: {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى}

أخبرنا أبو بكر الحارثي، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، أخبرنا الوليد بن أبان أخبرنا محمد بن إدريس، أخبرنا منصور بن أبي مزاحم، أخبرنا ابن أبي الوضاح، عن يونس، عن ابن إسحاق، عن عبد الله: أن أبا بكر اشترى بلالا من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق من ذهب فأعتقه، فأنزل الله تبارك وتعالى: {والليل إذا يغشى} إلى قوله: {إن سعيكم لشتى} سعي أبي بكر وأمية بن خلف.

قوله تعالى: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى} الآيات {5 - 6} .

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن جعفر بن الهيثم الأنباري، أخبرنا جعفر بن محمد بن شاكر، أخبرنا قبيصة، أخبرنا سفيان الثوري، عن منصور والأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار"، قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} رواه البخاري عن أبي نعيم عن الأعمش، ورواه مسلم عن أبي زهير بن حرب عن جرير عن منصور.

(1) - أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان، أخبرنا أحمد بن جعفر بن مالك قال: حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل، أخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن أبي عتيق، عن عامر بن عبد الله، عن بعض أهله، قال أبو قحافة لابنه أبي بكر: يا بني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدة يمنعونك ويقومون دونك، فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد، قال: فتحدث ما أنزل هؤلاء الآيات إلا فيه وفيما قاله أبوه: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى} إلى آخر السورة.

وذكر من سمع ابن الزبير وهو على المنبر يقول: كان أبو بكر يبتاع الضعفة من العبيد فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، قال: ما منع ظهري أريد، فنزلت فيه: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى} إلى آخر السورة.

وقال عطاء عن ابن عباس: إن بلالا لما أسلم ذهب إلى الأصنام فسلح عليها وكان عبدا لعبد الله بن جدعان، فشكى إليه المشركون ما فعل، فوهبه لهم ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء وهو يقول أحد أحد، فمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ينجيك أحد أحد"، ثم أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أن بلالا يعذب في الله، فحمل أبو بكر رطلا من ذهب فابتاعه به، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك إلا ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله تعالى: {وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى} .

السابقالتالي

أبو الحسن الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) — أسباب نزول القرآن · المصادر